القصه كامله 1
الجزء الثاني السر الذي أخفته مريم
كانت مريم تسير في الطريق المؤدي إلى منزل والدتها، وعيناها معلقتان بالنافذة.
لم تبكِ.
كانت تشعر فقط بفراغ غريب، وكأن السنوات الثلاث الماضية انطفأت فجأة خلفها.
عندما وصلت، وجدتها والدتها أمينة تنتظر أمام الباب.
ما إن رأتها حتى أسرعت نحوها واحتضنتها.
مريم! لماذا لم تخبريني أنكِ ستأتين؟
ابتسمت مريم بصعوبة.
كنت بحاجة إلى أن أكون بجانبك اليوم يا أمي.
نظرت أمينة إلى وجه ابنتها طويلًا.
ماذا حدث؟
هزت مريم رأسها.
سأحكي لكِ بعد أن نزور والدك.
ذهب الاثنتان إلى المقبرة.
جلست مريم أمام قبر والدها، وأشعلت الشمعة التي حملتها معها من القاهرة.
وضعتها بجوار صورته، ثم قالت بصوت منخفض
سامحني يا أبي. تأخرت عليك كثيرًا.
وضعت أمها يدها على كتفها.
أبوك كان دائمًا يقول إنك أقوى مما تظنين.
خفضت مريم عينيها.
كنت أظن أنني بنيت زواجًا. لكنني اكتشفت أنني كنت أبني حياة لرجل لم يكن يستحقها.
بعد انتهاء الزيارة، عادتا إلى المنزل.
وبمجرد أن أغلقت أمينة الباب، قالت
الآن أخبريني بالحقيقة.
جلست مريم أمام والدتها.
ثم أخرجت من حقيبتها ملفًا أسود.
تغير وجه أمينة.
هل ما زلتِ تحتفظين به؟
أومأت مريم.
منذ ثلاث سنوات.
فتحت الملف.
كانت بداخله مستندات وعقود وحسابات بنكية.
قالت أمينة بقلق
كنت أتمنى ألا تضطري إلى استخدامه.
ابتسمت مريم بحزن.
وأنا أيضًا.
سكتت لحظات، ثم قالت
عندما كان طارق بلا عمل، لم أكن أساعده من راتبي فقط.
رفعت أمينة حاجبيها.
ماذا تقصدين؟
كنت أعمل في شركة استثمارية، وكنت قد وفرت مبلغًا كبيرًا من المال قبل زواجنا. وعندما وجد طارق فرصة إنشاء مشروع صغير، أعطيته المال على أساس أنه قرض، وساعدته في تأسيس الشركة.
فتحت أمينة إحدى الأوراق.
لكن هذه ليست مجرد مساعدة.
أعرف.
أشارت مريم إلى المستندات.
الشركة التي يفتخر بها أمام الناس بدأت بأموالي. والأسوأ من ذلك أنني احتفظت بنسبة قانونية من الملكية.
صمتت أمينة.
ثم قالت
وهل يعرف طارق؟
هزت مريم رأسها.
كان يعرف أنني ساعدته، لكنه لا يعرف حجم المساعدة. كان يظن أنني تبرعت له بكل شيء.
ولماذا أخفيتِ الأمر؟
أغلقت مريم الملف.
لأنني أردت أن أعرف إن كان يحبني أنا... أم يحب ما أستطيع أن أقدمه له.
تنهدت أمينة.
وماذا اكتشفتِ؟
نظرت مريم إلى والدتها.
اكتشفت أنه عندما أصبح ناجحًا، بدأ يعاملني وكأنني عبء عليه.
وقبل أن تضيف شيئًا، رن هاتفها.
كان رقمًا من القاهرة.
ردت.
ألو؟
جاءها صوت رجل متوتر
مدام مريم؟ أنا سامح، المحاسب السابق لشركة طارق.
اعتدلت في جلستها.
ماذا حدث؟
لا أستطيع الحديث عبر الهاتف. هناك أشياء اكتشفتها في الحسابات.
تغيرت ملامح مريم.
ما الأشياء؟
صمت الرجل للحظات.
ثم قال
هناك تحويلات مالية تمت من الشركة إلى حسابات شخصية. وبعضها يحمل توقيع طارق.
وما علاقتي بهذا؟
قال سامح بصوت خافت
لأن الأموال التي خرجت لم تكن كلها أموال الشركة.
شعرت مريم بقبضة في صدرها.
ماذا تقصد؟
جزء من الأموال كان مرتبطًا بحصتك أنتِ في الشركة.
ساد الصمت.
قال سامح بسرعة
لكن هذا ليس أسوأ شيء.
ماذا هناك؟
هناك مستند آخر وجدته في مكتب طارق.
ما هو؟
اتفاقية بيع.
تجمدت مريم.
بيع ماذا؟
حصتك.
لم تستطع مريم الرد.
تابع سامح
يبدو أن طارق كان يحاول نقل ملكيتك إلى شخص آخر دون علمك.
وضعت مريم يدها على فمها.
ثم سألت
لمن؟
قال سامح
لشركة جديدة تم تأسيسها منذ عدة أشهر.
ومن يملكها؟
تردد سامح.
ثم قال
والدته... الحاجة نوال.
شهقت أمينة.
أما مريم فبقيت صامتة.
فجأة بدأت كل التفاصيل تتجمع في ذهنها.
إصرار نوال على طردها.
إصرار طارق على الطلاق.
ثقتهم بأنها ستعود نادمة.
لم يكن الأمر يتعلق فقط برحيلها عن المنزل.
كانا يريدان التخلص منها قبل أن تكتشف الحقيقة.
قال سامح
مدام مريم، هناك اجتماع لمجلس الإدارة غدًا صباحًا.
وماذا سيحدث فيه؟
طارق سيعلن أن ملكية الشركة أصبحت بالكامل تحت سيطرته.
أغلقت مريم عينيها.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ ساعات.
لكن ابتسامتها لم تكن ابتسامة حزن.
كانت ابتسامة امرأة أدركت أخيرًا أنها لم تخسر شيئًا.
قالت
سامح، لا تفعل أي شيء.
ماذا؟
دعهم يعقدون الاجتماع.
لكن...
أريدهم أن يعتقدوا أنني لا أعرف شيئًا.
أنهت المكالمة.
نظرت إليها أمينة بقلق.
مريم، ماذا ستفعلين؟
وقفت مريم، وأعادت الملف إلى حقيبتها.
سأعود إلى القاهرة.
الآن؟
لا.
نظرت إلى الساعة.
غدًا صباحًا.
ثم أضافت بهدوء
لكنني لن أعود إلى بيت طارق.
توقفت لحظة، ثم قالت
سأذهب إلى المكان الذي لم يتوقع أبدًا أن أملكه.
وفي صباح اليوم التالي، دخل طارق إلى مقر الشركة وهو يعتقد أن كل شيء أصبح تحت سيطرته.
لم يكن يعرف أن شخصًا آخر كان ينتظره في قاعة الاجتماع.
وشخصًا واحدًا فقط كان يملك الإجابة عن السؤال الذي سيقلب حياته رأسًا على عقب
من يملك الشركة فعلًا؟
يتبع...
الجزء الثالث صاحب الحق الحقيقي
في الثامنة والنصف صباحًا، دخل طارق مقر الشركة بثقة واضحة.
كان يرتدي بدلته الأنيقة، وحوله عدد من الموظفين الذين اعتادوا معاملته باحترام منذ أن أصبح المدير الإقليمي.
لم يكن أحد يعرف أن الرجل الذي يمشي بينهم بفخر كان على وشك أن يفقد كل شيء.
دخل غرفة الاجتماعات، فوجد والدته نوال جالسة إلى جواره.
ابتسمت له وقالت
أرأيت؟ قلت لك إنها ستعود خلال أيام.
رد طارق بثقة
مريم وقّعت بنفسها على الطلاق. انتهى كل شيء.
وضعت نوال يدها على حقيبتها.
والأهم أن حصتها في الشركة أصبحت مسألة وقت.
دخل أعضاء مجلس الإدارة تباعًا.
وبعد دقائق، بدأ الاجتماع.
وقف طارق أمام الشاشة وقال
كما تعلمون، خلال السنوات الماضية حققت الشركة نموًا كبيرًا. ولهذا قررت إعادة تنظيم الملكية والإدارة.
ظهرت على الشاشة مجموعة من المستندات.
قال
وبناءً على الاتفاقيات الموقعة، أصبحت الملكية الإدارية تحت سيطرتي بالكامل.
هز بعض الحاضرين رؤوسهم.
كان كل شيء يسير كما خطط له.
حتى فتح باب القاعة.
دخل رجل خمسيني يحمل حقيبة جلدية.
عرفه طارق فورًا.
كان المستشار القانوني للشركة، الأستاذ فؤاد.
عبس طارق.
ماذا تفعل هنا؟ الاجتماع لم ينتهِ.
أجاب فؤاد بهدوء
بل جئت في الوقت المناسب تمامًا.
وضع ملفًا كبيرًا أمامه.
ثم قال
قبل أن نكمل، هناك مستندات يجب مراجعتها.
توترت نوال.
أي مستندات؟
فتح فؤاد الملف.
مستندات تثبت أن نقل ملكية حصة السيدة مريم لم يتم بصورة قانونية.
ساد الصمت.
نهض طارق من مكانه.
هذا غير صحيح. لدينا توقيعات.
أخرج فؤاد نسخة من عقد الملكية.
هذه التوقيعات لا تكفي.
ثم أضاف
لأن صاحبة الحصة لم توافق على البيع، ولم توقع أمام جهة التوثيق المختصة.
احمر وجه طارق.
أنت لا تفهم.
رد فؤاد
أنا أفهم جيدًا.
ثم دفع ورقة أخرى باتجاهه.
وهذه نسخة من عقد تأسيس الشركة.
نظر طارق إليها.
ثم تجمد.
كانت نسبة كبيرة من الأسهم مسجلة باسم مريم.
قال أحد أعضاء المجلس
إذن مريم ما زالت شريكة؟
أجاب فؤاد
ليست مجرد شريكة.
ثم نظر إلى طارق مباشرة.
هي صاحبة الحصة الأكبر.
بدأ الهمس داخل القاعة.
أما نوال، فكانت تنظر إلى ابنها بصدمة.
طارق... قلت لي إن كل شيء انتهى.
لم يجبها.
كان يحدق في الأوراق وكأنه لا يستطيع تصديق ما يراه.
وفجأة رن هاتف أحد أعضاء المجلس.
نظر إلى الشاشة، ثم قال
وصلت رسالة إلى جميع الأعضاء.
فتح الرسالة.
كان المرسل هو مريم.
وفيها خطاب رسمي قصير
إلى أعضاء مجلس الإدارة المحترمين،
أحيطكم علمًا بأنني لن أشارك في أي قرار يتعلق بحصتي في الشركة دون حضوري شخصيًا ومراجعة جميع المستندات القانونية والمالية.
وأطلب تجميد أي إجراء لنقل ملكيتي إلى حين انتهاء المراجعة.
مع خالص الاحترام.
رفع الرجل عينيه.
مريم تعرف كل شيء.
جلس طارق ببطء.
قالت نوال
كيف عرفت؟
نظر إليها فؤاد.
لأنها كانت تتابع الشركة منذ البداية.
ثم أخرج مستندًا أخيرًا.
بل كانت هي التي طلبت مني الاحتفاظ بنسخة أصلية من العقود منذ ثلاث سنوات.
رفع طارق رأسه.
ثلاث سنوات؟
أومأ فؤاد.
منذ اليوم الذي ساهمت فيه مريم في تأسيس الشركة.
ساد الصمت.
وفجأة اهتز هاتف طارق.
نظر إلى الشاشة.
كانت رسالة من إدارة الموارد البشرية.
قرأها مرة.
ثم أعاد قراءتها.
تغير وجهه بالكامل.
قالت نوال
ماذا حدث؟
لم يرد.
اقتربت منه.
طارق، ماذا هناك؟
أغلق الهاتف بيده.
ثم قال بصوت خافت
تم إيقافي عن العمل.
شهقت نوال.
ماذا؟
إيقاف مؤقت لحين انتهاء التحقيق المالي.
لم يستوعب أحد ما يحدث.
وفي اللحظة نفسها، دخل موظف آخر إلى القاعة يحمل