من اسابيع
من أسابيع، كنت بشوف مراتي بتنزل على ركبتها قدام البانيو مرتين كل يوم، وكنت فاكر إنها بس بتنضف الحمام.
كانت دايمًا تقول لي
في ريحة غريبة طالعة من الصرف.
كنت بصدقها، خصوصًا إن سلوى طول عمرها دقيقة جدًا في نظافة البيت.
لكن في اليوم اللي الدكتور محمود الشافعي، الطبيب العسكري المتقاعد، لقى بقايا مادة طبية تحت شبكة الصرف، كل حاجة اتغيرت.
أول ما شاف القطعة الصغيرة، قال لي
ما تلمسش أي حاجة هنا... واتصل بالشرطة حالًا!
أنا اسمي حسام عبد الرحمن، عندي واحد وستين سنة، وعايش في إسكندرية.
متقاعد من سنتين بعد ثلاثين سنة في إدارة مخازن ومستلزمات مصانع.
كنت طول عمري فاكر إن خبرتي في ترتيب المخازن والسجلات خلتني شخص صعب يتضحك عليه.
لكن اللي حصل في بيتي أثبت لي العكس.
بقالها حوالي شهر، سلوى كانت بتدخل الحمام مرتين كل يوم.
تنزل على ركبتها، تنظف حوالين البانيو، تفرك البلاط، وبعدها تحط مادة قوية في فتحة الصرف.
وكل مرة كنت أسألها
إيه اللي مخليكي مهتمة بالحمام بالشكل ده؟
كانت ترد
ريحة المواسير غريبة.
ومع الوقت بدأت أنا كمان أحس إن فيه حاجة غريبة.
كنت بعد الغدا أحس بنعاس شديد.
وأحيانًا أصحى من النوم وأنا مش فاكر إمتى نمت.
ومرتين حسيت بدوخة قوية وأنا نازل السلم.
لكن كنت بقول
يمكن السن.
يمكن الإرهاق.
لحد صباح يوم الأحد.
دخلت الحمام أدور على شريط مسكن، ولمحت علبة الفيتامينات بتاعتي.
وقفت مكانى.
الختم الداخلي كان شكله غريب.
كأنه اتفتح واتقفل تاني.
صورت العلبة بالموبايل، وحطيتها مكانها.
ما كنتش عارف ليه صورتها.
لكن إحساس جوايا قال لي
في حاجة غلط.
بعد ساعات، جه الدكتور محمود يزورني.
كان صديق قديم للعيلة، وطبيبًا عسكريًا سابقًا قضى أكثر من عشرين سنة في الخدمة.
أول ما شافني قال
حسام، إنت تعبان؟
ضحكت وقلت
ليه؟ شكلي وحش للدرجة دي؟
قال
وشك مرهق.
حكيت له عن الدوخة والنوم المفاجئ.
وبعدين وريته صور علبة الفيتامينات.
محمود سكت.
أخد نفس طويل وقال
ممكن أستخدم الحمام؟
دخل.
وبعد أقل من دقيقة سمعته بيقول
حسام!
دخلت بسرعة.
كان واقف جنب البانيو، وبإيده منديل صغير.
وفيه قطعة بلاستيك دقيقة جدًا.
قال
لقيت دي تحت شبكة الصرف.
سألته
دي إيه؟
رد
شكلها مرتبط بعبوة طبية.
وبعدين بص لي بجدية
ومش المفروض تكون موجودة في حمام بيت.
سألته
يعني إيه؟
قال
يعني ما تلمسش حاجة.
وبعدها طلب مني أتصل بالشرطة.
وصلت الشرطة، واتاخدت عينات من الصرف وبعض العبوات الموجودة في الحمام.
الضابط سألني
حضرتك عملت فحوصات طبية قريب؟
قلت
كان عندي فحص شامل من حوالي ثلاثة أسابيع.
سأل
عملته؟
لأ.
ليه؟
قلت
العيادة قالت إنها ألغته.
الضابط رفع عينه
مين قال لحضرتك إن العيادة ألغته؟
قلت
مراتي.
سألني
حضرتك اتصلت بالعيادة بنفسك؟
سكت.
لأ.
خرجت سلوى من البيت في نفس اللحظة.
كانت راجعة من السوبر ماركت.
أول ما شافت الشرطة، وقفت مكانها.
وبعدين دخلت ببطء.
بصت لي.
وبصت للضابط.
وقالت
حسام... إنت عملت إيه؟
ما قالتش
في إيه؟
ولا
حصل إيه؟
قالت
إنت عملت إيه؟
الضابط بدأ يسألها عن الحمام.
كل سؤال كان بيخلي ردودها أقصر.
وفي النهاية قالت جملة خلتني أحس إن الأرض اتحركت تحتي
ما كانش لازم تتصل بالشرطة.
بصيت لها.
ليه؟
ما ردتش.
من اللحظة دي، ما عدتش عارف أصدق مين.
في الليلة نفسها، الشرطة مشيت بعد ما سجلت أقوالنا.
دخلت أوضة المكتب.
فتحت الخزنة.
كنت بدور على ملف قديم.
لكن لقيت ورقة مطوية في آخر درج.
فتحتها.
كانت قائمة.
سبعة عشر اسمًا.
جنب كل اسم تاريخ وملاحظات قصيرة.
قرأت أول اسم.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
والثلاثة كان جنبهم كلمة واحدة
متوفى.
حسيت ببرودة في إيدي.
كملت قراءة.
لحد ما وصلت لآخر اسم.
حسام عبد الرحمن.
اسمي.
وبجانبه الرقم
16.
فضلت واقف مكاني.
لأن الأرقام كانت تنازلية.
والاسم الأخير في القائمة كان اسمي.
سمعت صوت سلوى من ورايا
إنت فتحت الخزنة؟
لفيت لها.
كانت واقفة عند باب المكتب.
قلت
إيه دي؟
بصت للورقة.
وشها اتغير.
لكنها ما حاولتش تنكر.
قالت
اقفل الباب.
قلت
الأول هتفسريلي؟
قالت
لو عايز تعرف الحقيقة، اقفل الباب.
قفلت الباب.
جلست قدامها.
قلت
مين الستاشر واحد؟
قالت
ناس اتعاملوا مع نفس المشكلة اللي إنت بتتعامل معاها.
يعني إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت
الأسماء دي مش ضحايا.
اتصدمت.
أمال إيه؟
قالت
مرضى.
فتحت عيني.
مرضى إيه؟
قالت
مرضى كانوا بيستخدموا نظام علاجي غير قانوني... من غير ما يعرفوا كل تفاصيله.
سألتها
وإنتِ عرفتيهم إزاي؟
قالت
كنت براجع ملفاتهم.
ملفات فين؟
سكتت لحظة.
ثم قالت
في مستشفى اتقفلت من خمس سنين.
هنا بدأت الصورة تتضح.
سلوى ما كانتش بتدور على طريقة تؤذيني.
كانت بتحاول تعرف إذا كان جسمي اتعرض لنفس المادة اللي ظهرت في ملفات المرضى.
والتنظيف المتكرر للحمام ما كانش لإخفاء دليل.
كان لأنها كانت بتجمع بقايا صغيرة جدًا من العبوات والمواد اللي كانت بتلاقيها في البيت، وتحاول تتأكد من مصدرها.
أما الرقم 16 بجانب اسمي...
فما كانش ترتيب الضحايا.
كان ترتيب الحالات اللي قدرت سلوى توصل إليها.
قلت لها
طب والتلاتة اللي ماتوا؟
ردت
ماتوا قبل ما حد يعرف الحقيقة.
سألتها
وإنتِ كنتِ بتعملي إيه طول الفترة دي؟
قالت
بجمع الأدلة.
ثم فتحت درج المكتب وطلعت ملفًا سميكًا.
حطته قدامي.
داخل الملف كانت صور وتقارير طبية وشهادات وفاة.
لكن المفاجأة كانت في آخر صفحة.
كان فيه تقرير معمل رسمي.
وتحته اسم شركة طبية كبيرة.
الشركة نفسها كانت موردة للمستشفى.
وفجأة فهمت ليه سلوى كانت مرعوبة من الشرطة.
مش لأنها مذنبة.
لكن لأنها كانت تعرف إن اللي قدامنا أكبر من مجرد قضية مادة مجهولة.
قلت لها
وإنتِ كنتِ مخبية ده عني ليه؟
قالت
لأن أي حد عرف، كان ممكن يتعرض للخطر.
قبل ما أكمل كلامي، رن جرس الباب.
سلوى بصت لي.
ثم بصت للساعة.
وقالت
محدش المفروض ييجي دلوقتي.
فتحت الباب بحذر.
كان الدكتور محمود.
لكن المرة دي ما كانش جاي لوحده.
كان معاه ضابط من الشرطة.
وقال
حسام، لازم تيجي معانا.
قلبي وقع.
ليه؟
الضابط مد لي ملفًا.
لأن التحليل الأولي خلص.
فتحت الملف.
أول سطر خلاني مش قادر أتكلم.
العينة اللي اتاخدت من الحمام كانت مرتبطة بنفس المادة الموجودة في ملفات المرضى السبعة عشر.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر التالي
المادة لم تكن مخصصة للعلاج المنزلي.
بصيت لسلوى.
قالت
عشان كده كنت بنضف الحمام.
سألتها
عشان إيه؟
قالت
عشان كنت بلاقي آثار منها كل يوم.
سألت
وإنتِ عارفة مين بيحطها؟
هزت رأسها.
دلوقتي عرفت.
الضابط فتح الملف على صفحة أخيرة.
وكان فيها اسم واحد.
مش اسم سلوى.
ولا اسمي.
كان اسم المسؤول عن المخزن الطبي في المستشفى القديمة.
وتحته ملاحظة
الشخص الوحيد الذي كان يمتلك صلاحية صرف المادة.
بصيت للدكتور محمود.
قال
الشخص ده اختفى من خمس سنين.
ثم أضاف
لكنه رجع من أسبوع.
سألت
فين؟
الضابط رد
في إسكندرية.
في نفس اللحظة، رن هاتف سلوى.
بصت للشاشة.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
وكان فيها سطر واحد
بلاش تدوري أكتر... لأن الاسم الأخير في القائمة مش حسام.
سلوى رفعت عينيها لي.
وقالت
يبقى إحنا فهمنا القائمة غلط.
سألتها
يعني إيه؟
قالت
القائمة مش فيها سبعتاشر مريض.
ثم قلبت الورقة على ظهرها.
كان فيه رقم مكتوب بالقلم الأحمر
18
وتحته
الشاهد.
ولأول مرة فهمت إن القضية ما كانتش عن مادة في الحمام.
ولا عن قائمة موتى.
كانت عن شخص كان بيحاول يوصل للحقيقة...
قبل ما حد يمنعه.
وفي صباح اليوم التالي، ظهرت الحقيقة كاملة.
الشخص الذي كان يعبث بالمواد الطبية لم يكن سلوى.
ولم تكن القضية مؤامرة داخل بيتنا.
كانت شبكة سرقة وتلاعب في سجلات طبية، استخدمت أسماء مرضى حقيقيين لإخفاء عمليات صرف غير قانونية.
والستة عشر اسمًا كانوا أشخاصًا اكتشفت سلوى أن ملفاتهم اتلاعب بها.
أما اسمي، فكان آخر اسم لأنها اكتشفت أن سجلي الطبي نفسه تم فتحه وتعديله من غير علمي.
أما الرقم 18...
فكان خاصًا بالشخص الذي اكتشف التلاعب قبل الجميع.
الدكتور محمود.
هو الذي طلب من سلوى الاحتفاظ بالأدلة بعيدًا عن أي شخص، إلى أن يتم تسليمها للشرطة.
وفي النهاية، تم ضبط المسؤول عن المخزن وعدد من المتورطين، وأُعيد فتح ملفات المرضى المتضررين للتحقيق.
أما سلوى، فلم تكن تخفي عني خيانة أو سرًا شخصيًا.
كانت تخفي حقيقة واحدة
أنها كانت تحاول حمايتي من قضية أكبر من بيتنا.
وبعد شهور، وقفت في نفس الحمام.
بصيت ناحية البانيو.
مكان كانت فيه بداية الخوف.
ثم بصيت لسلوى وقلت
عارفة أكتر حاجة خوفتني؟
قالت
إيه؟
قلت
إني كنت فاكر إن الخطر جوه البيت.
ابتسمت وقالت
وهو كان في الورق.
قفلت الخزنة.
وسلمنا كل الملفات للشرطة.
ومن يومها، ما بقاش عندنا قوائم سرية.
ولا عبوات مجهولة.
ولا أبواب مقفولة.
بقى عندنا شيء واحد بس
الحقيقة.
وأحيانًا...
الحقيقة لما تتأخر، بتخوف.
لكنها تفضل أرحم من إنك تعيش عمرك كله وإنت مصدق حكاية مش حقيقية فضلت باصص للرقم 18 ثواني طويلة.
وبعدين سألت الدكتور محمود
يعني إيه الشاهد؟
محمود ما ردش فورًا.
قفل باب المكتب، وقعد قدامي.
وقال
لأن الشخص ده هو الوحيد اللي شاف اللي حصل من البداية.
سلوى حطت الملف على الترابيزة.
والشخص ده اختفى.
قلت
اختفى إزاي؟
محمود رد
من خمس سنين، بعد ما حاول يبلغ عن التلاعب في الملفات.
سألته
واسمه إيه؟
بص لي مباشرة.
اسمه عادل منصور.
الاسم ما كانش غريب عليا.
لكن مش قادر أفتكر فين سمعته.
فتحت القائمة تاني.
وقلت
لو هو الشاهد، ليه اسمه مش موجود؟
سلوى قالت
لأنه ما كانش مريض.
ثم أشارت للرقم 18.
كان الشخص اللي بيجمع الأدلة.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
ما سمعتش أي صوت.
قلت
ألو؟
صمت.
وبعدين جالي تسجيل صوتي مدته سبع ثواني.
صوت رجل كبير في السن بيقول
لو عايز تعرف مين حط المادة في بيتك... دور على الملف رقم 18.
المكالمة انتهت.
بصيت لسلوى.
قالت
الملف رقم 18 مش معانا.
قلت
أمال فين؟
محمود قال
لو عادل لسه محتفظ بنسخة منه، يبقى فيه احتمال كبير إنه خباه في المكان الوحيد اللي محدش فكر يدور فيه.
سألته
فين؟
قال
المستشفى القديمة.
بعد ساعة، كنا واقفين قدام مبنى مهجور على أطراف المدينة.
المستشفى كانت مقفولة من سنين.
الأبواب الحديدية صدئة.
والنوافذ مكسورة.
دخلنا من باب جانبي كان محمود عارف مكانه.
جوه، كل حاجة كانت مغطاة بالتراب.
سلوى كانت ماسكة كشاف.
وأنا ماشي وراهم.
لحد ما وقف محمود فجأة.
قال
هنا.
كان قدامنا ممر طويل.
وفي آخره غرفة أرشيف.
دخلنا.
صفوف من الخزائن المعدنية كانت لسه موجودة.
بدأت سلوى تدور على الأرقام.
رقم 16...
17...
19...
لكن مفيش 18.
قلت
مفيش ملف 18.
محمود قرب من الخزانة رقم 19.
خبط عليها بإيده.
الصوت كان مختلف.
قال
استنى.
فتح الدرج.
كان فاضي.
لكن قاع الدرج كان أعلى من الطبيعي.
طلع مفك صغير من جيبه، ورفع اللوح المعدني.
ظهر تجويف ضيق.
وفيه ظرف بني قديم.
على الظرف مكتوب
إلى الشخص الذي سيجد هذا الملف.
فتحت سلوى الظرف.
جواه صور.
أسماء.
وتواريخ.
لكن آخر ورقة كانت أهم واحدة.
كانت خريطة لمخزن طبي.
وعليها دائرة حمراء.
وفوقها جملة
المادة لم تخرج من المستشفى.
سكتنا كلنا.
قلت
أمال خرجت منين؟
محمود قلب الورقة.
وكان فيه عنوان.
عنوان مخزن خاص.
قلت
ده مش تابع للمستشفى.
سلوى قالت
بالضبط.
ثم رفعت صورة قديمة.
الصورة كانت لرجل واقف أمام المخزن.
بصيت للصورة.
واتجمدت.
لأن الرجل كان مألوفًا جدًا.
قلت
أنا شفته قبل كده.
محمود سأل
فين؟
رديت
من أسبوع.
سلوى قربت مني.
فين يا حسام؟
قلت
كان واقف قدام العمارة.
فجأة سمعنا صوت باب بيتقفل في آخر الممر.
محمود أطفأ الكشاف فورًا.
وسكتنا.
خطوات كانت بتقرب.
خطوة...
خطوتين...
ثلاثة...
وبعدين صوت رجل قال
أنا عارف إنكم لقيتوا الملف.
سلوى همست
ما تردش.
الرجل أكمل
وعارف كمان إن حسام موجود.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إزاي عرف اسمي؟
ثم قال
لكن اللي مش عارفينه... إن القائمة الأصلية فيها اسم تاني.
محمود خرج من الظلام وقال
عادل؟
سكت الرجل.
وبعدين قال
محمود الشافعي...
ضحك ضحكة قصيرة.
بعد كل السنين دي، لسه بتدور؟
محمود رد
ولسه مش هقف.
فجأة اتفتح باب جانبي، وظهر رجل في أواخر الستينات.
ملامحه كانت متعبة، لكن عينيه ثابتتين.
كان هو عادل.
دخل وقال
أنا مش اللي حط