دخلت جناحي
دخلت جناحي في الفندقولقيت أولادي التلاتة نايمين فوق جسم عاملة النظافة اللي كنت لسه معينها من يومين.
تلات شهور وأنا مش عارف أنام بسببهم.
جبت لهم أغلى سراير أطفال.
أجهزة تنفس.
أطباء أطفال.
ممرضات بالليل.
أجهزة ذكية تراقب نومهم.
دفعت مبالغ خرافية علشان ألاقي أي حاجة تهديهم.
ولا حاجة نفعت.
لكن هي؟
كانت لابسة جوانتي التنظيف الأصفر
وحاضناهم بس.
وكانوا نايمين في سلام.
وقفت أبص لها ثواني.
وبدل ما أسألها عملت إيه
قلت ببرود
إنتِ مرفودة.
هي ماجادلتش.
ولا حاولت تبرر.
خلعت الجوانتي وحطته على الترابيزة.
بصت لأولادي نظرة أخيرة
وخرجت.
وأول ما الباب اتقفل وراها بأربع ثواني
التلاتة انفجروا في العياط.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني
إني سمعت صوتها من ورا الباب وهي بتدندن لحن قديم.
نفس التهويدة اللي كانت أمي بتغنيها لي وأنا طفل.
أمي اللي بقالي 16 سنة مشوفتهاش.
اسمي عمر المنشاوي.
عندي أكبر سلسلة فنادق في القاهرة.
وعلى الورق، حياتي مثالية.
فلوس.
نفوذ.
شغل.
اسم معروف.
لكن من 11 أسبوع، حياتي اتحولت لچحيم.
لأن أولادي التلاتة اتولدوا.
ياسين، آدم، ويوسف.
تلات توائم.
عندهم تلات شهور.
وأمهم، مراتي نادين، ماټت بسبب مضاعفات مفاجئة بعد الولادة.
من يومها وأنا بحاول أعوض غيابها بكل حاجة أقدر أشتريها.
مواعيد دقيقة.
رضعات محسوبة بالملي.
درجة حرارة الأوضة 22 بالظبط.
ستائر أوتوماتيك.
أجهزة مراقبة.
تقارير يومية.
أي حاجة الفلوس تقدر تجيبها
أنا جبتها.
لكن مفيش حاجة قدرت تعمل اللي كانت بتعمله أمهم.
التلاتة كانوا بيعيطوا بالساعات.
أوقات لدرجة إن صوتهم كان ينهكني أنا نفسي.
جبت دكاترة أطفال من أكبر المستشفيات.
متخصصين نوم.
ممرضات أطفال.
وأخصائيين علاج طبيعي.
ولا حد عرف السبب.
ولا حد عرف يسكتهم.
لكن الليلة دي كانت مختلفة.
دخلت جناحي الساعة 312.
ولقيت الهدوء.
الهدوء اللي كنت بدفع ملايين علشان أسمعه.
بصيت ناحية السرير.
لقيت سلمى.
عاملة النظافة اللي لسه بقالها يومين في الفندق.
عندها 24 سنة.
لابسة الزي الأزرق.
شعرها مربوط بسرعة.
والجوانتي الأصفر لسه في إيديها.
ياسين نايم على صدرها.
آدم متكور جنب دراعها.
أما يوسف، أكتر واحد فيهم بيعيط
فكان نايم على ضهرها، ونفسه منتظم مع نفسها.
وقفت مكاني.
مش مصدق.
الأوضة كانت ضلمة.
بس فيه أباجورة صغيرة منورة بنور دافي.
التكييف كان مقفول.
وعلى الترابيزة كان فيه كيس قماش صغير.
قربت منه.
ريحته كانت روزماري ولاڤندر.
ريحة أخدتني فجأة لسنين بعيدة.
ريحة بيتنا القديم.
ريحة أمي.
لكنني طردت الإحساس بسرعة.
وشغلت نور السقف.
سلمى صحيت مڤزوعة.
يوسف اتحرك.
ياسين فتح عينه.
قلت بعصبية
إنتِ عملتي إيه في ولادي؟
قامت بحذر علشان متوقعش حد منهم.
وقالت
ولا حاجة يا فندم. كانوا بيعيطوا ومحدش عارف يهديهم.
وأشارت للتكييف.
الهوا كان جاي عليهم مباشرة، فقفلته.
وبعدين قالت
وطفيت النور وقعدت أحضنهم.
بصيت للكيس القماش.
وده إيه؟
قالت
ريحته بس.
حطيتي لهم حاجة؟
هزت راسها بسرعة.
لأ والله. دي أعشاب كانت بتستخدمها خالتي وأنا صغيرة.
قلت بحدة
ممنوع تاخدي أي قرار يخص صحة ولادي من نفسك.
سلمى بصتلي لأول مرة في عيني.
وقالت بهدوء
أنا مخدتش قرار طبي يا فندم أنا بس حضنتهم.
الجملة ضړبتني في مكان موجع.
لأنها كانت الحقيقة.
أنا بقالي 11 أسبوع بخاف ألمس أولادي.
كل مرة كانوا بيعيطوا، أقرأ تقرير.
أقيس الحرارة.
أراجع مواعيد الرضاعة.
أطلب دكتور.
لكن عمري ما قعدت ببساطة
أحضنهم.
افتكرت آخر مرة شوفت فيها نادين في المستشفى.
آخر نظرة في عينيها.
والإحساس بالذنب اللي عايش معايا من يومها.
فبدل ما أواجه ضعفي
طلعت ڠضبي عليها.
قلت
إنتِ مرفودة.
وشها شحب.
يا فندم، أنا بس
قاطعتها
الأمن هيوصلك لحد الباب.
سكتت.
خلعت الجوانتي الأصفر.
حطته جنب السرير.
بصت لأولادي.
وبعدين خرجت من غير ما تقول كلمة.
الباب اتقفل.
عدت أربع ثواني.
وفجأة
ياسين بدأ يعيط.
آدم فتح بقه وبدأ ېصرخ.
يوسف، اللي كان نايم بهدوء من ثواني، أطلق صړخة خلت جسمي كله ينتفض.
خلال أقل من دقيقة
الجناح كله اتقلب چحيم.
نور.
أصوات.
أجهزة بتصفر.
تلات أطفال بيعيطوا في نفس الوقت.
شيلتهم واحد واحد.
هديتهم.
غيرت لهم.
حضرت رضعة.
شغلت موسيقى.
ولا حاجة.
يوسف فضل ېصرخ.
وأنا لأول مرة حسيت بالعجز.
أنا اللي عمر ما حد قال لي لأ.
أنا اللي أي مشكلة في شغلي بحلها بفلوس أو قرار.
لكن قدام تلات أطفال صغيرين
مكنتش قادر أعمل حاجة.
نزلت على الأرض.
بصيت حواليّ.
ولقيت جنب السرير منديل ورق عليه بقعة خضرا.
روزماري.
مسكته في إيدي.
وقتها سمعت صوت
ضعيف جدًا من بره الباب.
صوت سلمى.
كانت بتدندن نفس اللحن اللي أمي كانت بتغنيهولي وأنا صغير.
اتجمدت.
نفس اللحن.
نفس التهويدة.
نفس النغمة اللي اختفت من حياتي من 16 سنة.
فتحت الباب بسرعة.
لكن سلمى كانت اختفت.
نزلت عيني على الأرض.
ولقيت الجوانتي الأصفر اللي سابته.
وتحته
ورقة صغيرة مكتوب عليها اسم واحد.
عالية.
اسم أمي.
رفعت الورقة وإيدي بدأت تترعش.
لأن أمي مش بس اختفت من حياتي من 16 سنة
أبويا قال لي يومها إنها ماټت وسابتنا ومشيت.
لكن لأول مرة
بدأت أشك إن كل اللي أعرفه عن أمي كان كڈبة.
وبصيت ناحية أولادي وهم بيعيطوا.
وفهمت إن سلمى مكانتش مجرد عاملة نظافة لقتهم صدفة.
هي كانت عارفة أمي وكانت جاية الفندق علشان سبب محدد
فتحت الباب بسرعة، وبصيت في الممر يمين وشمال.
مفيش حد.
ناديت بصوت عالي
سلمى!
مفيش رد.
خرجت من الجناح وجريت ناحية المصعد، لكن أول ما وصلت لقيت باب المصعد بيتقفل.
وقبل ما يقفل تمامًا، لمحتها.
سلمى كانت واقفة جوه.
بصتلي للحظة.
ولا قالت كلمة.
وبعدين المصعد نزل.
فضلت واقف مكاني وأنا حاسس إن دماغي مش قادرة تستوعب اللي بيحصل.
اسم أمي.
التهويدة.
ريحة الروز ماري واللافندر.
والبنت دي اللي ظهرت في حياتي من يومين بالظبط.
رجعت للجناح.
التلاتة لسه بيعيطوا.
قربت منهم، وحاولت أشيل يوسف.
لكن أول ما حضنته، سكت للحظة.
بصيت له باستغراب.
قربته من صدري أكتر.
وسكت تمامًا.
قلبي دق بسرعة.
حاولت أعمل نفس اللي عملته سلمى.
حضنته.
وبس.
لكن بعد ثواني رجع يعيط.
شيلت آدم.
وبعدين ياسين.
ولا واحد فيهم هدي.
افتكرت كلام سلمى
أنا بس حضنتهم.
جلست على الأرض وسط التلاتة، وأنا لأول مرة مش عارف أعمل إيه.
بعد حوالي عشر دقايق، دخل علاء.
علاء كان مدير أعمالي، وأكتر شخص بثق فيه.
أول ما شافني قاعد على الأرض وسط الأطفال، وقف مكانه.
عمر بيه؟
رفعت عيني له.
وقلت
تعرف سلمى؟
استغرب.
مين؟
عاملة النظافة الجديدة.
اللي بقالها يومين؟
هزيت راسي.
أيوه.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
هاتلي ملفها كامل.
علاء فتح تابلته بسرعة.
حاضر.
وعايز أعرف هي دخلت الفندق إزاي، ومين رشحها، ومين قابلها قبل ما تتعين.
بصلي باستغراب.
في مشكلة؟
قلت وأنا ببص ناحية الجوانتي الأصفر
أنا مش عارف.
سكت.
وبعدين ضفت
بس في حاجة غلط.
خرج علاء على طول.
وأنا فضلت قاعد.
بعد حوالي ربع ساعة رجع.
وشه المرة دي كان مختلف.
قلت
إيه؟
قعد قدامي.
في حاجة غريبة فعلًا.
قول.
فتح الملف قدامي.
البيانات اللي قدمتها سلمى ناقصة.
يعني إيه ناقصة؟
يعني مفيش عنوان ثابت.
يمكن ظروفها.
ومفيش شهادة ميلاد مرفقة.
بصيت له.
إيه؟
قالت إنها فقدت أوراقها.
والفندق قبلها كده؟
هز راسه.
المشرف قال إنها كانت بتدور على شغل بسرعة، وإن واحدة من العاملات رشحتها.
مين؟
سكت.
مين يا علاء؟
أميرة.
أميرة مين؟
أميرة اللي في المغسلة.
طلبت منه يجيبها فورًا.
بعد دقائق دخلت أميرة وهي مړعوپة.
وقفت قدامي وقالت
حضرتك طلبتني؟
أيوه.
تعرفي سلمى منين؟
بلعت ريقها.
هي جاتلي من أسبوع تقريبًا.
جاتلك فين؟
قدام الفندق.
وقالتلك إيه؟
قالتلي إنها محتاجة شغل.
وبس؟
سكتت.
قربت منها.
أميرة.
رفعت عينيها.
أنا مش بسألك علشان أطردك. أنا عايز الحقيقة.
تنهدت وقالت
هي سألتني عن حضرتك.
اتجمدت.
سألت عني؟
أيوه.
قالت إيه؟
قالتلي إنك صاحب الفندق وإن عندك تلات أطفال.
سكت لحظة.
وقالت حاجة تانية؟
أميرة بدأت تفرك إيديها.
سألتني عن اسم أمك.
وقفت.
إيه؟
قالتلي هو عمر المنشاوي ابن الست عالية؟
حسيت إن الډم انسحب من وشي.
قلت
وإنتِ قلتي لها إيه؟
قولتلها معرفش.
وهي قالت إيه؟
ابتسمت.
وبعدين؟
قالتلي لو طلعت هي أمه، أنا لازم أوصل له.
مفيش صوت في الجناح.
حتى الأطفال سكتوا للحظة.
بصيت لعلاء.
اطلع بره.
أميرة خرجت.
وقلت لعلاء
إنت كمان.
خرج من غير نقاش.
قفلت الباب.
وقعدت قدام أولادي.
اسم أمي كان بيدور في دماغي.
عالية.
عالية المنشاوي.
أمي اللي اختفت فجأة وأنا عندي 13 سنة.
كنت فاكر إنها ماټت.
أبويا هو اللي قال لي.
يومها صحاني من النوم وقال
أمك مش هترجع.
سألته
راحت فين؟
قال
ماټت.
وبس.
من بعدها ممنوع حد يتكلم عنها.
حتى صورها اختفت من البيت.
وأبويا ماټ من سبع سنين من غير ما أعرف الحقيقة.
كنت طول الوقت فاكر إن الموضوع انتهى.
لكن دلوقتي
بنت غريبة ظهرت في فندقي.
حضنت أولادي.
دندنت تهويدة أمي.
وسابت اسمها.
أنا لازم أعرف الحقيقة.
فتحت اللابتوب وبدأت أدور في الملفات القديمة.
كان عندي أرشيف كامل للعيلة.
بعد ساعة من البحث، لقيت ملف قديم جدًا.
عالية عبد
الرحمن المنشاوي.
فتحت