القصة كاملة بقلم محمد عبده

لمحة نيوز

مع بقاء جرح العملية القيصرية حديثًا، سمعت أبي يقول
أعطي أخاك واحدًا من الأطفال، وتوقفي عن الأنانية.
ثم حمل ابني رغمًا عني وضربني على رأسي.
لم أرد عليه.
مددت يدي بهدوء وضغطت على زر الطوارئ
وبعد دقائق، بدأ مخطط عائلي كامل في الانهيار، مخطط لم يكن من المفترض أن يكتشفه أحد.
الجزء الأول
لديكِ ثلاثة أطفال، بينما أخوكِ ليس لديه أي طفل. من العدل أن تعطيه واحدًا منهم.
عندما سمعت سلمى هذه الكلمات، كان جرح عمليتها القيصرية لا يزال حديثًا، وكان أطفالها الثلاثة حديثو الولادة ينامون على بُعد أقل من مترين من سريرها في أحد مستشفيات الإسكندرية.
لكن أسوأ ما في الأمر لم يكن الاقتراح نفسه.
بل اكتشافها أن عائلتها لم تأتِ إلى المستشفى من أجل رؤية الأطفال.
لقد جاؤوا للمطالبة بأحدهم.
بعد أسابيع، كانت سلمى تجلس في غرفة المعيشة بمنزلها، وأحد أطفالها يمسك بإصبعها الصغير، بينما كانت لا تزال ترتجف كلما تذكرت ما حدث في ذلك اليوم.
كانت تبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، ومتزوجة من عمر منذ ست سنوات.
كانا يعيشان في مدينة نصر بالقاهرة، وقد بنيا معًا حياة هادئة ومستقرة.
كان عمر يعمل مهندسًا في إحدى شركات المقاولات، بينما كانت سلمى تدير متجرًا إلكترونيًا من المنزل.
كان عمر قد فقد والديه منذ سنوات في حادث أليم، ولذلك كان يقدّر معنى العائلة بطريقة لطالما أعجبت سلمى.
أما عائلتها هي، فكانت مختلفة تمامًا.
كان والدها حسن رجلًا اعتاد أن يتنازل الجميع أمامه، أما والدتها نادية فكانت تفضل دائمًا تجنب الخلافات مهما كان الثمن.
وكان شقيقها الأصغر كريم قد نشأ وهو يحصل دائمًا على فرصة أخرى، حتى عندما يخطئ.
وكان كريم وزوجته مريم يحاولان منذ سنوات الإنجاب.
كانت سلمى تعرف حجم الألم الذي يعيشان فيه، ولم تسخر منهما يومًا أو تشعرهما بالنقص.
ولهذا، عندما اكتشفت حملها، حاولت أن تبقي الأمر بعيدًا عن الأنظار.
في البداية، كانت تعتقد أنها تنتظر طفلًا واحدًا.
لكن خلال إحدى جلسات الفحص بالموجات فوق الصوتية، ابتسم الطبيب وقال
هناك ثلاثة نبضات هنا.
نظر عمر إليه غير مصدق، ثم أطلق ضحكة عصبية.
ثلاثة؟
نعم.
كانا ينتظران ثلاثة توائم.
جاءت الفرحة مصحوبة بالخوف.
فقد أصبح الحمل عالي الخطورة، وتطلب المزيد من الفحوصات والراحة المستمرة، مع احتمال كبير للولادة المبكرة.
كان عمر يتولى التسوق، ويطبخ في المنزل، وجهز ثلاث أسرّة صغيرة للأطفال، وكان يرافق سلمى إلى الطبيب كلما استطاع.
أما عائلتها، فظلت بعيدة.
وفي إحدى الأمسيات، كانت سلمى تتحدث مع والدتها عبر مكالمة فيديو، وقالت بتعب
لا أعرف كيف سأتمكن من النوم عندما يأتي ثلاثة أطفال في وقت واحد.
فردت مريم، زوجة كريم، ببرود
هناك أشخاص تمنحهم الحياة كل شيء دفعة واحدة.
ساد الصمت.
لكن عمر لم ينسَ تلك الجملة.
وبعد انتهاء المكالمة، قال لسلمى
أنتِ لا تحتاجين إلى تبرير كل شيء لمجرد أنهم عائلتك.
فضّلت سلمى تجاهل الأمر.
كانت تريد أن تمر فترة الحمل بسلام.
لكن مع دخولها الشهر الثامن، اضطر عمر للسفر إلى دبي لحضور اجتماع مهم في عمله.
وقبل أن يغادر، اتصلت سلمى بوالدتها وطلبت منها شيئًا بسيطًا
ماما، خليكِ أنتِ وبابا قريبين من الهاتف، لو حصلت أي حالة طارئة.
في البداية وافقت نادية.
لكن في الليلة الثانية، استيقظت سلمى على ألم شديد.
ثم جاءت تقلصة أخرى.
وأخرى.
أمسكت هاتفها واتصلت بوالدتها.
ماما أعتقد أن الولادة بدأت. أنا وحدي. ممكن تيجوا تاخدوني؟
ترددت نادية.
أنتِ متأكدة؟ يمكن تكوني بتبالغي.
قالت سلمى بصوت مرتجف
أنا في الشهر الثامن، يا ماما والثلاثة توائم. أرجوكِ تعالوا.
أخذ حسن الهاتف من زوجته وقال ببرود
لو دي حالة طارئة، اتصلي بالإسعاف.
بابا، أنا مش طالبة حاجة أنا بس محتاجة تيجوا.
الوقت متأخر يا سلمى.
ثم أغلق الهاتف.
ظلت سلمى تنظر إلى الشاشة للحظات، غير قادرة على استيعاب ما فعله والدها.
ثم اتصلت بالإسعاف.
وبينما كان المسعفون يضعونها داخل سيارة الإسعاف، أخذت تنظر إلى الطريق، منتظرة أن ترى سيارة والديها تظهر في أي لحظة.
لكنها لم تظهر.
ولا حتى بعد أن غادرت سيارة الإسعاف المكان.
بعد ساعات، أكد الأطباء أن الأطفال سيأتون إلى الحياة قبل موعدهم.
كانت الولادة صعبة، والخوف يسيطر على سلمى.
كانت تظن أن أقسى ألم يمكن أن تشعر به في حياتها هو أن تتخلى عنها عائلتها في تلك اللحظة.
لكنها كانت مخطئة.
ففي اليوم التالي، وصلت نفس العائلة إلى المستشفى.
لكنهم لم يأتوا للاطمئنان عليها.
ولم يأتوا فقط لرؤية الأطفال.
لقد جاؤوا من أجل شيء آخر تمامًا.
جاؤوا لأنهم يريدون أحد أطفالها الثلاثة.
ولم تكن سلمى تصدق ما كانت على وشك أن تسمعه
يتبع في الجزء الثاني
الجزء الثاني
في صباح اليوم التالي، كانت سلمى لا تزال في غرفة المستشفى.
كان جسدها منهكًا، وجرح العملية يؤلمها مع كل حركة، لكنها لم تكن تهتم بالألم بقدر اهتمامها بأطفالها.
كان الأطفال الثلاثة في وحدة الرعاية المركزة لحديثي الولادة.
ثلاثة أسرّة صغيرة.
ثلاثة أجساد ضعيفة ملفوفة بأغطية بيضاء.
وثلاثة أجهزة تراقب أنفاسهم ونبضاتهم.
كانت سلمى تقضي معظم وقتها وهي تنظر إليهم من خلف الزجاج.
كانت تخشى أن تغمض عينيها للحظة، فتستيقظ على خبر سيئ.
وفي حوالي الساعة العاشرة صباحًا، فُتح باب الغرفة.
دخلت نادية أولًا.
وخلفها حسن وكريم ومريم.
رفعت سلمى رأسها بصعوبة.
كانت تتوقع أن تسمع سؤالًا بسيطًا
كيف حالك؟
أو
هل الأطفال بخير؟
لكن والدها لم يقل أيًا منهما.
نظر إليها ثم قال
إذن أين الأطفال؟
تجمدت سلمى.
في الحضانة.
قال حسن
نريد أن نراهم.
يمكنكم رؤيتهم من خلف الزجاج.
نظر حسن إلى كريم، ثم قال
كريم ومريم يجب أن يكونا أول من يحمل أحد الأطفال.
شعرت سلمى بشيء غريب في صدرها.
ماذا تقصد؟
تقدمت مريم خطوة.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها لم تبدُ حزينة.
قالت
سلمى، أنتِ عندك ثلاثة أطفال.
أعرف.
وكريم وأنا ليس لدينا أي طفل.
صمتت سلمى.
ثم قالت
وماذا تريدين مني أن أفعل؟
تدخل حسن بصوته الحاسم
أعطي أخاك واحدًا منهم.
حدقت سلمى فيه وكأنها لم تسمع جيدًا.
ماذا قلت؟
سمعتِني.
اقترب حسن من سريرها.
لديك ثلاثة، وكريم ليس لديه أي طفل. طفل واحد لن يغيّر شيئًا في حياتك.
ضحكت سلمى من شدة الصدمة.
طفل واحد؟
أشارت نحو باب وحدة الرعاية.
دول أولادي يا بابا.
قال حسن
وهذا أخوك.
وأنا أخته، لكن ده مش معناه إني أدي له ابني!
ارتفع صوت كريم لأول مرة.
إحنا مش بنطلب منك حاجة مستحيلة!
نظرت إليه سلمى.
أنت فاكر إن الطفل قطعة أثاث؟
قال كريم
إنتِ مش فاهمة إحنا عانينا قد إيه.
أنا عارفة معاناتكم أكثر من أي حد.
ثم أضافت
لكن ده مش مبرر إنكم تطلبوا مني ابني.
ساد الصمت.
وفجأة قالت مريم
كان ممكن يكون عندك طفل واحد فقط.
التفتت إليها سلمى.
ماذا تقصدين؟
قالت مريم
لو كنتِ فعلًا بتحبي أخوكي، كنتِ هتساعديه.
شعرت سلمى بقشعريرة تسري في جسدها.
لم يكن الأمر مجرد طلب عاطفي.
كان هناك شيء آخر.
شيء لم تكن تعرفه بعد.
دخلت الممرضة في تلك اللحظة وقالت
الزيارة انتهت. من فضلكم اخرجوا الآن.
لكن حسن لم يتحرك.
بل قال
لن نخرج قبل أن نتفق.
قالت سلمى
مفيش اتفاق.
اقترب حسن من السرير.
اسمعيني جيدًا يا سلمى. الموضوع مش اختيار.
نظرت إليه في ذهول.
يعني إيه مش اختيار؟
يعني إن الطفل هيطلع مع أخوك.
تغير وجه سلمى.
مستحيل.
قال حسن ببرود
أنتِ لسه ضعيفة ومش واعية بكل اللي بيحصل.
ثم نظر إلى كريم.
خذ الطفل.
اتسعت عينا سلمى.
إنتوا بتعملوا إيه؟!
تحرك كريم نحو الباب المؤدي إلى وحدة الأطفال.
صرخت سلمى
ابعد عن أولادي!
حاولت النهوض من السرير، لكن الألم أجبرها على الجلوس مرة أخرى.
اقترب حسن منها وقال
اهدي.
لا!
مدت سلمى يدها نحو زر استدعاء الممرضة.
لكن حسن أمسك معصمها.
قلت لكِ اهدئي.
حاولت سحب يدها.
سيبني!
في تلك اللحظة، ظهرت ممرضة عند الباب.
ماذا يحدث هنا؟
تراجع حسن خطوة.
ابتسم ابتسامة مصطنعة.
لا شيء. ابنتي متعبة فقط.
لكن الممرضة نظرت إلى سلمى.
كان وجهها شاحبًا.
قالت سلمى
من فضلك لا تسمحي لأي شخص يأخذ أطفالي.
اقتربت الممرضة منها وقالت
لا أحد يستطيع أخذ أطفالك من دون الإجراءات القانونية المطلوبة.
نظر حسن إليها بغضب.
نحن عائلتها.
ردت الممرضة
وهذا لا يعطيكم الحق في أخذ الأطفال.
خرجت العائلة من الغرفة.
لكن قبل أن يغادر حسن، اقترب من سلمى وقال بصوت منخفض
ستندمين إذا جعلتِ الأمر صعبًا.
بعد خروجهم، ظلت سلمى تحدق في الباب.
كانت تشعر أن شيئًا خطيرًا يحدث خلف ظهرها.
وبعد ساعة تقريبًا، دخلت طبيبة الأطفال.
كانت تحمل ملفًا.
قالت
سلمى، أريد أن أسألك عن شيء غريب.
ماذا؟
زوجك اتصل بالمستشفى من دبي صباح اليوم.
شعرت سلمى بالقلق.
وماذا قال؟
نظرت الطبيبة إلى الملف.
سألنا عن أسماء الأشخاص المسموح لهم باستلام الأطفال.
عمر؟
نعم.
ثم توقفت الطبيبة قليلًا.
لكنه لم يكن يسأل عن إجراءات الاستلام فقط.
ماذا كان يسأل؟
رفعت الطبيبة عينيها إليها.
كان يسأل تحديدًا عن إمكانية تغيير بيانات أحد الأطفال بعد خروجه من المستشفى.
توقفت أنفاس سلمى.
تغيير بياناته؟
نعم.
ثم أضافت
وسأل أيضًا عن إمكانية تسجيل الطفل باسم شخص آخر.
لم تستطع سلمى الكلام.
بدأت تفكر في كل شيء.
كلام مريم.
إصرار حسن.
تصرف كريم.
واتصال عمر.
ثم فجأة تذكرت شيئًا.
قبل سفر عمر بيومين، كان قد طلب منها نسخة من أوراق الحمل.
قال لها وقتها إنه يحتاجها لبعض الإجراءات الخاصة بالتأمين.
لكنها لم تفكر في الأمر.
والآن
بدأ الشك يتسلل إلى قلبها.
أخرجت هاتفها واتصلت بعمر.
رن الهاتف مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
ثم أجاب.
سلمى؟
قالت بصوت متوتر
عمر لازم أسألك سؤال.
إيه اللي حصل؟
إنت كلمت المستشفى وسألت عن تغيير بيانات أحد الأطفال؟
ساد صمت طويل.
صمت أطول مما ينبغي.
ثم قال عمر
مين قال لك الكلام ده؟
شعرت سلمى ببرودة تسري في جسدها.
لم يقل
لا.
لم يقل
مستحيل.
بل سألها فقط
مين قال لك؟
وهنا أدركت سلمى أن القصة أكبر بكثير مما كانت تتخيل.
لكنها لم تكن تعرف أن الحقيقة التي ستكتشفها خلال الساعات القادمة ستجعلها تشك في أقرب شخص إليها
حتى زوجها.
يتبع في الجزء الثالث
الجزء الثالث
ظلت سلمى صامتة لعدة ثوانٍ.
كانت تمسك الهاتف بقوة حتى ابيضّت أصابعها.
عمر أنا سألتك سؤالًا.
جاء صوته مترددًا
سلمى، اسمعيني الأول.
لا. أنت اسمعني. هل اتصلت بالمستشفى وسألت عن تغيير بيانات أحد الأطفال؟
ساد صمت طويل.
ثم قال
نعم.
شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.
ليه؟
كان لازم أتأكد من حاجة.
إيه الحاجة؟
لم يجب.
رفعت سلمى صوتها
عمر!
قال أخيرًا
أنا هشرح لك لما أرجع.
ترجع؟!
كانت دموعها قد بدأت تنزل دون أن تشعر.
أنت مسافر وأنا هنا لوحدي، وأهلي جايين يطلبوا مني ابني، وأنت بتسأل المستشفى عن تغيير بيانات الأطفال، وبعدين تقول لي هشرح لك لما أرجع؟
قال بسرعة
سلمى،

 

تم نسخ الرابط