سبوع ابننا

لمحة نيوز


أنا جوزك وأبني ابنك! المفروض لي نصيب!
قلت له بحدة حقك ييجيك بالحق مش بالسرقة والخداع! ولو كنت صادق معايا من أول يوم، وقلت لي أنا محتاج مساعدة وأنا معاكِ كان كل حاجة جاتلك طيبة. لكنك خبيت، وكذبت، وادّعيت الفضل لنفسك، وأهنت أهلي وأمي وكل ده وأنت تعرف أو ما تعرف النتيجة واحدة أنت ما أهلش للأمانة!
كمل بصراخ يعني إيه؟ تهدديني؟ تروحي تقولي لبابا ويقطع رزقي؟ ياخد كل حاجة مني؟ تمام خليه ياخدها! بس اعرفي إنك خسرتِ بيتك وزوجك عشان فلوسك! وكل اللي عملتيه ده عشان تثبتي إني بحبك ولا لأ وطلعتي ما تثقين فيا أصلاً!
رديت عليه بصوت هادئ لكنه قوي أنا ما خسرتكش. أنت اللي خسرت نفسك. لأنني كنت مستعدة أتنازل عن كل شيء مقابل إنك تكون راجل شريف تحبني وتكرم أهلي. لكنك اخترت الفلوس على كل شيء. وده قرارك مش قراري.
سكت. نظر لي بغضب وحقد لم أشهده عليه من قبل. ثم قال بصوت خافت إذًا خلاص؟
قلت له اللي بيننا مش انتهى بكلامنا ده. لسه بيننا ابن. ولازم نحكم العقل. بكرة نروح لعمي وهو المحامي، ونشوف إجراءاتنا. واعرف كويس أنا ما طردتكش. أنت اللي اخترت طريقك بنفسك.
طلعت من الغرفة وسيبته ورايا واقف في الظلام، وأنا في قلبي ألم عميق، لكني عارفة إن ما عملته كان لازم. لأن الحياة زي ما يقولوا الفلوس بتعرفك مين بيحبك ومين بيحب اللي معاك. وده اللي اكتشفته.

الجزء السادس
بكرة، رحنا لمكتب عمي. جلسنا قدامه، وبدأت أروي له كل شيء من أول السبوع لليلة أمس. كريم ساكت، راسه محني، ما ينطق بكلمة. لما خلصت، التفت عمي لكريم وقال بجدية
أنت تعرف إن كل الفلوس والعقارات والشركة كلها ملك لأخي صلاح، وإنك كنت مجرد مدير عام بمرتب شهري كبير، وكل ما كنت تتباهى به ما هو إلا أمانة؟ وأنت حاولت تسجّل عقارات باسمك بطرق غير مشروعة، وهذا يُعاقب عليه القانون بسجن وغرامات كبيرة. وأخوكِ صلاح وأبوكِ لولا رحمته وابنه اللي بينكم، كان سلمك للعدالة من زمان.
كريم رفع راسه وقال بصوت تعبان أنا عارف إني غلطان. وندمان أشد الندم. طلبت منكم السماح وما لقيتوش. وكل اللي عملته كان غباء مني وطمع. وأنا مستعد أتنازل عن كل حاجة. ما أريدش غير أبني
عمي قال ابنك ليك حق فيه. وحقك الشرعي هنعطيه إياه كامل. بس اللي لازم تفهمه من اليوم، كل ما أُعطيك من مساعدة ستكون باسمك وبشروط واضحة. ولا تصل ليدك أمانة تانية تقدر تسرقها. وعلاقتك بمريم قرارها بيدها.
نظر لي كريم وقال بعيون دامعة أرجوكِ سامحيني. ما عدت أريد شيء إلا أنتِ وابني. خلينا نبدأ من جديد. أنا تغيرت صدقيني.
قلت له بعد صمت طويل سامحتك على الإساءة لي. لكن إساءتك لأمي وثقتك اللي خنتها دي محتاجة وقت طويل حتى تندمل. وأنا مش هقدر أعيش معاكِ في بيت واحد الحال دي. خد نفسك فترة، وابتعد عنا شوية، واشوفك هل حقًا بتتغير ولا لأ. وإن شاء الله إن كان فيه خير لنا نرجع. وإن كان لا فالله يكتب لنا الخير في طريق تاني.
خرجنا من المكتب. وقف في الشارع ينظر لي، وكأنه ينتظر كلمة أو نظرة أخيرة. لكنني سكتّ وركبت سيارة بابا ومشيت. نظرت في المرآة لقيته واقف مكانه محني الرأس، والندم مكتوب على وجهه بوضوح.

الجزء السابع
مرت الأشهر. كريم ابتعد تمامًا كما اتفقنا. سلم له بابا جزءًا صغيرًا من العمل ليديره بمفرده، من غير دعم ولا اسم ولا علاقات. وبدأ يتعلم من الصفر ما معنى الكدح والمسؤولية. كنت أزور ابني عنده، وأجده يكدح بجد، ويلبس بسيط، ويتكلم بندم واحترام. ما عاد يتكلم عن فلوس ولا عقارات ولا ميراث. كان كل كلامه عن خططه لبناء مستقبله بعرق جبينه.
وذات يوم، جاءني في موعد زيارتنا، ومعه ظرف مغلق. سلمه لي وقال ده كل ما أملك من أرباح الشهور اللي فاتت. خديه لوالدكِ. قولي له هذا بدل ما أخذته من أمانته بغير حق. وقلولي له إن شاء الله لو ربنا مدّ في عمري، سأرد كل قرش أخذته منكم. وأنا ما أريدش منكم شيء إلا الدعاء لي بالتوفيق، وإن شاء الله أكون أهل لثقتكم مرة أخرى.
فتحت الظرف ووجدته يحتوي على كشف حساب ومبلغ كبير، وكل تفاصيله واضحة وموثقة. نظرت له وقلت بدهشة ده كل ما معاك؟ وأنت بتعيش من إيه؟
قال بابتسامة هادئة لم أشهدها عليه من قبل عندي مرتبي الشهري يكفيني وزيادة. وأنا كنت مقتنع إن الفلوس دي ما كانتش ملكي. فما أريدش أكلها حرام. والندم ما ينفع إلا بالعمل. وأنا عايز أرد كل ما أخذته، عشان أكون نظيف اليد قدام ربنا وقدامكم.
سألته بترقب يعني لو رديت كل حاجة، ممكن ترجعي لي؟
قلت له بصدق لو فضلت على الحال دي سنين وثبت لي إنك فعلاً اتغيرت فقلبي اللي بيحبك من زمان، ما زال بانتظارك. بس المهم الصبر والصدق والتواضع. دي أساس البيت اللي أنا عايزاه.
فرح بقلبي، وقال بصدق سأفعل. سأصبر وأجتهد حتى أستحقكِ من جديد. وإن طال الزمن أو قصر، فأنا هنتظركِ مهما طالت السنين.
تركته ومشيت، وقلبى متردد بين الأمل والحذر. لكنني عرفت إن الطريق بدأ يصح وإن كان طويلًا وشاقًا.

الجزء الثامن والخاتمة
سنتان مرّتا. الحياة دارت ورجعت بكل ما فيها. كريم صادق في وعده، رد كل ما عليه من أموال بابا، وأسس عمله الخاص بجهد وصدق وأمانة، وبنى اسمه بعرق جبينه لا بفلوس غيره. تغيرت معاملته لكل الناس، تواضع بعد ما كان متكبرًا، واتعلم أن الاحترام ما يُشترى بذهب، وأن الكرامة في النفس الطيبة لا في المال الكبير.
في زيارته الأخيرة لي، جاء ومعه هدية صغيرة متواضعة، وقال لي ذهبت لوالدتكِ في المنصورة، وقفت عند بابها، وطلبت منها السماح. سمعت كلامًا كثيرًا قاسيًا، واستحقيته. لكن في النهاية قالت لي اللي يتوب ويصحح خطاه يستاهل فرصة. فهل تقبلين أنتِ الأخرى؟
بكيت من الفرح، لأنني شعرت أن الراجل اللي كنت أتمناه قد عاد. قلت له تعال نروح معًا لبيت أمي. ونبدأ صفحة جديدة بيضاء، نظيفة من كل أخطاء الماضي.
ذهبنا معًا. وقف كريم قدام أمي بكل تواضع، وطلب منها السماح مرة أخرى. لمسته دموع الندم، فسامحته من قلبها، وقالت له الخطأ مش عيب يا بني. العيب إنك تفضل عليه وتصرّ عليه. واللي اتعلم من خطاه نال ربحه.
وفي ذلك اليوم، بدأنا حياتنا من جديد. ليس على أساس المال والمنصب، بل على أساس المحبة والاحترام والثقة المتبادلة. عرف كريم أنني كنت خبيئة نسبي ليس خداعًا بل اختبارًا لجوهره، فنجح في الاختبار بعد ما رسب فيه أول مرة. وعرفت أنني ما كنت مخطئة حين آمنت بقدرته على التغير، لكنه كان يحتاج لصدمة تكشف له نفسه.
وظلت القصة تُروى في عائلتنا عبر الأيام، يُستخلص منها درسًا واحدًا كبيرًا
أن الفلوس قد تُبني قصورًا، لكن الأخلاق وحدها هي اللي تبني بيوتًا لا تهدمها الرياح. وأن من تواضع لله رفعه، ومن
-تكبر وضعته الحياة في موضعه الحقيقي. وأن احترام الناس لأصلك ومالك زائل، أما احترامهم لشخصك وأخلاقك فهو الباقي الذي لا يفنى بمرور الزمان.
وظلت جملة أمي الأخيرة ترنّ في أذنيّ دائمًا اللي اتعلم من خطاه نال ربحه وهكذا كان.

 

تم نسخ الرابط