سبوع ابننا
فيه، حلو أو مر.
بعد ساعة، دخل كريم الغرفة. وشه عليه علامات التعب والقلق والندم. أول ما شافني قرب بخطوة مترددة، وقال بصوت خافت مريم أقدر أتكلم معاكِ شوية؟
قلت له من غير ما أرفع عيني اتكلم. بس بصوت واطي، عشان أمي نايمة.
قعد على الكرسي بعيد شوية، وسكت دقائق كأنه مش عارف يبدأ منين. بعدها قال أنا ما كنتش أعرف. لو كنت عارف إنها أمك لو كنت عارف إنكِ بنت السيوفي ما كانش يصير ده أبدًا. أنا آسف آسف جدًا.
رفعت راسي ونظرت له بتركيز وقلت المشكلة مش في إنك ما كنتش تعرف. المشكلة في إنك لما شفت إنسانة بسيطة، معاملتها معاملة الحشيشة. ما شفتش فيها أم زوجتك ولا أم ولدك. شفت فيها فقر فأهنتها. لو كانت بنت راجل غني كنت جيت تقبّل إيديها ورجليها. ده يا كريم مش حب. ده نفاق.
اتألم من كلامي، وحاول يقول لا مش كده. أنا كنت مضغوط أمي كانت بتكلمني طول الوقت وكنت خايف أحرج قدام الناس
قاطعته بصرامة أمك تكلمنك وأنت راجل تعرف ترد. لكن إنك تزق أمي وتقول لها قدام الكل أنا مش ابنك ده شيء ما يغتفر. ولو راجل محترم ما يفعله حتى لو كانت غريبة. فما بالك بأم زوجته!
سكت. عرف إنه ما يقدر يدافع عن نفسه. فقال بصوت أضعف أنا عارف إني أخطأت غلطة كبيرة. وأنا مستعد أعوضكم عن كل اللي صار. أعتذر من أمك قدام كل الناس. أروح لها المنصورة وأقف عند بابها وأعتذر. أي حاجة تقوليها أعملها. بس أرجوكِ ما تفرقي بينا. إحنا بيننا ابن. وأنا بحبكِ.
قلت له بكل هدوء وثبات تحبني؟ وتقول كلامك ده بعد ما عرف إن لي قيمة؟ لو كنت فضلت بنت محاسبة بسيطة، كنت جيت تعتذر؟ ولا كنت رجعتني لبيت أهلي وطلقتني؟ قولي لي بصراحة
تردد كتير، وما قدر يجاوب. وسكوته كان أقوى إجابة. فكملت أنا كلامي واضح. أنا مش هعجل على قرار. خد وقتك وفكر في نفسك كويس. وفكر في معنى الإنسانية قبل معنى الفلوس والمناصب. ولما أمي تتحسن، نروح البيت، وهناك نكلم بكل هدوء. بس عشان تعرف أنا مش هسمح لأحد يهين أمي تاني. ولا تحت سقف واحد.
قام وهو مكسور الخاطر، وطلع من الغرفة. وأنا بقيت جنب أمي أدعي لها بالشفاء، وقلبى محتار بين الندم على سنين ضيعتها، وبين الأمل في رجوعه لصوابه.
الجزء الرابع
بعد يومين رجعنا البيت. كريم كان متغير جدًا. كان مستنى سيارتنا تحت المستشفى، ولما طلعت ساعدني أنزل أمي بكل لطف وحرص، وما فتح فمه بكلمة إلا لما قال أرجوكي اسمحيلي وإن شاء الله من اليوم هتشوفي كل خير.
وصلنا البيت. لقيت حماتي مستنية عند الباب. أول ما شافت أمي، تغير لون وشها، وبدت مترددة تقترب ولا لأ. أمي سلمت عليها ببرود وسكتة. دخلنا الشقة، وكريم سارع يحط أمي في أحسن الغرف، ويجيب لها كل ما تحتاج، ويتكلم معاها بكل أدب وندم، وكأنه بينسى إن ده نفس الست اللي كان طاردها قبل أيام.
لكن أنا كنت شايفة بعينه حاجة غريبة. كنت شايفة إن اهتمامه زاد بشكل مبالغ فيه خصوصًا لما يكون بابا يتصل بيا، أو لما أكون بأتكلم مع عمي. كنت شايفة نظراته لساعتي اللي هدية من بابا، وللمكالمات اللي تيجي لي من رجال أعمال ومعاهدات. فعرفت إن الخوف اللي جواه مش خوف على حبه لي ده خوف على المصلحة.
مر أسبوع وأمي بدأت تتحسن، وكريم مستمر في اعتذاره واهتمامه، وحماتي تغيرت معاملتها تمامًا لدرجة إنها كانت بتقول لأمي يا سيدتي و يا حبيبتي، وكل شوية تسألها عن صحتها وتعمل لها الأكل بنفسها. لكن أمي كانت تتعامل معاها ببرود وتباعد، وما تثقش في الكلام ده.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة مع كريم في الصالة، قال لي بصوت حلو يا حبيبتي بابا الله يخليه ليكِ هو اللي ساعدني في كل حاجة، صح؟ يعني الشركة والبيت والعربية كلها بفضله؟
قلت له أيوه. كل ده بفضله. وكل ده كان هدية ليك عشان يثق فيك ويشوفك قد المسؤولية. مش عشان تتباهى بيه قدام الناس وتنسى أصلك وواجبك.
قال بسرعة أنا آسف مرة تانية. بس قولي لي بابا مش قصدو ينسحب الفلوس ولا يأخذها مني، صح؟ يعني إحنا نكمل زي ما كنا؟ وربنا يفتحها علينا ونكبر المشروع سوا؟
ساعتها بصيت له طويلًا، وقلت بكل هدوء يعني ده اللي يهمك؟ الفلوس تفضل معاك ولا لأ؟
اتلخبط وقال لا يا حبيبتي مش كده أنا بس خايف أخسر اللي وصلت له. وأنا عايز أكمل معاكِ وبابا. وأنا وعدتك إني أتغير
قمت من مكاني وقلت له كريم لو تغيرك مرهون بفلوسي فالتغير ده مش حقيقي. وأنا ما أريدش راجل يحبني عشان مالي. أريد راجل يحبني عشان أنا أنا. وإن كان على الفلوس فبابا يقدر يأخذها في أي لحظة. والدنيا ما بتبقى على حال. فكر كويس في نفسك. وفي اللي أنت عايزه حقًا.
تركته وقمت لغرفتي، وسيبته يفكر في كلامي ليل نهار. وعرفت إن الأيام الجاية هي اللي هتبين لي حقيقته وهتبين لي هل هو يستاهل أضيفه حياتي ولا لأ.
الجزء الخامس
مر شهر. أمي شفيت تمامًا ورجعت المنصورة بعد ما وعدتها أزورها كل فترة. كريم بقي في حالة ترقب واهتمام بيّ وبابا بيزيد يوم ورا يوم. كان يروح لشركة بابا من غير ما يدخل، يقف يستنى ساعات عشان يشوفه ويسلم عليه، ويحاول يتقرب منه بأي طريقة. وكنت كل شوية ألاحظ عليه حاجة جديدة يلبس غالي، يتكلم بأسلوب أرقى، يسألني عن أسهم وأملاك وعقارات، يسألني عن وصاية بابا وتوزيع الميراث.
قلت لبابا الكلام ده فقال لي يا بنتي، الفلوس بتكشف المعادن. اللي كان طيب يزيد طيبه، واللي كان خبيث تظهر خباثته. اصبرى عليه شوية، والحق بيظهر لوحدو.
وفي يوم من الأيام، جالي اتصال من مدير شركة بابا، وقالي إن كريم بدأ يتصرف في أملاك الشركة ويعمل اتفاقات وهمية باسمنا، ويحاول يحوّل عقارات باسمه من غير ما نعرف. سمعت الكلام ده وما حستش بغضب بقدر ما حست بندم وألم. لأنني كنت أتمنى أكون غلطانة في ظني به.
قررت أواجهه. جيت البيت بدري، وقعدت استناه. لما جاء، لقيت وشه مبسوط ومشرق، وقال لي وهو بيخلع جاكيته خبر سار يا حبيبتي بابا كلفني بإدارة مشروع جديد وقالي إنه يثق فيّ!
قلت له ببرود بابا ما كلفك بشيء. لأنه هو اللي أرسلني أسألك عن العقارات اللي بتحاول تسجّلها باسمك بغير وجه حق.
صار لونه أبيض، واتربك وقال إيه؟ أنا مش فاهمة تقصدين إيه؟
قمت وقفت قدامه وقلت بكل ثبات أنا أقصد إنك استغليت ثقتي وثقة أهلي، وحاولت تسرق أملاكنا باسم الإدارة والمسؤولية. وأنت عارف إن كل اللي معاك ما هو إلا أمانة في إيدك. وكنت أتمنى إنك تثبت لي إنك أهل للأمانة مش أهل للخيانة!
قال بصوت عالي أنا مش خاين! أنا بس كنت أضمن حقّ وحق ولدي! ليه كل ده معاكِ وأنا ما ليش شيء؟