بلطجيه
ابني؟
جاك نزل عينه للحظة، ثم رفعها تاني.
إحنا رجعنا عشان نعتذر.
ماريا ما قالتش حاجة.
فكمل
اللي عملناه كان غلط. إحنا أكلنا عندك، ولما طلبتي حقك، سخرنا منك ومشينا. ما كانش لينا أي حق نعمل كده.
ريك اتكلم بعده
أنا كمان آسف. بدل ما أوقف اللي حصل، ضحكت وشاركتهم.
توم قال
إحنا اتعاملنا معاكي بطريقة ما تليقش، وده مش مقبول.
أما داني، فكان صوته أكثر هدوءًا.
أنا كنت عارف إن اللي بنعمله غلط، لكني سكت. وأنا آسف إني ما اعترضتش من البداية.
ماريا بصّت للأربعة واحدًا واحدًا.
ما كانش في عينيها شماتة، ولا ڠضب شديد.
كان فيه حزن بسيط، ومعاه راحة لأنهم رجعوا بإرادتهم.
قالت لهم
طيب، إنتوا دفعتوا الحساب؟
جاك ردّ
أيوه يا مدام. الفلوس وصلت لك كاملة.
كويس.
سكتت للحظة، ثم أشارت ناحية الترابيزة.
تحبوا تشربوا حاجة؟ الجو حر جدًا بره.
الأربعة اتفاجئوا.
بعد كل اللي عملوه، وبعد الإهانة اللي وجهوها لها، كانت بتعرض عليهم مشروبات باردة!
جاك قال بسرعة
لأ، شكرًا. إحنا مش جايين نطلب حاجة.
ماريا هزت راسها.
براحتكم.
وبعدين بصّت لهم وقالت
أنا قبلت اعتذاركم، بس عايزاكم تفتكروا حاجة. أنا ست كبيرة، أيوه، لكن ده مش معناه إن تعبي رخيص، ولا إن من حقي أقل من أي حد تاني.
الأربعة سكتوا.
ماريا كملت
أنا بشتغل هنا بإيدي، وبفرح لما حد ياكل عندي ويقوم مبسوط. لو حد مش معاه فلوس، ممكن يكلمني، وكنت هحاول أساعده على قد ما أقدر. لكن إن حد ياكل، وبعدها يضحك عليّا لمجرد إنه فاكر إني مش هقدر أعمل له حاجة ده اللي بيوجع.
جاك نزل عينه للأرض.
عندك حق.
ماريا أضافت
أنا مش عايزة أعيش خاېفة من الناس، ومش عايزة ابني يقفل لي المطعم عشان موقف زي ده. أنا بحب المكان ده، وبحب أتعامل مع الناس. وكل اللي بطلبه إن اللي يدخل من الباب يحترم المكان وصاحبه.
ريك قال
مش هتتكرر.
ماريا ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أتمنى.
وبعدين أشارت ناحية الطريق.
يلا، ربنا معاكم. وخلي بالكم من نفسكم وإنتوا سايقين.
الأربعة شكروا ماريا، وخرجوا
من المطعم.
لكن قبل ما جاك يلبس خوذته، وقف والټفت ناحية الباب.
كانت ماريا رجعت بالفعل للمطبخ، وبدأت تحرك الحلة على الڼار، كأن كل اللي حصل بقى جزءًا من يوم عادي وانتهى.
جاك فضل يبصّ لها للحظات.
وبعدين قال بصوت منخفض لأصحابه
الست دي أحسن مننا بكتير.
المرة دي، محدش ضحك عليه.
الحكاية اللي فضلت معاهم!
بعد اليوم ده، الأربعة كملوا رحلتهم.
لكن الرحلة ما كانتش زي ما بدأت.
كل ما كانوا يقفوا في مكان، كان جاك يفتكر ماريا وهي واقفة قدامهم، بتطلب حقها من غير ما ترفع صوتها.
وريك بقى يفكر مرتين قبل ما يحوّل أي موقف لسخرية.
وتوم بدأ ينتبه لطريقة كلامه مع الناس اللي بيشتغلوا في المطاعم والمحلات الصغيرة.
أما داني، فكان أكثرهم تأثرًا، لأنه أدرك إن السكوت عن الغلط مش دايمًا بيخلّي الإنسان بعيد عنه.
بعد أسابيع، مرّ الأربعة من نفس الطريق مرة تانية.
كان بإمكانهم يكملوا سفرهم، لكن جاك خفف السرعة بمجرد ما شاف المظلة القديمة.
أشار لأصحابه.
نقف هنا.
الموتوسيكلات الأربعة دخلت ناحية المطعم، ووقفت قدام الباب.
نزلوا، ودخلوا من غير ضحك عالي ولا تعليقات مستفزة.
ماريا كانت واقفة في المطبخ، ولما شافتهم، ابتسمت.
أهلًا يا ولاد! رجعتوا تاني؟
جاك ردّ بابتسامة خجولة
أيوه يا مدام ماريا. المرة دي جايين ندفع قبل ما ناكل!
ماريا ضحكت من قلبها.
يا ابني، هو لازم تدفعوا قبل الأكل؟ كلوا الأول، وبعدين الحساب.
ريك قال
لأ، خلينا نعملها صح المرة دي.
قعدوا على الترابيزة نفسها اللي كانوا قاعدين عليها في المرة الأولى.
طلبوا أربع وجبات، لكن المرة دي كانوا بيتكلموا بهدوء، وكل ما ماريا كانت تجيبلهم طبق، كانوا يشكروها.
بعد ما خلصوا، جاك طلب الحساب، ودفعوا المبلغ كاملًا، وتركوا بقشيشًا مناسبًا.
ماريا بصّت للفلوس وقالت
البقشيش ده زيادة عن الحساب.
جاك ردّ
ده مش تعويض يا مدام. ده لأن الأكل كان حلو، وإنتِ تعبتِ معانا.
ماريا ابتسمت.
ربنا يبارك لكم.
وقبل ما يمشوا، داني سألها
يا مدام ماريا، إنتِ فعلًا مش بتفكري تقفلي المطعم؟
ماريا ضحكت.
لأ يا ابني. هو أنا أسيب شغلي اللي بحبه وأقعد أعدّ الأيام؟
ريك قال
بس الشغل متعب عليكِ.
ردّت
التعب اللي الواحد بيحبه بيبقى أهون من الراحة اللي ما فيهاش معنى.
الأربعة سكتوا للحظة.
كانت جملة بسيطة، لكنها علقت في ذهنهم.
بعدها ودّعوا ماريا، وخرجوا من المطعم، وركبوا موتوسيكلاتهم.
ومن يومها، كل ما كانوا يسمعوا عن شخص ضعيف اتعرض للاستغلال، كانوا يفتكروا الست اللي علمتهم درسًا من غير ما تمد إيدها على حد، ولا تهدد حد، ولا حتى تطلب من ابنها ينتقم لها.
أما ماريا، ففضلت تفتح مطعمها كل يوم، وتطبخ بإيديها، وتستقبل الزباين بابتسامتها المعتادة.
ما احتاجتش تغيّر حياتها، ولا تسيب المكان اللي بتحبه، ولا تعتمد على قوة ابنها عشان تحس بالأمان.
كانت عارفة إن ابنها يقدر يساعدها، لكنها كانت مؤمنة إن الاحترام الحقيقي لازم يبدأ من الناس نفسها، مش من خوفهم من العواقب.
وفي آخر كل يوم، كانت تجمع الفلوس وتحطها في صندوقها المعدني القديم تحت الكاشير، ثم تطفي نور المطبخ وتبصّ على الترابيزات قبل ما تقفل الباب.
كانت بسيطة في عيشها، لكنها ما كانتش ضعيفة.
وكان عندها ابن ناجح يقدر يوصل لها في دقائق، لكن أهم حاجة ورثها منه ما كانتش المال ولا النفوذ؛ كانت الثقة إن الإنسان يقدر يدافع عن حقه من غير ما يتحول لشخص ظالم.
أما الأربعة اللي دخلوا المطعم يومها وهم فاكرين إنهم يقدروا ياكلوا ببلاش ويهربوا، فقد اكتشفوا إن أقسى درس مش دايمًا بييجي على هيئة عقۏبة أو ټهديد.
أحيانًا بييجي على هيئة سؤال بسيط، يخليك تواجه نفسك، وتكتشف إن المشكلة ما كانتش في الشخص اللي استضعفته لكن في الطريقة اللي اخترت تتعامل بيها معاه.
والحكاية دي بتفكّرنا إنك ما تعرفش أبدًا مين الشخص اللي قدامك، ولا إيه الظروف اللي مرّ بيها، ولا مين اللي بيحبه وواقف في ضهره. لكن حتى لو ما كانش وراه حد، ده مش معناه إن من حقك تظلمه.
لأن الاحترام مش مكافأة للقوي، ولا امتياز للغني، ولا حاجة بنقدمها بس للناس اللي نقدر نخاف منهم.
الاحترام حق لكل إنسان حتى لو كان واقف قدامك لوحده، بشعر أبيض وإيدين تعبانين، وبيطلب منك بس تمن الأكل اللي تعب عشان يقدّمهولك.