بلطجيه
ېخوفك؟
ماريا ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم تعبها.
يا ابني، أنا كويسة. ما تخافش عليّا بالشكل ده.
لكن ابنها ما كانش مقتنع.
ماما، أنا عارفك. إنتِ طول عمرك بتقولي إنك كويسة حتى لو الدنيا مقلوبة فوق دماغك. احكي لي حصل إيه بالضبط.
بدأت ماريا تحكي له من أول لحظة دخل فيها الرجالة الأربعة، وطريقتهم في الكلام، والطلبات اللي طلبوها، وإزاي أكلوا كل حاجة، وبعدها قرروا يمشوا من غير ما يدفعوا.
حكت له كمان إن واحد منهم قال لها تعتبر الأكل عزومة.
في الناحية التانية، ابنها كان ساكت تمامًا.
كل ما كانت بتكمل تفاصيل، كان صمته بيزيد.
وفي النهاية سألها
فاكرة شكلهم كويس؟
أيوه.
كانوا راكبين إيه؟
وصفَت له الموتوسيكلات، وألوانها، وبعض العلامات اللي كانت عليها. وحكت له عن الملابس اللي كانوا لابسينها، وطريقة كلامهم، والاتجاه اللي مشيوا فيه.
ابنها سألها سؤال أخير
خرجوا من عندك من قد إيه؟
يمكن من خمس دقايق أو أقل.
قال لها بهدوء
طيب يا أمي، اقفلي دلوقتي وكمّلي شغلك عادي. أنا هتصرف.
ماريا رفعت حاجبها.
هتتصرف إزاي يا حبيبي؟ أنا مش عايزاك تعمل مشكلة عشان شوية أكل.
ردّ عليها فورًا
محدش هيعمل مشكلة يا أمي. أنا بس هخلّيهم يرجّعوا حقك.
بس اسمعني كويس، أنا مش عايزاك ټأذي حد.
حاضر.
ولا عايزاك تخوّفهم زيادة عن اللزوم.
حاضر يا أمي.
والأهم من ده كله، ما تنساش إنهم بني آدمين، حتى لو تصرفوا بطريقة وحشة.
صوت ابنها بقى أهدى.
عارف يا أمي. إنتِ اللي علمتيني الكلام ده.
ماريا تنهدت براحة.
خلاص. ربنا يسهّل لك أمورك.
خلي بالك من نفسك، وأنا هكلمك بعد شوية.
قفلت المكالمة، ورجعت تحط الموبايل في جيبها.
وبعدين غسلت إيديها، وربطت المريلة كويس، وبدأت تجهّز طلب زبون جديد دخل المطعم.
اللي ما كانتش تعرفه ماريا إن ابنها، بمجرد ما قفل المكالمة، فتح خطًا تاني، واتكلم مع رجاله بكلمات قليلة جدًا.
لكن الكلمات دي كانت كفاية عشان تتحرك مجموعة كاملة في خلال دقائق.
مين هو ابن ماريا الحقيقي؟
عشان نفهم ليه المكالمة دي كانت مهمة بالشكل ده، لازم نرجع سنين لورا.
ماريا ما كانتش طول عمرها صاحبة مطعم صغير على طريق سفر.
كانت في شبابها ست بسيطة عاشت مع جوزها في بيت متواضع، وربّت ابنها الوحيد، أليكس، على قد ما قدرت.
جوزها كان راجل مكافح، اشتغل طول عمره عشان يوفر لهم حياة كريمة، لكنه ټوفي بعد مرض طويل، وساب ماريا مسؤولة عن ابنها وهي لسه في سن محتاجة فيه حد يسندها هي نفسها.
ما استسلمتش.
اشتغلت في مطبخ صغير، وكانت بتطبخ للناس من الصبح لحد آخر الليل. وأحيانًا كانت ترجع البيت متأخرة، وإيديها موجوعة من الشغل، لكنها كانت أول ما تشوف ابنها بتبتسم كأنها ما تعبتش يوم في حياتها.
كانت بتقول له دايمًا
يا أليكس، الفلوس ممكن تخلّي الناس تسمع كلامك، لكن الأخلاق هي اللي تخليهم يحترموك.
وكانت بتضيف
ما تحكمش على حد من هدومه، ولا من شكله، ولا من المكان اللي عايش فيه. يمكن الإنسان اللي إنت شايفه ضعيف يكون أقوى منك في حاجات كتير.
كبر أليكس، واشتغل في مجال الأمن والحماية.
بدأ حياته المهنية من الصفر،
واشتغل في وظائف صغيرة، وتعلم إدارة فرق الحراسة وتأمين المنشآت والتعامل مع الأزمات.
ما كانش طريقه سهل. واجه خسائر ومشاكل، واضطر يبدأ من جديد أكتر من مرة.
لكنه كان عنده ميزة مهمة كان بيعرف يختار الناس اللي يشتغلوا معاه، وكان مؤمن إن الانضباط والاحترام أهم من القوة الجسدية وحدها.
ومع مرور السنين، أسس شركة أمن وحماية خاصة، وكبرت الشركة لحد ما بقت من أكبر الشركات في المنطقة.
بقى عنده مئات الموظفين، ومكاتب في أكتر من مدينة، وعقود لتأمين شركات ومخازن ومواقع تجارية كبيرة.
بقى أليكس رجل أعمال ناجح، واسمه معروف في مجاله.
ومع كل النجاح ده، ما نسيش أبدًا مين اللي وقفت جنبه في أصعب أيام حياته.
ماريا.
الست اللي كانت تشتغل ساعات طويلة عشان تشتري له كتبه، واللي كانت تحرمه من حاجات كتير عشان ما يحسش إنه أقل من زملائه، واللي علمته إن القوة الحقيقية مش في إنك تقدر ټأذي الناس، لكن في إنك تقدر تحميهم من غير ما تتحول لشخص ظالم.
بعد ما حاله اتحسن، حاول يقنعها تقفل المطعم الصغير.
قال لها أكتر من مرة
يا أمي، أنا أقدر أجيب لك بيت مريح، وأعيّن لك ناس تساعدك، وتعيشي بقية عمرك من غير تعب.
لكن ماريا كانت ترفض في كل مرة.
وأعمل إيه في البيت الكبير يا أليكس؟ أقعد أبص للسقف طول النهار؟
ترتاحي، وتخرجي، وتسافري، وتعملي اللي نفسك فيه.
أنا بعمل اللي نفسي فيه فعلًا. أنا بحب المكان ده.
بس الشغل متعب، وإنتِ كبرتي.
أنا كبرت في السن، مش في الرغبة إني أعيش.
كان أليكس بيبتسم كل مرة يسمع منها الكلام ده، لكنه كان يفضل قلقان عليها.
عرض عليها يعيّن لها عاملين يساعدوها، لكنها رفضت.
قالت له
أنا مش عايزة المطعم يبقى مشروع كبير. أنا عايزاه يفضل مكاني الصغير اللي أعرف فيه كل زبون، وأطبخ فيه بإيدي، وأحس إني لسه بقدم حاجة للناس.
وفي النهاية، وافق على رغبتها.
لكن كان فيه اتفاق بينهم لو حصل لها أي موقف يخوفها تكلمه فورًا.
وكان أليكس بياخد الوعد ده بجدية شديدة.
عشان كده، لما عرف إن أربعة رجالة استغلوا سنها وهدوءها عشان ياكلوا من غير ما يدفعوا، ما كانش غضبه بسبب قيمة الفاتورة.
اللي ضايقه إنهم افتكروا إن احترام أمه دليل ضعف، وإنها لأنها ست عجوز يبقى من حق أي حد ېهينها من غير حساب.
ومع ذلك، ما كانش ناوي يضربهم، ولا ينتقم منهم انتقامًا أعمى.
كان عايز يوصل لهم رسالة واضحة الغلط ليه عواقب، ومش كل شخص هادي تقدر تستغلّه وتفتكر إنك نجوت.
في محطة البنزين الضحك لسه مستمر!
في الوقت اللي كانت ماريا بترجع فيه الأطباق للمطبخ، كان الأربعة وصلوا لمحطة بنزين صغيرة تبعد عن المطعم بكام كيلومتر.
وقفوا موتوسيكلاتهم جنب بعض، ونزلوا يشتروا مشروبات باردة بعد ما الحر والتعب بدأوا يأثروا عليهم.
جاك فتح زجاجة مياه، وشرب منها جرعة كبيرة، وبعدين بصّ لأصحابه وهو بيضحك.
يا جماعة، أنا مش قادر أنسى وش الست!
ريك اڼفجر في الضحك.
لما نادت علينا وهي بتقول الحساب! كانت فاكرة إننا هنقف ونرجع لها!
توم هزّ راسه وقال
الست دي شكلها عمرها ما قابلت ناس زينا.
داني كان واقف بعيد شوية، بيبص على الطريق اللي جم منه.
قال بصوت منخفض
أنا مش مرتاح للموضوع ده.
جاك لفّ ناحيته.
إيه تاني يا داني؟
مش عارف. يعني إحنا أكلنا ومشينا من غير ما ندفع. ما كانش فيه داعي لكل ده.
ريك رفع حاجبه باستهزاء.
إنت لسه بتفكر في الموضوع؟ خلاص يا عم، اعتبرنا دفعنا تمن الأكل في خبرتنا بالحياة!
توم ضحك وقال
وبعدين هي هتعمل إيه؟ تبعت لنا الفاتورة على البيت؟
الأربعة ضحكوا من جديد.
داني حاول يشاركهم الضحك، لكنه ما قدرش.
كان عارف إن اللي عملوه غلط، وإن ماريا ما أذتهمش في أي حاجة. كل اللي عملته إنها طبخت لهم، وقدمت لهم الأكل باحترام.
ومع ذلك، وافق يمشي معاهم.
كان ممكن يعترض من البداية، لكنه اختار إنه يسكت عشان ما يبقاش هدف لسخريتهم.
وبينما الأربعة بيتكلموا، دخلت محطّة البنزين عربيتان سوداوان كبيرتان.
العربيتان كانتا من النوع الفخم، وزجاجهما معتم، ومشيتا ببطء لحد ما وقفتا على مسافة قريبة من الموتوسيكلات.
جاك ما اهتمش في البداية.
قال وهو بيشرب آخر نقطة في الزجاجة
شكل فيه ناس تقيلة جاية تموّن عربياتها.
لكن لما باب أول عربية اتفتح، وخرج منه رجل يرتدي قميصًا أسود وسروالًا رسميًا، بدأ إحساس غريب يتسلل إليه.
الرجل ما كانش بيتحرك بعشوائية. كان هادي، واثق من نفسه، وبيبص للمكان كأنه عارف بالضبط مين اللي بيدور عليه.
بعده نزل رجلان من العربية التانية، ثم نزل آخرون.
كلهم كانوا لابسين ملابس داكنة متشابهة، وسماعات صغيرة في آذانهم.
ما حدش فيهم كان پيصرخ، ولا بيجري، ولا بيحاول يلفت الانتباه.
لكن طريقتهم في الحركة خلت الضحك يختفي تدريجيًا من وشوش الأربعة.
ريك بصّ لجاك وهمس
إنت تعرف الناس دي؟
جاك هزّ راسه.
لأ. ليه؟
مش عارف. شكلهم مش جايين يشتروا مياه.
في اللحظة دي، الرجل اللي كان نازل من أول عربية قرب منهم.
وقف قدامهم، وبصّ على كل واحد فيهم بهدوء.
وبعدين سأل
مين فيكم كان عند مطعم ماريا من شوية؟
الأربعة سكتوا.
السؤال كان مباشر جدًا، لكن نبرة الرجل ما كانتش فيها أي عصبية.
جاك حاول يضحك.
مطعم مين؟
الرجل ما ابتسمش.
ماريا. الست صاحبة المطعم الصغير اللي على الطريق. مين فيكم كان عندها؟
ريك بصّ لتوم، وتوم بصّ لداني، وداني نزل عينه للأرض.
جاك رفع دقنه وقال
إحنا وقفنا في أماكن كتير النهارده. إنت عايز إيه بالضبط؟
الرجل قرّب خطوة واحدة.
أنا سألت سؤالًا واضحًا، ومستني إجابة واضحة.
جاك بدأ يحس إن الموضوع أكبر من اللي كان متوقعه.
ومع ذلك، قرر يتمسك بغروره.
أيوه، إحنا كنا عندها. وإيه يعني؟
الرجل بصّ له للحظات، وبعدها قال
كويس. يبقى إحنا وصلنا للناس الصح.
إنتوا تعرفوا الست دي مين؟
واحد من الرجال اللي كانوا واقفين خلف الرجل الأول طلع موبايله، وبصّ فيه، وبعدها أشار لجاك.
ده هو اللي كانت بتوصفه.
جاك اتضايق.
بتوصفني لمين؟ وإنتوا مين أصلًا؟
الرجل الأول ردّ بهدوء
إحنا من شركة الأمن اللي بيديرها ابن ماريا.
الكلمات نزلت على الأربعة كأن حد سكب عليهم مياه ساقعة.
ريك عبس.
ابنها؟
أيوه. أليكس.
توم فتح عينيه.
أما داني فرفع راسه بسرعة، وكأنه بدأ يفهم أخيرًا ليه كل ده بيحصل.
جاك حاول يخفي ارتباكه.
وإحنا مالنا بابنها؟ إحنا ما عملناش حاجة.
الرجل بصّ له نظرة طويلة.
ما عملتوش حاجة؟
أيوه. أكلنا عندها، ومشينا. لو فيه مشكلة في الحساب، نرجع ندفع.
الرجل أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
الفاتورة مية وسبعة وتمانين دولار.
جاك بلع ريقه.
كان المبلغ بسيطًا بالنسبة له، وكان يقدر يدفعه من غير ما يفكر مرتين.
لكن المشكلة ما كانتش في الفلوس.
المشكلة إنهم من دقائق كانوا بيتريقوا على ست عجوز، وواثقين إن مفيش حد هيقدر يحاسبهم.
والآن، كانوا واقفين قدام مجموعة من رجال الأمن، في محطة بنزين بعيدة عن المطعم، بعد أقل من نصف ساعة من اللي حصل.
ريك حاول يضحك ضحكة مصطنعة.
طيب، خلاص. إحنا هندفع. مفيش داعي لكل التجمع ده.
الرجل هزّ راسه.
محدش قال إنكم مش
هتدفعوا.
أمال إيه المشكلة؟
المشكلة إنكم اتعاملتم مع سيدة كبيرة في السن كأن تعبها مالوش قيمة، لمجرد إنكم اعتقدتم إنها مش هتقدر تدافع عن نفسها.
جاك رد بعصبية
هو إنتوا جايين تعملوا محاضرة أخلاقية؟ الفلوس معانا، وهنرجعها!
الرجل ما رفعش صوته.
مش محتاجين نرجع المطعم. ادفعوا هنا، والفاتورة هتوصل لها كاملة.
واحد من الرجال فتح شنطة صغيرة، وطلع منها جهاز دفع إلكتروني محمول.
لكن قبل ما جاك يمد إيده لجيبه، لمح شعار الشركة المطبوع على باب العربية السودا.
اتجمد مكانه.
كان شاف الشعار ده قبل كده.
مش في الشارع، ولا في إعلان عابر.
كان شافه على مبنى كبير في المدينة، وعلى عربيات الحراسة اللي كانت بترافق رجال أعمال معروفين، وعلى مواقع إخبارية بتتكلم عن شركة أليكس اللي توسعت بسرعة وبقت مسؤولة عن تأمين منشآت مهمة.
جاك قرب من العربية خطوة، وبصّ للشعار مرة تانية.
وبعدين رجع بعينه للرجل اللي