بعد شهرين

لمحة نيوز


بيتهرب.. إنه مخبي حاجة تانيه ورا الكلام ده.. بس في اللحظة دي، وأنا حاسة بثقل في جسمي ومشاعري المضطربة، سكت ومشيت وراه. ركبنا العربية، والطريق للبيت كان طويل وصامت، كل واحد فينا بيفكر في اللي جاي.. وما كنتش عارفة إن الخبر السار ده كان بداية لكارثة هتقلب حياتنا كلها رأساً على عقب!
في البيت، طارق بقى متغير.. كان سرحان، مش بياكل، مش بينام، كل ما أسأله بيقولي متقلقش.. كل حاجة هتتظبط. وبدأت أنا ألاحظ حاجات غريبة تليفونه بيتغير مكانه، بيصحى بالليل يكلم حد بصوت واطي، وبيخرج ساعات من غير ما يقولي رايح فين.
وذات يوم، كنت قاعدة في الصالة بقرا كتب عن الحمل والتوأم، سمعته بيقول في التليفون في الجنينة .. الحمل اتأكد.. توأم.. أيوه.. لازم نعرف إزاي ده حصل.. متأكد إن التحاليل كانت صفر؟.. تمام.. أنا هروح بنفسي للمستشفى القديم.. متقولش لحد حاجة!
قلبي نزل في رجليه.. يعني هو شاكّ إن فيه حاجة غلط؟ وبيبحث عن السبب؟ ليه ما يقولي؟ إيه اللي بيخاف منه؟
قررت أروح معاه من غير ما يعرف.. في اليوم التالي، لما قال إنه رايح الشغل، تبعتته من بعيد.. لقيته رايح لمستشفى خاص قديم في وسط المدينة، مش المستشفى اللي بنتعامل معاها عادةً. دخلت وراه بخطوات خافتة، وقفت بعيد عن الباب المفتوح قليل، وسمعت كلامه مع الدكتور
..يعني مستحيل طبياً يا دكتور؟ مفيش حالة زي دي حصلت قبل كده؟
يا أستاذ طارق.. الدليل قائم قدامك.. التحاليل بتاعتك من 4 سنين قالت صفر، والتحاليل اللي عملتها امبارح كمان بتقول نفس الكلام.. عندك انعدام تام للحيوانات المنوية.. وده معناه بشكل أكيد وقطعي.. إن التوأم مش ابنك!
الكلمة وقعت عليّ كالصاعقة.. مش ابنك؟! يعني إيه؟ إزاي؟! الدنيا لفت بيّ.. اتكأت على الحيطة عشان ما أقع، ودموعي نزلت بلا صوت.. طارق سكت، وما ردش على الدكتور.. بس سمعته بيقول بصوت مهزوز ومكسور متأكد يا دكتور؟ مفيش أي خطأ ممكن؟
يا سيدي.. عملنا التحليل 3 مرات في معامل مختلفة.. النتيجة واحدة.. آسف جداً.
خرج طارق من الأوضة، وشكله كان مدمّر بالكامل.. عيناه حمراء، وملامحه هابطة كأنه شال جبل على كتفيه. شافني واقفة قدامه متجمدة، اتسعت عيناه بصدمة ندى؟! كنتِ هنا من امتى؟
سمعت كل حاجة يا طارق.. همست بصوت ميت. يعني التوأم مش ابنك؟ فمين دول؟ ومنين جوايا؟!
طارق قرب مني بسرعة وحاول يمسك إيدي ندى.. اسمعيني.. أنا مش عارف إزاي ده حصل.. بس أنا متأكد إنكِ ما عملتِش حاجة غلط.. أنا واثق فيكِ بكل كياني! لازم يكون في تفسير تاني.. غلط في التحاليل.. أو.. أو..!
أو إيه يا طارق؟! صرخت بكل ألم وانهيار. الدكتور قال انعدام تام! يعني مستحيل! فمين اللي عمل كده؟ إزاي؟!
في اللحظة دي، تذكرت حاجة غريبة حصلت قبل أشهر.. كنت مريضة جداً ونزلت في المستشفى بسبب نزيف حاد.. طلبوا تبرع دم وطارق كان متطابق.. وبعدين عملت عملية صغيرة.. و.. وفجأة.. فكرة مرعبة ضربت دماغي.. طارق.. أنا عملت عملية تلقيح صناعي من غير ما أعرف؟ أنتَ عملت العملية دي بدلي؟!
طارق تردد قليلاً، وبعدين هز راسه ببطء لا.. ما عملتش حاجة من دي.. أنا كنت فاكر إن الحمل ده معجزة.. بس لما الدكتور قال كده.. بقيت مش عارف أفسر حاجة!
يعني إيه؟! أنا هنا في وضع مستحيل؟! أنا حامل في توأم من غير ما أعرف مين الأب؟! صرخت وانهارت وبكيت بكل ما فيا من قوة. حرام عليك يا رب.. ليه؟ بعد كل الصبر ده كله.. ليه؟!
طارق حضنني بقوة، وهو كمان بيعيط متخافيش يا ندى.. مهما حصل.. أنا معاكي.. مهما كان اللي جاي، هنعدّيه مع بعض.. هنعرف الحقيقة.. وهنحمي التوأم.. وهنكمل طريقنا!
بس ما كنتش عارفة إن اللي جاي كان أضعاف أضعاف اللي تخيلته.. وإن السر الحقيقي لم يكن مجرد خطأ طبي.. بل كان مؤامرة حاكت من سنين، وبدأت تتكشف خيوطها واحدة ورا التانية لتزلزل حياتنا من الجذور!

الجزء الثالث الماضي يعود بخيوط سوداء ومفاجأة تُقلب الموازين
مر أسبوع كامل وأنا عايشة في دوامة من الشك والخوف والقلق.. كل ما أشوف التوأم في السونار، بفرح وبخاف في نفس الوقت.. فرحانة بيهم، وخايفة من الحقيقة اللي هتطلع تدمّر كل حاجة. طارق كان بيتصرف بطريقة غريبة جداً.. بيصرف عليّ بكل حب ورعاية، بيقعد جنبي ساعات طويلة، بيحكي لهم قبل ما يولدو.. بس كنت شايفة في عينيه نظرة غريبة.. نظرة شخص مخبي عليه سر كبير وبيحاول يتحمّله لوحده.
وذات يوم، كنت برتب أغراض قديمة في الدولاب العلوي، لقيت ملف ورقي سميك مخبي جوا بطانية قديمة.. كان مكتوب عليه اسم المستشفى نفسها اللي رحتلها قبل كده.. فتحت الفضول يأكلني.. لقيت فيه تحاليل طبية قديمة.. وبصيت على الاسم.. قلبي اتوقف.. كان اسم طارق.. بس التاريخ كان من سنة ما قبل ما نتعرف!
قرأت التفاصيل بترقب ورعب.. التحاليل بتقول إن عنده انعدام تام للحيوانات المنوية.. وآخر ورقة كانت موقعة من الدكتور نفسه، ومكتوب بخط اليد حالة ميؤوس منها.. لا يوجد أمل في الإنجاب الطبيعي. بس اللي فاجأني وخلاني أتجمد مكاني.. كان هناك ورقة تانية ملحقة بالملف، بتاريخ قريب جداً.. قبل شهرين بالظبط من الحمل! كانت نتيجة تحليل جديد.. ومكتوب بوضوح نسبة بسيطة جداً ولكنها موجودة.. 2.. قد تكون نتيجة علاج جديد أو تحسن تلقائي.. يُنصح بالتأكد بعد شهر.
يعني هو كان عنده أمل! يعني ممكن يكون هو الأب! ليه ما قاليش؟ ليه خبي عليا؟!
مسكت الملف ونزلت بسرعة لقيته قاعد في الصالة. قفت قدامه ورميت الملف على الطاولة إيه ده يا طارق؟ ليه خبيت عليك إن حالتك اتحسنت؟ ليه قلتلي إنك متأكد إنك مش الأب؟!
طارق شاف الورق، وشحوب وجهه رجع تاني كنت خايف يا ندى.. خايف أعلّقكِ أمل وتتكسّر تاني.. النسبة كانت ضعيفة جداً.. 2 بس.. الدكتور قال إنها ممكن تكون غلط.. فما حبيت أقولكِ حاجة لحد ما أتأكد!
وده مبرر تخليني أتألم وأعاني وأحس إني خاينة وأنا معملتش حاجة؟! صرخت بكل غضب. ليه يا طارق؟ ليه الصدق بيكون آخر حاجة نفكر فيها دايماً؟!
آسف يا ندى.. آسف من كل قلبي.. قام وقف قدامي ومسك كتفي. بس صدقيني.. ما كنتش عايز أجرحكِ.. كنت عايز أحميكِ!
الحماية مش بالكذب يا طارق! الحماية بالصدق! رديت ودموعي نزلت. دلوقتي أنا مش عارفة أصدق إيه.. ممكن يكونوا أبنائك.. وممكن يكونوا لأ.. وأنا عايشة في حالة عدم يقين تقتلني كل يوم!
في تلك اللحظة، رن جرس الباب.. فتح طارق، ودخل رجل في الخمسينات، بملابس رسمية، وبوجهه جدية واضحة. الأستاذ طارق الألفي؟ أنا المحامي كمال.. عندي بلاغ وصل لنا من جهات أمنية، ونعتذر عن الإزعاج بس لازم نستفسر من حضرتك عن بعض التفاصيل.
طارق اتوتر تفضل.. اتفضل بالجلوس.
المحامي قعد، وبص لي ثم لطارق الموضوع يتعلق بشركة سابقة كان لزميلكِ الشريك فيها.. سيد رؤوف.. وصلتنا معلومات بتقول إنه كان بيستخدم اسم الشركة في عمليات تخصيب صناعي وزراعة أجنة
 

تم نسخ الرابط