لقيت خاتم غالي

لمحة نيوز


ما زال ناقصاً كثيراً.. سأنتظرك تصارحني بكل الحقيقة.. أو لا تصارحني أبداً!
التفت ومشيت.. مشيت وأنا حاسة أن كل خطوة بتوجعني.. كل خطوة بتسحبني من جذور اللي زرعتها معاه سبع سنين. لم أنتظر أحداً يتبعني.. لم ألتفت ورائي رغم سماعي صوت نداءاته وبكاء أمه ولوم أخيه. خرجت من الشقة وأنا أحمل كبريائي الممزوق وقلبي المجروح.. وركبت سيارة أجرة متجهة إلى بيت أهلي.. والدموع ما بقتش تفرق بينها وبين أنفاسي.
مرت الأيام بطيئة ومؤلمة.. ياسين اتصل مرات عديدة.. أرسل رسائل طويلة مليانة اعتذارات ودموع وحب.. يقول إني ظلمته.. إن الحقيقة أكبر من خاتم ومن هدية.. إن هناك سراً لم يستطع قوله أمام الناس.. وأنه سيأتي ويصارحني قريباً بكل شيء مهما كان الثمن.
أنا كنت بين نارين.. نار الحب اللي ما زال يأكل قلبي له.. ونار الخيانة والخداع اللي شفتو بعينيّ وسمعتو بأذنيّ. كنت أريد أصدقه.. وقلبي يرقص فرحة حين أسمع صوته.. لكن عقلي يقف حائلاً صلباً.. يقول لي لماذا خبّى؟ لماذا كذب؟ ولماذا هي بالذات؟!
الفصل الخامس الزيارة.. والحقيقة الصادمة
بعد أسبوع كامل.. جاء ياسين. جاء في وقت الغروب.. وجهه شاحب وعيناه غائرتان مليئتان بالسهر والدموع. لم أفتح له الباب بسهولة.. بل تركتته واقفاً في الشرفة فترة طويلة.. حتى كادت الشمس تغرب تماماً.. ثم أشرت له بالدخول.
جلسنا في الصالة.. في صمت طويل ومرهق. هو ينظر إليّ بندم وألم.. وأنا أنظر للأرض بجمود وكأنني لست أنا تلك التي كانت تموت عليه حباً بالأمس القريب.
أخيراً.. كسر الصمت بصوت خفيض ثقيل
جيت أقولك كل حاجة يا حنان.. كل الحقيقة.. حتى لو كانت توجع.. وحتى لو خسرتكِ للأبد.. ما عادش أقدر استمر في الكتمان.. إحساسي ببعادك عني نار بتأكلني كل ليلة.. فاسمعيني للآخر.. ثم احكمي عليّ بما ترينه مناسباً.
رفعت رأسي ونظرت إليه بصمت.. إيماءة خفيفة منه أن تكلم.
أخذ نفساً عميقاً جداً.. وكأنه يجمع شجاعة من مكان بعيد جداً.. ثم قال
اللي حصل مش سوء فهم بسيط يا حنان.. ولا مجرد هدية أخطأت في توجيهها.. القصة أعمق وأقدم من ذلك بكثير.. تبدأ من قبل زواجنا بسنوات.. تبدأ من والدتي..
توقف قليلاً ثم أكمل بصوت مرتعش
أمي.. كانت تحب فتاة لكريم.. هي ندى بالذات.. كانت تعتبرها ابنتها التي لم تلدها.. واتفقت مع كريم وهو صغير السن على خطبتها له.. لكن كريم.. كان متمرداً ويحب حياة أخرى.. ورفض الزواج منها مراراً وتكراراً.. حتى مرضت أمي مرضاً شديداً.. وقبل أن تسلم روحها.. طلبت مني وطلبت من كريم.. طلبت أن يتم زواج كريم من ندى.. وأن نحفظ لها وصيتها وأن نكون سنداً لندى بعد وفاتها.. لأن أهلها تخلوا عنها وهي في أشد الحاجة للعون..
دموعه سالت بغزارة.. وأنا مصغية بترقب وقلق.. فأكمل
توفيت والدتي.. وبقيت وصيتها عالقة في رقبتي.. كريم ما زال رافضاً.. وندى ضاعت بين أهل يرمونها وبين وعدٍ لم يُوفَ به.. كنت أشعر بالذنب ذنباً كبيراً تجاهها.. وكنت أحاول بكل طريقة أن أكون وفياً لوصية أمي.. وفي نفس الوقت أرضي كريم وأقنعه.. حتى جاء اليوم الذي أخبرتني فيه ندى بأن أهلها يضغطون عليها لتزويجها من رجل كبير السن متزوج.. وهددوها إن لم توافق سيسلبونها كل ما تملك ويرمونها في الشارع..
صمت لحظة ثم قال بصوت متهدج
شعرتُ بمسؤولية مروعة.. فكرت ماذا كانت ستفعل أمي لو كانت حية؟ لكانت وقفت بجانبها.. فاشتريت الخاتم.. ليس هدية منها.. بل كعربون وعد.. وقلت لها إن هذا الخاتم رمز لوصية أمي.. وإنني سأبقى بجانبها حتى يتزوجها كريم وتستقر حياتها.. وطلبت منها أن تظل سراً بيننا.. خشية أن تفهمي أنتِ أو كريم أو أحد سوء.. فظروفنا دقيقة وموضع شبهة.. ولم أكن أريد أن يمس سمعتكِ أو سمعتي أذى..
بكى بحرقة وقال
أما يوم عيد جوازنا.. فوالله ما نسيتكِ أبداً يا حنان.. كنت قد جهزت لكِ هديتكِ ووضعتها في درج مكتبي في العمل.. وفي طريقي إليكِ اتصلت بي ندى وهي تبكي وتقول إن أهلها جاؤوا ليأخذوها غصباً عنها.. فغيرت طريقي وذهبت إليها.. ووقفت بجانبها حتى أمنتها.. وبهذا انشغل بالي تماماً.. وذهبت إليكِ وقد خرجت من جو أليم فنسيت كل شيء إلا أنني متعب ومشوش الذهن.. ولم أجرؤ على مصارحتكِ في تلك الليلة.. والناس حولنا.. لأنني كنت واثقاً بأنكِ ستفهمين خطئي وتسامحيني.. ولم أدرِ بأن المصيبة كانت في انتظاري حين رأيتكِ قد وجدتِ الخاتم.. فارتتبكتُ وخفتُ من سوء الفهم.. فما كان مني إلا أن تخبأتُ وكذبتُ.. وكانت النتيجة أن خسرتُ ثقتكِ التي هي أغلى ما أملك!
سكت ياسين.. وبكاءه ملأ المكان.. وأنا واقفة كالتمثال.. قلبي يرتجف من هول ما سمعته.. فإذاً الأمر لم يكن غراماً ولا خيانة.. بل كان وفاءً لوصية أمٍ رحلت.. ومسؤولية تجاه فتاةٍ ضاعت في زحمة الحياة.. وخوفاً عليّ من سوء الفهم فكان سوء الفهم نفسه!
الفصل السادس بين الواجب والحق
بقيت صامتة فترة طويلة.. أفكاري تضطرب وتتضارب. أيحق لي أن ألومه على وفائه لأمه؟ أم يحق لي أن أغضب من إخفائه الأمر عني؟ أهو مذنب لأنه لم يثق بي بما يكفي ليصارحني منذ البداية؟ أم هو بريء لم يريد إلا أن يحميني من هموم لم تكن لتهمني؟!
رفعت بصري إليه أخيراً وقلت بصوت عميق هادئ
ولماذا لم تقل لي كل هذا منذ البداية يا ياسين؟ أكنتِ تظن أنني سأكون أعداءً لوصية أمك؟ أكنت تظن أنني سأمنعك من فعل الخير؟ أهذه هي الثقة التي بيننا بعد سبع سنين؟!
خشيت عليكِ من المتاعب.. قال بصدق.. كنتِ لتدخلي في مشاكل مع أهلكِ ومع الجميع.. وأردت أن أحميكِ من كل ذلك.. كنت أحميكِ فجرحتكِ.. كنت أريدكِ في منأى عن كل شائبة فاتهمتنيِ بأبشع التهم.. هذا هو خطئي يا حنان.. خطئي أنني تحكمتُ بقلبي ولم أتحكم بعقلي.. أنا آسف.. آسف بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. وإن كنتِ لا تسامحيني فأهلاً بعقوبتكِ لي.. فأهل لها!
بكيت أنا الأخرى.. لا أعرف هل من أجله أم من أجلي.. أم من أجل السبع سنين التي ضاعت في لحظة شك.. قلت له وأنا أجهش بالبكاء
كسرتني يا ياسين.. كسرت ثقتي بنفسي وبك.. كان يكفي أن تصارحني.. كان يكفي أن تقول لي يا حنان عندي مسؤولية تجاه فتاة وأريد مساعدتها لما بخلت عليكِ بمالي ولا بقلبي ولا بمشاعري.. لكنك لم تفعل.. آثرت الصمت والخفاء.. وهنا كانت المصيبة!
أعترف بذنبي.. قال وهو ينظر إلي بعينين دامعتين.. وأنا مستعد لفعل أي شيء.. أي شيء فقط لتعودي إليّ.. لتمسحي عن قلبي هذا الذنب الذي سيلازمني ما حييت.. هل.. هل يمكن أن تسامحيني يوماً؟
نظرت إليه طويلاً.. إلى الرجل الذي أحببته بكل كياني.. وإلى الخطأ الذي ارتكبه بحسن نية ولكن بنتيجة سيئة للغاية.. قلت له ببطء
المسامحة شيء يحتاج وقتاً يا ياسين.. الثقة التي تهدم لا تبنى في يوم وليلة.. سأعود معكِ.. ليس لأنني نسيت.. بل لأنني أحبك وأعرف معدنك الأصيل.. لكن عهداً بيننا.. من اليوم.. لا خفاء ولا كتمان.. كل
 

تم نسخ الرابط