مراتى جالها زهايمر
ويفضلوا يدوها نفس المواد اللي كانت بتسلبها عقلها كل يوم.
النيابة جمدت كل الحسابات البنكية.
ورجعت الأموال اللي قدرت توصل لها للشركة.
أما الأطباء المتورطين...
فاتسحبت منهم تراخيص مزاولة المهنة، واتحولوا هما كمان للمحاكمة.
والراجلين اللي دخلوا البيت متخفيين في زي مسعفين...
اعترفوا إن مهمتهم كانت يحقنوا حسام ومنى بمهدئات قوية أثناء النقل، علشان محدش يقدر يعترض أو يقاوم.
أما كريم...
فعمره ما اعتذر.
وقف في المحكمة بكل برود، وقال
أمي هي اللي كانت هتضيع مستقبلي... وأبويا عمره ما حبني، كان بيحب شركته أكتر مني.
حسام سمع كلامه كله...
لكن مردش ولا بكلمة.
لأول مرة فهم إن حب الأب لابنه، مش معناه إنه يحميه من نتيجة جرائمه.
في الوقت ده...
كانت منى بتبدأ رحلة علاج طويلة.
ست شهور كاملة في مركز تأهيل متخصص.
الأيام الأولى كانت صعبة جدًا.
جات لها تشنجات.
وكوابيس.
وفي أوقات كتير كانت بتصحى ومتعرفش حتى حسام.
لكنه عمره ما سابها.
كان يقعد جنب سريرها بالساعات، ويقرأ لها الخطابات اللي كانوا بيكتبوها لبعض في أول جوازهم.
كل يوم...
كانت تسترجع كلمة جديدة.
ذكرى جديدة.
وحركة كانت ناسيها.
لحد ما جه صباح من صباحات الربيع.
دخل حسام أوضتها، وفي إيده فنجان قهوة.
كانت منى قاعدة جنب الشباك.
بقت تمشي لوحدها، صحيح بعصاية، لكنها خلاص استغنت عن الكرسي المتحرك.
حط الفنجان قدامها، وقال بابتسامة
اتنين سكر، ورشة لبن... زي ما بتحبي.
شربت رشفة.
وكشرت وشها.
وقالت تلقائيًا
القهوة خفيفة أوي... إنت لسه بتعرفش تعملها.
وقف حسام مكانه.
نفس الجملة...
نفس الطريقة...
كانت بتقولهاله كل صباح قبل الحادث بسنين.
ركع قدامها، وحط راسه على إيديها، وانفجر في البكاء.
قال وهو بيعيط
كنت فاكر إني خسرتك للأبد.
ابتسمت منى، وملست على شعره.
وقالت بهدوء
كنت بسمع صوتك ساعات... كنت حاسة إنك موجود، لكن جسمي مكانش بيستجيب.
بص لها بعين مليانة ندم.
سامحيني... لأني ماشوفتش الحقيقة بدري.
هزت رأسها وقالت
هو خدعنا إحنا الاتنين.
مسك إيديها بقوة.
أوعدك... عمري ما هسيبك لوحدك تاني.
ابتسمت وسط دموعها.
يبقى نبدأ حياتنا من جديد.
بعد سنة كاملة...
باعوا البيت الكبير.
ماقدروش يعيشوا في مكان كل ركن فيه بيفكرهم بالخيانة.
اشتروا بيت صغير على البحر.
هادئ...
بعيد عن الضوضاء والذكريات المؤلمة.
حسام سلّم جزء كبير من إدارة شركة المقاولات للموظفين القدامى اللي وقفوا معاه بإخلاص.
وكمان أسس جمعية خيرية تساعد كبار السن اللي بيتعرضوا لاستغلال مادي أو طبي من أقرب الناس ليهم.
أما منى...
فاستغلت خبرتها في المحاسبة، وبقت تراجع ملفات الأسر اللي كانت شاكّة إن حد بيسرقها أو بيزور أوراقها، من غير ما تاخد مقابل.
وعند مدخل الجمعية...
حطوا الترمس الأحمر جوه صندوق زجاجي.
وتحته لوحة صغيرة مكتوب عليها
الثقة من غير سؤال... ممكن تتحول لسجن. والحب الحقيقي مش بس إنك تصدق... الحب كمان إنك تلاحظ، وتسمع، وتتصرف.
وفي كل مساء تقريبًا...
كان حسام ومنى يتمشوا على شاطئ البحر وإيديهم في إيد بعض.
لسه منى كانت ساعات تنسى بعض الأسماء، أو تحتاج ترتاح بسرعة.
لكن كل أسبوع...
كانت بتسترد جزء جديد من حياتها.
وفي يوم، وهما بيتفرجوا على الغروب...
أسندت رأسها على كتفه، وقالت
طول عمرك كنت بتبني كباري للناس... وفي الآخر بنيت أكبر كوبري علشان ترجعني للحياة.
ابتسم حسام، وباس راسها.
كان خسر ابنه...
بعد ما اختار بنفسه يبقى عدو لأهله.
لكن في المقابل...
استرد زوجته.
واسترد الحقيقة.
واسترد حياته.
سبع سنين كان فاكر إن صمت منى هو نهاية الحكاية.
لكن الحقيقة...
إن صوتها كان محبوس، ومستني حد يصدق إنه لسه موجود.