طفل اكبر رجل اعمال

لمحة نيوز

 ورجليه، بتراقب لونه، وبتبص للساعة كل ثانية. قالت بصوت عالي شوية: لو حطيناه في جو بارد بسرعة، الجسم بيقلل من احتياجه للأكسجين، وده بيخلي القلب والدماغ يصمدوا أكتر من الوقت اللي بنعتبره نهاية الطريق. سمعتوا عن حالات رجعوا للحياة بعد دقايق كتير لما اتعرضوا للبرد المفاجئ؟ دي نفس الفكرة.

مرت دقيقتين.. خمس دقايق.. عشر دقايق.. السكوت كان بيطبق على المكان، وكل عين كانت متربصة بالطفل الصغير. وفجأة، شفت حركة خفيفة في إصبعه.. بعدها صدره اتحرك شوية.. وطلع صوت عيط ضعيف جدًا، مكسور، بس كان صوت حياة.

نادية صرخت من الفرحة، وحسن وقف مكانه مش قادر يصدق، والدكتور جري بسرعة يفحصه، وبعد دقايق قال بصوت متغير: قلبه بيرجع يدق.. التنفس بدأ يتحسن.. معجزة.. دي فعلا معجزة.

مي وقفت مكانها، إيديها بتترعش من البرد والارهاق، ودموعها نزلت بصمت، شالت الدلو الفاضي، وقالت: أنا.. أنا كده عملت اللي أقدر عليه. الباقي عليكم يا دكاترة. وسابت المكان ومشيت ببطء، قبل ما حد يقدر يكلمها.

لما خرجت من الأوضة، لقت نفسها بتعيط لوحدها في الممر، مش عارفة هي فرحانة ولا خايفة. كانت عارفة إنها خاطرت بكل حاجة، وإن اللي عملته كان ممكن يوديها في داهية، بس لما شفت عيون الأم والأب، عرفت إنها عملت الصح.

بعد ساعات، الطفل اتثبت حالته، ونقلوه لأقسام العناية المركزة، وبدأت الدكاترة يعالجوه بطرقهم، وكلهم كانوا بيسألوا: مين دي؟ وإزاي عرفت الطريقة دي؟

حسن المنصوري كان مش قادر يريح باله، كل اللي كان بيفكر فيه هو الفتاة اللي جت بدلو تلج وأنقذت ابنه. سأل المدير، سأل الممرضات، وعرف إنها مي عبد الله، عاملة نظافة بتعمل عندهم من سنتين، بتعيش مع أمها في حي شعبي، وبتكتب وتقرا بس ما دخلتش جامعة لظروفها.

أمر بيجيبيها لمكتبه في اليوم التالي. مي جت وهي خايفة، متوقعة إنها تتعاقب أو تتطرد، دخلت ومش عارفة ترفع راسها. حسن قام وقف لما شافها، وقال بصوت هادئ: تعالي يا بنتي.. شكرًا.. شكرًا من كل قلبي. انتي رديتي ليا روحي.

مي بصتله وقالت: ما عملتش غير واجبي يا فندم.. كنت عارفة إن فيه فرصة، وما حبيت أسيبها تروح. أنا آسفة لو تخطيت حدودي.

— آسفة؟ قال وهو بيضحك من الدمع. انتي أنقذتي أغلى ما أملك. قوليلي عايزة إيه؟ فلوس؟ شغل أحسن؟ تعليم؟ أي حاجة في الدنيا تحتاجها، أنا هحققهالك.

مي فكرت شوية، وقالت بصوت هادئ: مش عايزة فلوس يا فندم.. ولا شغل تاني. كل اللي عايزاه.. عايزة أدرس طب. عايزة أتعلم صح، عشان أقدر أساعد ناس تانية زي ما ساعدت ابنك. وعايزة أكون دكتورة ما تنساش إن الناس كلها سواسية، غنية كانت ولا فقيرة.

حسن بص لها بإعجاب، وقال: إن شاء الله هتكوني أحسن دكتورة في البلد. هتكفل كل تكاليف دراستك، وهعطيك كل دعم ممكن، بس عندي شرط واحد: لما تخلصي، تفضلي تذكري إن البشر مهما كانوا صغار، عندهم قوة كبيرة لو استخدموها صح.

وبدأت رحلة مي الجديدة. درست، ونجحت بتفوق، وكل سنة كانت بتتقدم، وكل ما كانت تقابل صعوبة، كانت تتذكر يوم ما دخلت بدلو تلج، وكيف إن الإرادة والمعرفة بتتغلب على كل حاجة. وفي نفس الوقت، كانت تزور الطفل كل فترة، وكبر وكبر معاه حب واحترام لمي، لحد ما كبر وسماها "العمة المنقذة".

لكن الحياة ما بتخلوش من الأسرار، وبعد سنين، لما مي كانت في السنة الأخيرة من كلية الطب، جالها خبر غريب. واحد من الأقارب القدامى لوالدتها قالها: في حاجة ما تعرفهاش يا مي.. أبوكي ما ماتش في الحادثة زي ما أمك قالتلك. هو كان دكتور، وكان شغال في مستشفى قديم، واتعرض لمشكلة كبيرة لما كشف عن فساد وغلط طبي، فاضطروا يخرجوه ويعيش بعيد، وحرموه يعمل شغله، ومات وهو مكسور القلب.

مي صدمت، وسألت أمها، واعترفت لها بالحقيقة، وقالت: خافت عليكي يا بنتي.. خافت يحصلك زيه. هو كان بيقول إن الطب رسالة، وإنك لازم تقول الحق مهما كان الثمن، وده اللي خلى أعداءه كتير.

عرفت مي إن طريقها مش صدفة، وإن رسالة أبيها وصلتها بطريقة غريبة. لما تخرجت، كانت أول قرارتها إنها تفتح عيادة مجانية في الحي اللي عاشت فيه، وتعالج الفقراء بلا مقابل، وبتعلم الشباب اللي محتاجين يتعلموا، وتقول لهم دايماً: العلم مش للنخبة بس.. العلم للي عايز يخدم الناس، مهما كان مكانه ومهما كان شغله.

وبقت قصتها تتنقل من فم لفم في كل القاهرة، من العشوائيات لأرقى الأحياء. وكل حد بيسمعها بيتعلم درس: إن النفوذ والفلوس مش كل حاجة، وإن القوة الحقيقية بتجي من الضمير والمعرفة والشجاعة، وإن الشخص مهما كان صغير في عين الناس، يقدر يعمل تغيير كبير لو آمن بنفسه وباللي بيعمله.

وفي كل مرة كانت بتشوف ابن المنصوري وهو يكبر، كانت بتفتكر الدلو اللي شالته، والبرد اللي حسّته في إيديها، والفرحة اللي شافتها في عيون أم وأب فقدوا الأمل. وتقول لنفسها: الحياة بتديك فرصة مرة واحدة.. إما تضيعها، أو تخلق منها معجزة. والمعجزات مش بتعملها دايماً الأقوياء.. أحياناً بتعملها واحدة كانت بتشيل الزبالة، وبحلمها وبإيمانها، قدرت تغير مجرى حياة ناس كتير.

 

 

تم نسخ الرابط