طفل اكبر رجل اعمال
طفل أكبر رجل أعمال في القاهرة اتعلن وفاته.. لحد ما عاملة نظافة دخلت فجأة بدلو تلج وخَلّت الكل يرجع لورا!
مستشفى دار الشفا في القاهرة كانت متعودة على الفلوس، والنفوذ، والأسرار اللي ما بتطلعش للنور، بس الصبح ده كان مختلف.. ولا اسم المنصوري، ولا ملايينه، ولا أكبر دكاترة في البلد قدروا يمنعوا اللحظة التقيلة اللي بتيجي لما المصيبة تقع.
حسن المنصوري، صاحب شركات ومولات ونص البلد تقريبًا، كان واقف ودموعه مالية وشه، ومش فاكر حتى هو مسحها ولا لأ. قدامه، على سرير الولادة، كانت نادية بتتنفس بالعافية.. كأن روحها اتسحبت منها. استنوا الطفل ده سبع سنين؛ سبع سنين علاج.. خسارات.. وأمل كل مرة ينتهي بأوضة فاضية وسرير طفل ما اتستخدمش. ولما أخيرًا سمعوا صوته وهو بيعيط.. حسن حس إن ربنا أخيرًا بص له.
بس الفرحة ما كملتش دقيقة؛ العيط وقف فجأة، الممرضة وشها اتغير، دكتور الأطفال جري بسرعة، وبدأت أصوات الأجهزة.. أوامر سريعة.. صدمات كهربا.. وإيدين بتضغط على صدر طفل صغير جدًا.. مرة ورا التانية. ونادية بتحاول تقوم وهي بتصرخ: فيه إيه؟! ابني فيه إيه؟! ليه محدش بيرد عليا؟!
حسن حاول يقرب.. لكن اتمنع.
— يا فندم لو سمحت..
— اعملوا أي حاجة! صرخ بصوت مكسور عمره ما سمعه من نفسه.. مش مهم الفلوس.. اعملوا أي حاجة!
بس الفلوس ما بتعملش حاجة قدام الموت. وبعد دقايق طويلة كأنها عمر.. الدكتور وقف، بص لهم، وقال الجملة اللي خلّت الأوضة تتحول لمقبرة: البقاء لله.. مقدرناش ننقذه.
نادية طلّعت صوت مش مفهوم.. مش صوت بني آدم حتى، وحسن وقع على نفسه.. كأن ضهره اتكسر. السكوت ملأ المكان، محدش عارف يعمل إيه.
تحت.. بدورين.. كانت مي عبد الله، عاملة نظافة عندها 26 سنة، بتزق عربية التنضيف في قسم حضّانات الأطفال. هدومها رخيصة.. وإيديها محروقة من الكلور. بالنسبة للناس هناك.. هي مش موجودة؛ مجرد واحدة بتمسح الأرض.. بتشيل الزبالة.. ومالهاش حق تتكلم.
بس مي كانت بتسمع.. بتلاحظ.. وتتعلم في صمت. كانت بتكتب كل حاجة في كشكول قديم: مصطلحات طبية.. معلومات.. أي حاجة ممكن تفيد يوم. لأنها قبل كده خسرت أخوها الصغير، وكل الناس قالت وقتها: مفيش فايدة. ومن ساعتها، كل فيديو كانت بتشوفه الفجر، كل شرح عن الإسعافات الأولية، عن انخفاض الحرارة، عن محاولات إنقاذ أخيرة.. كانت بتحفظه كأنه طوق نجاة.
لما سمعت الجري في المستشفى، وبعدها السكوت التقيل، قلبها اتقبض. سألت، محدش رد، بس واحدة معدية قالت: ابن المنصوري مات.
مي وقفت مكانها، وفجأة فكرة ضربت دماغها زي البرق: برد.. وقت.. أكسجين.. فرصة. افتكرت فيديو شافته من كام أسبوع؛ حالة نادرة.. طريقة مجنونة لإنقاذ حياة حد لما كل حاجة تخلص. مش مضمونة.. ومش لأي حد.. وأكيد مش لواحدة زيها. بس كانت عارفة حاجة واحدة: أوقات.. أكبر غلط هو إنك تستسلم بدري.
إيديها بدأت تترعش.
— متدخليش.. قالت لنفسها.
فكرت في شغلها.. في أمها اللي بترعاها وفي البيت الصغير اللي بيعيشوا فيه.. في المشاكل اللي ممكن تحصل.. حتى السجن. بس بعدين افتكرت الطفل، وآخر فرصة.
سابت العربية، جريت على المخزن، فتحت صندوق التلج، وملَت دلو كبير بسرعة. إيديها كانت بتتجمد والدلو تقيل جدًا، بس شالته وطلعت تجري. عدّت وسط دكاترة وأهالي ولا حد سألها رايحة فين، لأن ببساطة عاملة نظافة شايلة تلج مش خطر، لحد ما فتحت باب أوضة الولادة ودخلت في نص الحزن.
صوت الدلو لما خبط في الأرض خلّى الكل يبصلها. ممرضة صرخت: إزاي دخلت؟! الدكتور زعق: طلعوها بره فورًا! بس مي ما بصتش لحد، بصت للطفل بس.. ساكن.. أبيض.. صغير جدًا. ولأول مرة في حياتها ما كانتش غير مرئية؛ كانت واضحة بشكل مخيف. قالت بصوت مهزوز بس ثابت: لسه فيه فرصة.. سيبوني أحاول.
— دي مجنونة!
— إوعي تلمسيه!
حسن رفع راسه من الأرض، عينيه مكسورة، بس حاجة في نظرة مي خلّته يسكت. نادية بصتلها وهي متعلقة بأمل ضعيف جدًا بس موجود. مي قربت خطوة.. وبعدين خطوة. التلج كان بيلمع في الدلو، الدنيا كلها بقت صوت بس هي ما كانتش سامعة. مدّت إيديها وشالت الطفل، وفي اللحظة اللي الدكتور حاول يمسكها، عملت حاجة محدش في الأوضة كان يتخيلها.
حطّت الطفل ببطء في وسط التلج، وبدأت تفرك جسمه برفق بقطنة مبللة بماء بارد جدًا، وكل شوية ترفع صدره شوية وتقول بصوت واضح: انخفاض الحرارة بيبطئ عمل الأعضاء، بيقلل استهلاك الأكسجين.. الدماغ لسه ماتتحتش.. الدقايق دي كلها فرصة لو استخدمناها صح.
الكل وقف مذهول، حسن كان بيحاول يفهم إيه اللي بيحصل، ونادية كانت بتدمع وتقول: اعملي كل حاجة.. ربنا يخليكي اعملي كل حاجة. الدكتور كان عايز يمنعها بس لما شاف نظرة حسن المنصوري اللي كانت بتقول "لو خسرنا حاجة، خسرناها، بس خلينا نجرب" سكت مكانه.
مي كانت بتعمل كل حركة بدقة، كأنها بتعملها كل يوم من سنين. كانت بتفرك يديه