قصه كامله بقلم محمد عبده

لمحة نيوز

اليوم اللي أختي الصغيرة كانت واثقة إنها كسبت كل حاجة
في صباح هادي داخل محكمة الأسرة في القاهرة، كان الناس قاعدين مستنيين الجلسات تبدأ.
دخلت أختي الصغيرة من باب المحكمة وكأن الحكم خلاص صدر لصالحها.
كانت لابسة بدلة شيك لونها أوف وايت، وكعب عالي غالي، وعلى وشها نفس الابتسامة الهادية اللي دايمًا بتظهر لما الدنيا تمشي على مزاجها.
اسمها كان سلمى جمال.
و اسمي أنا هبة فؤاد.
من وإحنا صغيرين، سلمى عمرها ما كانت بتسمع كلمة لا. لو غلطت، أهلي يلاقوا لها مبرر. ولو عايزة حاجة، كانوا مقتنعين إن من حقها وإن لازم الكل يساعدها تاخدها.
أما أنا اتعلمت درس تاني. اشتغلت، تعبت، ووفرت كل جنيه، وبطلت أستنى العدل من أهلي من زمان.
وفي اليوم ده، هي ما كانتش لوحدها.
جوزها، كريم جمال، كان قاعد جنبها، قدامه ملف مترتب بعناية. شكله كان مرتاح تقريبًا مستمتع، كأن الجلسة مجرد إجراء شكلي.
وراهم كان قاعدين أمي وأبويا.
أمي، منى فؤاد، كانت بتعدل في شنطتها طول الوقت من غير ما تتكلم.
وأبويا، حسن فؤاد، كان باصص في الأرض، بيتجنب يبص لأي حد.
القضية كلها كانت على حاجة واحدة.
بيت حديث مطل على النيل في منطقة هادية في المعادي.
أنا اللي اشتريته بفلوسي بعد سنين من الشغل الإضافي، والتعب، والاستثمار بحذر، والتنازل عن رفاهيات ناس كتير بتعتبرها عادية.
بالنسبة للناس كان مجرد بيت جميل.
لكن بالنسبة لي كان كل حاجة. كان نتيجة قرارات صعبة خلتني أبني حياتي بإيدي.
لكن سلمى قررت إنها تستحقه.
وسلمى لما بتقرر حاجة، أهلي دايمًا بيلاقوا سبب يوافقوها.
الورقة اللي كانت فاكرة إنها هتنهي كل حاجة
محاميهم وقف بثقة قدام القاضي.
اسمه طارق الشناوي، محامي معروف، كلامه دايمًا موزون، ومابيستعجلش.
قال
يا سيادة القاضي، موكلتي بتطلب من المحكمة الاعتراف بعقد مكتوب بيتم فيه نقل ملكية منزل المعادي من الآنسة هبة فؤاد إلى السيدة سلمى جمال.
أنا ما اتحركتش.
جنبي كانت محاميتي، نادية عادل، بتراجع أوراقها بهدوء تام، ولا كأن في أي مشكلة.
بطرف عيني، لمحت سلمى وهي بتبصلي.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
مش شماتة
مش سخرية
بس ابتسامة واحدة واثقة إنها كسبت.
القاضي، المستشارة ليلى عبد الرحمن، فضلت تبص في الورق شوية، وبعدين رفعت عينها ناحيتي.
يا آنسة هبة، هل سبق واطلعتي أو وقعتي على العقد ده؟
الورق اتسلم لي.
اسمي كان مكتوب بوضوح في آخر الصفحة.
وكمان توقيع شبه توقيعي.
العقد بيقول إني وافقت بإرادتي إني أنقل ملكية البيت لأختي، ضمن اتفاق عائلي خاص.
حسيت إن الكل مستني رد فعلي.
خصوصًا سلمى.
كانت مستنية أشد شعري
أو أصرخ
أو أنهار.
لكن أنا بصيت للقاضي بثبات وقلت
لا يا فندم أنا عمري ما وقعت على الورقة دي.
كريم سند ضهره على الكرسي وهو مبتسم ابتسامة خفيفة.
المحامي طارق قفل الملف بهدوء وقال
يا سيادة القاضي، تغيير الرأي بعد التوقيع لا يبطل العقد.
سلمى مالت ناحيتي وقالت بصوت واطي
بيت أحلامك مش هيفضل ملكك كتير
سمعت كل كلمة.
وما رديتش.
لأني كنت مستنية اللحظة المناسبة.
واللحظة دي لسه ما جاتش.
قبل النهاية بثلاث خطوات الحقيقة بدأت تتحرك
القاضي بصت ليّ لحظة أطول من المتوقع، وكأنها بتقيس هدوئي.
سلمى كانت متوقعة إني أتوتر لكن لما ما شافتش أي رد فعل، ابتسامتها بدأت تهتز.
محاميتي، نادية، رفعت رأسها أخيرًا وقالت بهدوء
يا سيادة المستشارة، نطلب إذن بتقديم مستند إضافي للمحكمة.
محاميهم حاول يقاطع بسرعة
المستندات تم تقديمها بالفعل
لكن القاضي رفع إيده وقال بحزم
خليها تتكلم يا أستاذ طارق.
نادية فتحت الملف اللي قدامها، وسحبت ورقة واحدة بس.
ورقة بسيطة لكنها كانت كفيلة تغيّر كل حاجة.
قالت
المستند ده عبارة عن سجل رسمي من مكتب التوثيق بتاريخ سابق لتاريخ العقد اللي بيستندوا عليه.
همهمة خفيفة بدأت تنتشر في القاعة.
سلمى بصت لجوزها بسرعة، وكأنها بتسأله إيه ده؟
نادية كملت
السجل بيوضح إن الأستاذة هبة فؤاد كانت مسافرة خارج البلاد في التاريخ المذكور على العقد وده مثبت بختم الخروج والدخول من الجواز.
القاضي أخدت الورقة، وبدأت تقرا بتركيز.
صمت ثقيل.
محاميهم شد رابطة عنقه، وابتسم ابتسامة متوترة
ممكن يكون في خطأ في التواريخ، أو
نادية قاطعته بهدوء قاتل
مش بس كده يا فندم.
وساعتها سحبت ورقة تانية.
ده تقرير خبير خطوط معتمد من المحكمة بيثبت إن التوقيع الموجود على العقد مزوّر، ومش مطابق لتوقيع موكلتي.
القاعة كلها اتجمدت.
سلمى وشها بدأ يفقد لونه.
كريم اتحرك في مكانه لأول مرة ومبقاش مرتاح زي الأول.
القاضي رفعت عينيها ببطء، ونظرتها اتغيرت تمامًا.
هل عندكم رد على الكلام ده؟
محاميهم فتح الملف بسرعة، يقلب في الورق، لكن واضح إنه مش لاقي حاجة يتمسك بيها.
سلمى قربت منه وهمست بانفعال
قول أي حاجة ما تسكتش!
لكنه ما ردش.
وهنا أنا لأول مرة اتكلمت من غير ما يتسأل مني.
بصيت للقاضي وقلت بهدوء
يا سيادة المستشارة ده مش مجرد عقد مزوّر.
الكل بص لي.
حتى أبويا رفع عينه لأول مرة.
كملت
دي محاولة استيلاء على ملكية باستخدام أوراق مزيفة وأنا عندي دليل يوضح مين اللي ورا التزوير ده.
سلمى قامت من مكانها فجأة
أنتي بتكدبي!
القاضي ضربت بالمطرقة
اقعدي مكانك فورًا!
أنا ما بصتلهاش حتى.
كنت مركزة بس على اللحظة اللي مستنياها من سنين.
نادية قدمت فلاشة صغيرة للمحكمة.
وقالت
دي تسجيلات من مكتب توثيق خاص الكاميرات فيه سجلت يوم محاولة تحرير العقد.
سلمى
 

تم نسخ الرابط