حكم طلاق
بعد دقائق من صدور حكم الطلاق رسميًا، وصلت والدة طليقي قدام بوابة بيتي ومعاها عربيات نقل عفش، وقالت بصوت عالي:
"افتحي الباب… البيت ده بقى بتاعنا."
لكن البوابة المقفولة، والفيلا الفاضية، ومكالمة واحدة لمحاميتي… مسحوا الابتسامة المتعجرفة من على وشها في ثواني.
القاضي كان لسه مُعلن انتهاء جوازي رسميًا، ومشيتش حتى من المحكمة، لما موبايلي اهتز في إيدي.
"تم رصد حركة عند البوابة."
كنت لسه قاعدة على دكة خشب برا قاعة المحكمة في القاهرة الجديدة، ماسكة ورق الطلاق في ملف كريمي اللون. إيدي كانت ساكنة على رجلي… كأنها مش بتاعتي.
على الناحية التانية من الممر، طليقي دلوقتي، كريم المنشاوي، خرج الأول. عدّل أكمام بدلته الرمادي كأنه خارج من اجتماع شغل مش من خمس سنين كدب وسيطرة وإهانة هادية.
أمه، سميحة المنشاوي، كانت واقفة جنب الأسانسير، لابسة نظارة شمس وسلسلة لؤلؤ، وبنفس الابتسامة اللي دايمًا بترسمها لما تفتكر إنها كسبت.
قالت بصوت عالي عشان أسمع:
"على الأقل دلوقتي تقدري تعيشي حياتك بقى."
كريم ما ردش.
بس شد فكه ومشي.
بصيت للموبايل.
الكاميرا بتاعة الأمان كانت بتورّي عربيتين نقل واقفين قدام بيتي في التجمع الخامس. قدام البوابة الحديد واقفين سميحة، وأخت كريم دينا، وأخوه مروان، وكذا عامل لابسين يونيفورم.
كانوا واقفين قدام البيت اللي اشتريته قبل ما أعرف كريم بثلاث سنين.
البيت اللي ورثته بعد وفاة أهلي في حادث على الطريق الصحراوي.
البيت اللي كريم عمره ما دفع فيه جنيه.
ولا صلّحه، ولا حافظ عليه، ولا حتى استحقه.
وبرغم كده، سنين وهو بيستخدمه كخلفية مثالية للحياة الغنية اللي كان عايز الناس تصدق إنها بتاعته.
بصيت للشاشة مرة…
وبعدين مرة تانية.
في إهانات بتكون جريئة لدرجة إن عقلك بيحتاج وقت يستوعبها.
إشعار تاني ظهر:
"محاولة فتح يدوي للبوابة."
في الكاميرا، مروان كان بيدخل أرقام في لوحة المفاتيح كأن الثقة لوحدها تفتح ملكية. دينا واقفة بتصوّر بالموبايل، غالبًا بتحضّر بوست درامي عن "خيانة العيلة" و"الستات القاسية".
سميحة واقفة جنب العربيات، بتشاور على البيت كأنها بتقسم أوض فندق.
وبعدين وصلت رسالة من رقم كنت مسحاه من شهور… بس عرفته فورًا.
"افتحي الباب يا ليلى. ما تكبريش الموضوع. ماما محتاجة تقعد في جناح الضيوف شوية لحد ما الأمور تهدى."
كان كريم.
كنت هاضحك.
"لحد ما الأمور تهدى."
كأن بيتي فندق مؤقت لعيلته.
كأن حكم الطلاق ادّالهم مفاتيح ملكيتي.
كتبت جملة واحدة:
"هقابلكم عند البوابة."
وبعدين كلمت محاميتي، أستاذة نادية حمدي.
"هما هنا"، قلت أول ما ردت.
سكتت لحظة.
"ومعاهم عربيات نقل؟"
"اتنين."
خدت نفس ببطء، وكأني سامعاها وهي بتقفل ملفها الجلدي.
"كويس… كده جابوا شهود، ونية واضحة، وثقة زيادة عن اللزوم. أنا جاية حالًا."
لما وصلت التجمع، المشهد كان بقى زي دراما أحياء راقية… الناس بتتفرج من غير ما تبين.
عربيتين شرطة واقفين.
جيران مستخبيين ورا السور.
دينا لسه بتصوّر.
مروان ماشي رايح جاي متعصب.
وسميحة بتكلم الظابط بثبات ست عمرها ما اتقالها "لأ".
البوابة الحديد… لسه مقفولة.
وراها، بيتي واقف زي ما هو: هادي، شيك، حيطان حجر فاتح، شبابيك طويلة، ونباتات طالعة على الجدران.
من بره، لسه شكله البيت اللي كريم كان بيستقبل فيه رجال أعمال، وسميحة بتعمل فيه عزومات، ودينا بتتصور فيه وتقص صوري من الخلفية.
بس هما ما كانوش عارفين إيه اللي مستنيهم جوا.
نزلت من عربيتي.
سميحة بصّت لي كأني موظفة اتأخرت.
"أخيرًا! افتحي الباب يا ليلى… كفاية دراما."
مشيت بهدوء لحد البوابة، ووقفت الناحية التانية.
وبهدوء قلت:
"مساء الخير يا طنط سميحة."
هل شايف إن ده كان قرار واحد غبي منهم… ولا أسلوب حياة كامل؟
سميحة ضيّقت عينيها وهي بتبصلي من ورا البوابة الحديد.
"بلاش أسلوبك ده معايا يا ليلى… افتحي الباب فورًا."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وطلعت موبايلـي قدامها.
"هو حضرتك شايفة إني واقفة هنا علشان أفتح؟"
مروان قرب من البوابة بعصبية:
"إنتي فاكرة نفسك مين؟ ده بيت أخويا!"
رفعت عيني ناحيته بهدوء:
"غلط… ده بيتي. وورق الملكية موجود… ومش باسمه، ولا اسم أي حد فيكم."
دينا قربت وهي لسه بتصوّر:
"الناس لازم تعرف حقيقتك… بعد ما أخويا صرف عليكِ—"
قاطعتها ببرود:
"خلي الكاميرا شغالة… يمكن تفيدكم في المحضر."
سميحة لفّت للظابط بسرعة:
"إحنا عيلة واحدة يا حضرة الظابط، ودي مرات ابني… أقصد طليقته، وفي شوية خلافات بسيطة—"
الظابط قاطعها بهدوء حازم:
"يا فندم، اللي قدامنا ملكية خاصة، ولو مفيش إذن بالدخول يبقى اسمه تعدي."
وشّها اتشد، لكن حاولت تفضل متماسكة:
"إحنا عندنا حق—"
في اللحظة دي، عربية سوداء وقفت ورا عربيات النقل، ونزلت منها محاميتي، نادية حمدي، بخطوات واثقة.
"مساء الخير"، قالت وهي بتبص على الكل، وبعدين بصّت لسميحة مباشرة، "واضح إنكم مستعجلين على حاجة مش بتاعتكم."
كريم كان واقف بعيد شوية، ساكت طول الوقت… لحد ما أخيرًا اتكلم:
"ليلى، خلّصي الموضوع ده بهدوء… إنتي عارفة إن البيت كان جزء من حياتنا."
ضحكت ضحكة قصيرة:
"لا يا كريم… البيت كان جزء من كدبك."
سكت لحظة، وأنا كملت:
"فاكر أول حفلة عملتها هنا؟ لما قلت لكل الناس إنك اشتريت المكان؟"
وشه اتغيّر، لكن ما ردش.
نادية فتحت ملفها وطلّعت نسخة من الأوراق:
"الملكية باسم الأستاذة ليلى فقط، قبل الزواج بثلاث سنوات. ومفيش أي بند في الطلاق بيدي أي طرف تاني حق في العقار."
بعدين بصّت للظابط:
"واللي بيحصل ده محاولة استيلاء موثقة… بعربيات نقل وشهود."
مروان قال بعصبية:
"إحنا كنا داخلين ناخد حاجتنا!"
رفعت حاجبي:
"حاجتكم؟ تحب أفتح الكاميرات اللي جوه ونشوف مين اللي جاب العفش ده أصلًا؟"
سميحة قربت من البوابة، صوتها بقى أوطى بس مليان تهديد:
"إنتي بتغلطي غلطة كبيرة يا ليلى… إنتي مش عارفة بتتكلمي مع مين."
بصيت لها بثبات: