امي

لمحة نيوز

قالت أمي للظابط وهي بتضحك
بنتي؟ لا دي مجرد ضيفة معانا عشرين سنة لابسة يونيفورم ولسه موظفة مكتب!
لكن الظابط قرأ البطاقة مرتين وشه قلب أبيض، ومسك التليفون الأحمر وقال
هاتوا القائد فورًا عندنا لواء عند البوابة!
نور الكشاف دخل العربية زي سكينة من الضوء البارد.
عدّى الأول على أمي قاعدة ورا الدركسيون في عربيتها الفخمة، مغرورة ومستعجلة.
بعدها على أخويا كريم اللي قاعد ورا، لابس بدلة شيك ومسترخي كأنه متعود الدنيا تمشي له من غير تعب.
وفي الآخر وقف عليّا.
كنت سامعة صوت اللمبة في كشك الأمن طنين خفيف، وصوت العربية وهي دايرة، وصوت ضوافر أمي وهي بتخبط على الدركسيون.
الصوت ده رجعني 20 سنة ورا.
أمي، نادية السيوفي، ضحكت نفس الضحكة اللي كانت بتضحكها كل ما أبان فجأة في حياتها.
قالت للظابط
بنتي؟ لا لا دي بس جاية معانا.
الظابط قرب من الشباك.
أمي شاورِت عليّا بإيدها من غير ما تبصلي
آه لابسة يونيفورم بقالها سنين، بس متخليش ده يضحك عليك شغلها كله ورق في مكتب. بص على الكارنيه وخلاص وخلّينا ندخل.
كريم ضحك من ورا
يا ماما مش كده برضه
ابتسمت وقالت
عشرين سنة ولسه موظفة مكتب!
أنا فضلت ساكتة إيدي على الشنطة.
لحظة واحدة بس كنت عايزة أصرخ.
أقولها كل رتبة أنا وصلت لها وهي ما شافتهاش كل مهمة تجاهلتها كل احتفال غابت عنه عشان كريم كان عنده عزومة أو عربية جديدة يعرضها.
كنت عايزة أديها السنين واحدة واحدة وأخليها تحس بوزنهم.
بس الغضب عمره ما كان مفيد في الجيش.
اللي بيفيد هو الدليل.
فتحت الشنطة وطلّعت الكارنيه من مكانه اللي مخبياه.
حسيته بارد في إيدي.
اديته للظابط.
بص عليه مرة
وبعدين مرة تانية.
الساعة كانت 642 مساءً والنور الأبيض مسلط علينا عند البوابة.
وشه اتغير بالكامل.
النور نزل من على وشي على الختم الدهبي في الكارنيه.
وقف ثابت فتح بقه بس ما طلعش صوت.
أمي قالت بضيق
في إيه؟!
الظابط رجع لورا بسرعة خبطت رجله في الرصيف وبعدين أدى تحية عسكرية قوية.
كريم اتعدل
هو بيعمل إيه ده؟!
ابتسامة أمي اهتزت.
الظابط ما بصّش لها تاني دخل الكشك، مسك التليفون الأحمر، وصوته بقى رسمي جدًا
في ضابط رفيع عند البوابة الرئيسية كرر، ضابط رفيع موجود. فعلوا بروتوكول الاستقبال فورًا.
أمي ضحكت
ضحكة صغيرة، مكسورة فيها خوف متغلف بثقة مزيفة.
قالت
أكيد في غلطة!
ما كانش في غلطة.
هي بس كانت بتغلط بقالها أكتر من 30 سنة.
أول مرة فهمت إني مش مرئية، كنت عندي 10 سنين.
أبويا، حسن السيوفي، كان شغال في ورشة سفن بيرجع البيت ريحته حديد وزيت وسجاير.
إيده خشنة زي ورق الصنفرة.
كان دايمًا يقول
اللي ما تقدرش تمسكه بإيدك غالبًا مالوش قيمة.
وده كان يشمل حتى المدح.
في مسابقة المدرسة عملت نموذج لسفينة حربية من خردة الحديد وأسلاك قديمة.
اشتغلت عليها 6 أسابيع واتحرقت مرتين وأنا بلحمها.
كسبت المركز الأول.
رجعت البيت شايلة النموذج كأني شايلة حلم.
حطيته قدام أبويا واستنيت.
قلت له
قالوا إن التوصيلات الكهربائية أحسن حاجة في المشروع.
بص على السفينة
وبعدين على الورقة
وبعدين رجع يكمل شغله.
أمي قالت من المطبخ
شيّلي ده من على الترابيزة هيعطّل الأكل.
بعدها بثلاث دقايق كريم دخل يجري، ماسك كاس بلاستيك عشان جاب المركز التالت في جري.
أمي صرخت من الفرحة.
حضنته وباسته واتصلت بالناس كلها.
الكاس البلاستيك اتحط فوق التلاجة تحت النور.
ومشروعي اتزق واتكسر شوية عشان حد خبطه بصينية.
دي كانت حياتنا.
نجاحات كريم الصغيرة كان ليها جمهور.
نجاحاتي كانت بتتشال من على الترابيزة.
سنين عدت
وأنا بترقى وهي بتسأل
في تأمين طبي في الشغل ده؟
أبعت صورة من حفل رسمي تقول
كريم شكله تعبان في الصورة.
بطلت أشرح قالت
بقت غامضة!
ولا مرة قالت فخورة.
ولا حتى فضول.
بس تقليل.
رجعنا للحاضر.
الحاجز لسه مقفول
الظابط واقف بيحيي
وأول عربية مرافقة نورها بيخبط في الزجاج.
كريم قال بهمس
ماما
ما ردتش.
الظابط خرج من الكشك وشه لسه شاحب.
بصلي أنا مش لها وقال
سيادة اللواء سارة السيوفي القائد في الطريق.
وفي اللحظة دي
أمي بصتلي لأول مرة في حياتها
كأني حد هي مش قادرة تنكره.
والكلمة اللي قالتها قبل ما الموكب يوصل هي اللي قلبت كل حاجة.
حاضر الجزء الثاني 

أمي فضلت باصة ليّا كأنها بتحاول تركّب ملامحي من جديد
كأنها أول مرة تشوفني فعلًا.
شفايفها اتحركت وبصوت واطي جدًا قالت
سارة؟
اسمى خرج منها غريب تقيل كأنه مش متعود عليه.
أنا ما رديتش.
لأني عارفة الكلمة اللي جاية بعدها أهم.
ابتلعت ريقها، وبصّت حواليها على العساكر اللي بدأوا يتحركوا بسرعة غير طبيعية
وبعدين قالت وهي بتحاول تستجمع نفسها
إنتِ عاملة كل ده ليه؟
ابتسمت بهدوء.
أنا ما عملتش حاجة يا ماما أنا بس جيت الشغل.
كريم فتح الباب ونزل من العربية بسرعة، صوته بقى عالي شوية
لا لا استني يعني إيه لواء؟! إنتِ بتهزري؟!
الظابط لف ناحيته فورًا بنظرة حادة
لو سمحت ارجع مكانك.
كريم اتجمد مكانه أول مرة حد يكلمه كده.
أمي نزلت ببطء كعبها بيخبط في الأرض بس المرة دي مفيش ثقة فيه توتر.
قربت مني خطوة وبصّت على بدلتي العسكرية كويس، كأنها بتقرأ تفاصيل عمرها ما شافتها.
إنتِ ما قولتيش.
ضحكت ضحكة خفيفة
قولت كتير إنتِ بس ما كنتيش بتسمعي.
سكتت.
الصمت بينا كان تقيل تقيل جدًا.
فجأة صوت عربيات بيقرب أنوار زرقا بتلمع موكب كامل داخل ناحية البوابة.
الظابط شد ضهره أكتر
استعدوا!
في ثواني المكان كله اتغير.
أبواب اتفتحت عساكر اصطفوا تحيات عسكرية بدأت.
عربية سودة وقفت قدامنا.
بابها اتفتح ونزل منها القائد.
راجل كبير هيبته مالية المكان.
مشى ناحيتي مباشرة وقف قدامي وأدى تحية عسكرية كاملة
مساء الخير يا فندم.
رديت التحية بهدوء
مساء النور.
أمي شهقت بصوت واطي.
القائد بص ليها لحظة وبعدين رجعلي
تحبّي نرتب دخول خاص يا فندم؟
بصّيت على أمي وعلى كريم
الاتنين واقفين مش فاهمين هم فين.
وقتها افتكرت كل مرة اتقال لي فيها إنتِ ولا حاجة.
كل مرة اتشلت من الصورة
كل مرة اتقارنّت فيها بكريم.
خدت نفس هادي وقلت
لأ هدخل عادي.
بعدين بصّيت للظابط عند البوابة
افتح البوابة العربية دي معايا.
الظابط نفّذ فورًا.
أمي بصّت لي بذهول
معاكِ؟
ركبت العربية تاني المرة دي أنا اللي قدام.
سكتنا شوية وبعدين قالت بصوت مكسور
أنا
 

تم نسخ الرابط