اشتريت جاتوه

لمحة نيوز

لو اشتريت لي جاتوه، هحكي لك إزاي الرجالة دول بيضحكوا عليكِ.. ده اللي قاله لي ابن الشيف بعد ما سمع صدفة كلام مكنش حد يتخيل إنه هيفهمه.. مأتخانقتش معاه، طلبت الباستا وسكت خالص! ولما راجعت العقد اللي فيه ما يقارب مليون جنيه زيادة، اكتشاف صاعق عرفني مين اللي خانني وعض إيدي بقاله 6 شهور.. الکاړثة اللي لقيتها في الورق كانت كفيلة تدمر كل حاجة... 
لو اشتريت لي قطعة جاتوه شيكولاتة، هاقول لك ليه الرجالة دول بيكحشوا ويسرقوا منك تقريباً مليون جنيه!
فريدة رفعت عينيها من على أجندتها ولقيت قدامها طفل عنده 8 سنين، رفيع، جاد، ولابس مئزر أبيض بيوصل لحد رجليه. ومن ورا الشباك الإزاز بتاع الكافيه، كان فيه رجلين أعمال يابانيين بيركبوا عربية سوداء، بينما شريف، المترجم الخاص بفريدة، واقف يودعهم لحد الرصيف.
يعني من غير جاتوه مكنتش هتقولي؟! سألته وهي بتبتسم بمرح.
الولد فكر شوية بجدية مدهشة
أيوة.. بس بالجاتوه الكلام بيتفهم أكتر!
فريدة ضحكت.. ودي كانت أول ضحكة ليها في اليوم ده كله.
الولد اسمه يوسف، وأبوه صبري كان شيف في مطعم صغير في وسط البلد بالقرب من منطقة المعادي. وعشان صبري بيربي ابنه لوحده وبيقفل شغله متأخر بالليل، يوسف كان بيقعد هناك بعد المدرسة، بيعمل واجبه على ترابيزة صغيرة ورا المطبخ.
ومن وهو عنده خمس سنين، يوسف كان بيتعلم ياباني لوحده! بدأ بكرتون، وبعدين فيديوهات، وأبليكيشنز، وكتاب قديم أبوه لقاه في سوق الكتب المستعملة. كان بيككتب هيراغانا في كراسات مربعات، ويلزق كروت بكلمات على الثلاجة، ويقعد يتدرب على الأرقام وهو بيغسل أطباق العشا.
في الليلة دي، فريدة كانت بتخلص صفقة شراء كاميرات وثلاجات عرض ضخمة ل سوبر ماركت فريدة، سلسلة الفروع ال 27 اللي بنتها بعرقها على مدار اثنا عشر سنة في مصر. قيمة العقد كانت تقارب العشرين مليون جنيه، وشريف كان بيترجم لها الإيميلات والاجتماعات مع الشركة اليابانية بقاله ست شهور كاملة.
كل حاجة كانت خالصة ومفروض هيوقعوا يوم الجمعه.
لحد ما يوسف دخل الحمام.
وهو بيغسل إيديه، دخل الاتنين اليابانيين اللي لسه خارجين من اجتماعهم مع فريدة. الكبير فيهم، السيد تاكيدا، مخدش باله من الطفل، والثاني، موري، بدأ يتكلم بصوت واطي.
يوسف مفرمش كل الكلام، بس لقط الأرقام.
سمع مبلغ يعادل تسعمائة وثمانين ألف جنيه مصري.. وسمع كلمات تخص زيادة فوق السعر، المترجم، عمولة، وجمارك.. وفهم جملة واحدة بوضوح الست اللي بره دي مش دارية بحاجة خالص!
وعشان كده، طلع من الحمام وقلبه بيدق بسرعة، وجري على ترابيزة فريدة على طول.
ولما الجاتوه جه، يوسف قعد يترجم لها الجمل اليابانية اللي سمعها على قد ما قدر.
فريدة بطلت تبتسم.
في أجندتها كان فيه كلمة مكتوبة كتبتها بخط إيدها، كلمة نطقها موري من دقايق، وشريف كان قايل لها إنها بتعني رسوم جمركية إجبارية.
بس يوسف أكد لها إنها رقم ومكسب إضافي بيلعبوا بيه.
أنت متأكد يا يوسف؟!
من الأرقام أيوة.. وقالوا بالحرف إن المترجم ظبط الدنيا معاهم وخلاص!
في اللحظة دي، صبري أبو يوسف خرج من المطبخ واتخض أول ما شاف ابنه قاعد مع عميلة مهمة
معلش يا فندم.. يوسف دايماً بيحب يتدخل في اللي ميعنوش!
بابا، الست دي بيتضحك عليها!
صبري كان عايز ياخده ويمشي، بس فريدة وقفته بصوت حاسم
استنى.. ولو كان كلامه صح؟!
وقبل ما صبري يرد، باب الكافيه اتفتح.
شريف دخل.. وهو بيضحك ومبتسم.
قرب منهم، وبص ليوسف وقال بمزحة خفيفة
كمل دراسة ياباني يا بطل.. يمكن تطلع مترجم شاطر في
يوم من الأيام!
يوسف مأنطقش بحرف.. بس فضّل باصص له بنظرة ثابتة مرعبة.
فريدة قفلت أجندتها ببطء
شريف.. بكرة الصبح راجع معايا كل تفاصيل التسعير والبنود من أول وجديد.
شريف ابتسم بثقة كأنه أطهر خلق الله ومافيش أي حاجة في الدنيا يقلق منها.
ووقتها بس، فريدة أدركت.. إن لو يوسف صادق، يبقى بقاله ست شهور كاملة بيقعد خاېن على نفس الترابيزة جنبه من غير ما تحس بحاجة.. ومحدش في القاعدة دي كان يتخيل إيه الکاړثة اللي هتتكشف في الورق بكرة الصبح!
الجزء الثاني
الليل طال على فريدة. لم تذهب إلى بيتها مباشرة؛ بل ذهبت إلى مكتبها في الفرع الرئيسي، أشعلت الأنوار، وفتحت الخزنة، وأخرجت ملف العقد الكبير الذي كان يزن بين يديها كأنه جبل من ڼار. جلست على كرسيها الوثير، الساعة كانت تشير إلى الحادية عشرة مساءً، والمكان هادئ تمامًا، لا صوت فيه إلا دقات قلبها ونبضات الساعة القديمة المعلقة على الحائط.
بدأت تقرأ من أول صفحة. لم تكن تبحث عن أخطاء نحوية أو تنسيقية؛ بل كانت تبحث عن ثغرات، عن كلمات مزدوجة المعنى، عن بنود يمكن تفسيرها بأكثر من وجه. كل سطر كان يمر عليها ببطء شديد. كانت تعرف أن شريف ذكي جدًا، ولن يترك أثرًا واضحًا بسهولة. لكن يوسف لم يكن ېكذب؛ عيناه كانتا صادقتين، والطفل في مثل هذا العمر لا يتقن اختلاق القصص بهذه الدقة، خاصة حين يتعلق الأمر بأرقام ولغات أجنبية.
مرت الساعات واحدة تلو الأخرى. الساعة الثانية صباحًا، ولم تصل إلى شيء حتى الآن. بدأت تشك في نفسها قليلًا هل أنا متوهمة؟ هل الإرهاق هو اللي بيخليني أشك في كل حاجة؟ شريف معايا من ست شهور، ملتزم، دقيق، ما أخطأ في ترجمة ولا رسالة قبل كده.. إزاي يكون خائڼ؟
أغلقت العقد للحظة، وسندت رأسها بيدها. تذكرت أول يوم جاء فيه شريف إليها. كان في مقابلة عمل، أنيق، يتحدث اليابانية بطلاقة، ولديه شهادات وخبرات تبدو ممتازة. قال إنه يعمل مع شركات دولية سابقة، وقدم لها خطابات توصية بدت رسمية تمامًا. وبدون أن تشعر، وجدته خيارًا مثاليًا، فلم يكن لديها وقت لتدقيق الخلفيات كما يجب، وكانت العجلة لتنهي الصفقة تدفعها للأمام.
فتحت العقد مرة أخرى، وهذه المرة عند قسم الملاحق والبنود المالية. كانت الأسعار مكتوبة بالجنيه المصري وبالين الياباني، وهذا طبيعي في العقود الدولية. لكن حين قارنت بين سعر الوحدة في العقد وما كان مذكورًا في أول عرض سعر وصلها قبل ستة أشهر، وجدت أن الأرقام متطابقة ظاهريًا. ثم تذكرت كلمة قالها يوسف زيادة فوق السعر. فذهبت إلى بند الرسوم والمصاريف الإضافية.
هنا توقف قلبها للحظة.
كان هناك بند صغير، مكتوب بخط أصغر قليلًا، ومدرج تحت عنوان عام مصاريف إدارية ولوجستية، يقول تضاف نسبة 5 من القيمة الإجمالية كرسوم استشارية وتنسيق، تدفع من المشتري إلى جهات تنسيق معينة يحددها الطرف الثاني.
5 من عشرين مليون جنيه يعادل مليون جنيه بالضبط! والبند مكتوب بطريقة توحي بأن هذه الرسوم تذهب إلى الشركة اليابانية نفسها، لكنه لم يحدد الجهة بدقة، ولم يكن مذكورًا في العرض الأولي، ولم تناقشه أبدًا في أي اجتماع.
أمسكت بكراسة الملاحظات التي كانت تسجل فيها نقاط كل اجتماع. بدأت تراجع الاجتماعات واحدًا تلو الآخر. في كل مرة كانت تسأل شريف عن أي تكاليف إضافية، كان يقول لها كل حاجة داخلة في السعر يا فريدة، دول منظمين، بيحطوا كل حاجة في السعر عشان ما تتعبيش بالحسابات. وكانت تصدقه، لأنها تثق به،
ولأنها كانت مشغولة بمئات الأمور الأخرى.
قامت فريدة وفتحت حاسوبها، وبدأت تبحث في مراسلات
 

تم نسخ الرابط