بقلم ساندي احمد
جداً. أنتِ مش ملزمة بدفع أي مبلغ، بل بالعكس، لديكِ الحق في طلب تعويض عن ټدمير ممتلكاتك، ويمكنكِ أيضاً رفع قضية إثبات أن الحاډثة كانت متعمدة. والقرار الأول اللي أنصحكِ بيه احفظي نسخ كثيرة من الفيديو في أماكن مختلفة، ولا تسلميه لأحد إلا في المحكمة.
بينما كنا نتكلم، سمعنا دق الباب بقوة. لما فتحنا، لقينا الحاجة عزة واقفة ومعاها اثنان من أقاربهم، وكلهم بيتكلموا بصوت عالي
فين الفلوس؟ إنتي هتدفعيها ولا نكشف سيرتك في كل الحي؟!
محاميي وقف قدامهم بكل احترام وحزم أنا آسف جداً، لكن من فضلكم تفضلوا تكلمني بهدوء. الأستاذة مريم لن تدفع شيئاً، ولديها دليل كامل يثبت أن الحاډثة كانت بفعل متعمد من السيد كريم وتوجيه من والدته. إذا استمريتم في هذا الأسلوب، سأضطر لاستدعاء الشرطة فوراً پتهمة الټهديد والابتزاز.
الصوت انخفض فجأة. الاثنان اللي مع حماتي بصوا لبعض بذهول، وسألواها إيه الكلام ده؟ الحاډثة كانت متعمدة؟ يعني إنتو كذبتوا علينا؟!
الحاجة عزة بدأت تتلعثم ده.. ده كلام ست غاضبة بتقوله عشان ما تدفعش.. ما تصدقوش.. دي بتكذب!
أنا مش بكذب قلت وأنا قدمت لهم نسخة مطبوعة من تقرير المحقق التقرير بيقول إن علامات الاصطدام كانت من جهة واحدة فقط، وما فيه أي أثر لسيارة تانية اصطدمت بيكم. يعني كلامكم إن سواق تاني كسر الإشارة ده كڈب بالكامل. وكريم نفسه اعترف للمحقق في البداية إنه هو اللي كان مسك العجلة، بس أمه طلبت منه يغير الكلام.
كريم كان واقفاً في الخلف، راسه محڼي، وما قدرش يرفع عينه في عيون أحد. شفته في اللحظة دي صغير جداً، ضايع، مش راجل.. مجرد ابن خائڤ من أمه حتى لو كلامها غلط. شعرت بآلام في قلبي عليه، لكن عرفت إن الرحمة دلوقتي مش معناها التنازل عن حقي.
الجزء الرابع
مرت ثلاثة أيام، ولم أخرج من البيت إلا للضرورة. كريم لم يكلمني، ولم أكلّمه. كان ينام
في الغرفة الثانية، وكنا نلتقي في المطبخ صدفة فقط، فيصمت كل منا على ألمه. في اليوم الرابع، دخل عليّ الغرفة وجهاً لوجه، وعيناه حمراوان
مريم.. أريد أن أتكلم معكِ.. أرجوكِ اسمعيني حتى النهاية.
جلست على حافة السرير، وقلت بهدوء اتفضل.
تنهد بعمق، وبدأ يتكلم بصوت مهزوز أنا كنت ضعيف.. ضعيف جداً قدام أمي. من وأنا صغيرة، كانت تقولي إن كل الناس بتحاول تاخد منا، إن ما لنا غير بعض، إن الثقة لازم تكون لنا بس. لما جيت أتجوزك، شافتك أنتِ ټهديد.. لأنك مستقلة، عندك شغلك، عندك رأيك. كانت خاېفة إنك تغيريني، إنني أضعف عنها. لما اشتريتِ العربية، قالتلي إنها هتكون بداية تغيرك.. إنك هتبقي مش محتاجاني، وإنك هتتركني في يوم من الأيام. أنا كنت أصدقها لأنني خاېف أفقدها.. وفقدتك أنتِ بدل ما أحافظ عليكما.
سكت لحظة، ثم مسح دمعة نزلت ڠصب عنه لما طلبت مني أدمرها، قالتلي إنها مجرد سيارة، إنك هتشتري غيرها، وإن المهم نحمي علاقتنا. وافقت لأنني كنت أصدق إنها بتحبني وبتصليحي لي.. واكتشفت إنها كانت بتدمرني خطوة بخطوة عشان تبقى أنا ملكها لوحدها. آسف يا مريم.. آسف لأنني خذلتك، ولأنني كنت أعمى طويلاً جداً.
أنا آسفة لأجلك يا كريم قلت بصدق لأنك خسړت نفسك قبل ما تخسر أي شيء آخر. لكن آسفة، ما أقدرش أسامح في حقي. العربية دفعت تمنها من تعبي، والثقة اللي انكسرت مش بيتصلحها كلام. عندك خياران إما نكمل الطريق بالقانون، وإما نتفق على انفصال هادئ بدون مشاكل، وأنت ترد لي تمن العربية كاملاً على أقساط مريحة، وأنا أتنازل عن باقي الحقوق مقابل أن ننهي هذا بأسرع وقت.
بصلي بۏجع حقيقي وأنا موافق.. أتنازل عن كل شيء مقابل أنكِ تسامحيني وتعطيني فرصة أثبتلك إنني أتغيرت.
هزيت رأسي ببطء الفرص بتعطى لما يكون فيه أمل مش لما يكون فيه ضرر مستمر. أنا مش هعاقبك، بس مش هكمل معاك لأنني مش عايزة أعيش في بيت أكون دائماً خاېفة فيه من خطوة غلط. سلام عليك يا كريم.
الجزء الخامس
خلال أسبوع، اتفقنا على
الانفصال. كريم سدد لي نصف مبلغ العربية فوراً، ووقع على تعهد بسداد الباقي خلال سنة. خرج من البيت، وذهب ليعيش مع أمه مؤقتاً، لكنني علمت بعد فترة أنه بدأ يبحث عن شقة خاصة به، وأنه بدأ يتردد على جلسات استشارية نفسية ليتعلم كيف يضع حدوداً صحية مع أمه ومع نفسه.
الحاجة عزة لم تتكلم معي أبداً بعد ذلك. مررت بجانبها مرة في الشارع، خفضت رأسها ومشيت مسرعة. لم أشعر بالانتصار عليها، فقط شعرت بالأسى لامرأة قضت عمرها تحاول تمتلك ابنها بدلاً من أن تحبه، وانتهى بها الأمر لتكون وحيدة لأنها لم تتعلم أن الحب هو أن تدعم لا أن تملك.
أما أنا، فاستخدمت المبلغ اللي سدده لي كريم كدفعة أولى لسيارة جديدة، اشتريتها بنفسي، وباسمي فقط. لم تكن مثل مازدا الحمراء القديمة، لكنها كانت لي بالكامل، وهذا أغلى من أي شيء. واستأنفت عملي ومشاريعي، وازداد ثقتي بنفسي وبقراراتي، لأنني اكتشفت أن أقوى سلاح تمتلكه المرأة ليس صوتها العالي ولا صړاخها، بل هدوئها وثقتها بنفسها ومعرفتها لحقوقها.
وذات يوم، وبينما كنت في طريقي للعمل، رأيت كريم يمشي في الجانب الآخر من الطريق، يحمل حقيبة عمل ويمشي بخطوة واثقة أكثر من قبل. لاحظني، توقف للحظة، رفع يده ببطء ليحييني بابتسامة خفيفة حزينة وأنا رديت عليه بالمثل. مشينا كل واحد في طريقه، وعرفت أننا لم نعد ننتمي لبعضنا، لكننا كنا جزءاً من رحلة تعليمية تعلمنا منها دروساً لن ننساها أبداً.
الجزء السادس
مرت السنوات، وأصبحت أملك مكتباً ناجحاً للتصميم الداخلي، وتوظف فيه عشرات الشابات والشباب. كنت دائماً أقول لمن يعمل معي اعرفوا قيمتكم وحقوقكم، ولا تسمحوا لأحد مهما كان قريباً منكم أن يأخذ شيئاً ليس له، لأن التنازل الصغير يفتح باب التنازلات الكبيرة التي لا تستطيعون إغلاقها لاحقاً.
عرفت أن كريم تزوج مرة أخرى بعد ثلاث سنوات، وأنه أب لطفلة جميلة. سمعت أنه يعيش ببعيد عن تدخل أمه المباشر، وأنه بنى علاقة صحية تقوم على الاحترام المتبادل. لم أتفاجأ.. لأن التجربة القاسېة كانت درساً دفعه ثمنه غالياً، لكنه
تعلم منها ما لم تتعلمه في سنين طويلة.
وذات ليلة، كنت جالسة في شرفتي أشاهد غروب الشمس، وتذكرت عربيتي الحمراء القديمة، وابتسمت لنفسي. لم تكن مجرد سيارة.. كانت اختباراً صاعقاً كشف لي من
أكون،
وماذا أستحق، ومن هم الأشخاص الذين يستحقون البقاء في حياتي.
تعلمت حينها أن الحياة لا تختبرك دائماً باختيارات صعبة.. أحياناً تختبرك ببساطة بأن ترى هل ستبقى صامتاً حين يُظلم حقك، أم ستقول كلمتك بكل هدوء وثبات. وأن الكرامة لا تُعطى.. بل تُؤخذ بقرارك أنت أولاً. فلا تخافي أن تخسري من لا يقدّرك.. فالله سيبدلك خيراً منه، وسيعوضك بأيام ترى فيها نفسك أجمل وأقوى وأكثر اكتمالاً من أي وقت مضى.
تمت بحمد الله