حصلي اجهاض
التجمع الخامس، كان خالد وصل، ودخل الشقة وقفل الباب وراه ببطء، تنفس الصعداء وكأنه تخلص من كابوس طال 8 سنين. مشى للشرفة وفتح الزجاج، بص للخارج بابتسامة انتصار وهمية خلاص انتهى كل حاجة.. بكرة الصبح أبلغ الشرطة إنها اختفت.. وبعد أسبوع أنا حر.. والشقة والفلوس كلها بقت لي لوحدي.. حياة جديدة من غير ۏجع دماغ
ما كانش عارف إن هناك أشياء صغيرة جداً بتكون أقوى من كل خطط البشر.. وأهمها إن منى لم تكن وحدها تماماً.. وأن هناك عين كانت تراقب كل خطوة خطاها في العربية.. سجل كل دقيقة وكل انعطاف.. وكل مكان توقف فيه.. وحتى الصوت اللي اتكلم فيه وهي بتترجاه ما يسيبها.. كل ده مسجل ومحفوظ.. في مكان ما هيرجع يطارده في الوقت اللي ما يتوقعه أبداً.
الجزء الثالث
الليل كان طويلاً جداً على منى. كل فترة كانت تصحى من نومها على موجة ألم تضربها في بطنها، فتجد حمدة جالسة بجانبها، تمسح على جبينها بمنشفة مبللة وتعطيها رشفات صغيرة من الماء. كانت كلمات حمدة البسيطة تطمنها الدكتور جاي في الطريق يا ضنايا، اصمدي شوية بس، ربنا مش بيسيب حد مظلوم
وفي الطريق الوعر، كان صوت سيارة الإسعاف يقطع سكون الليل بصفارها القوي. حمد كان يسوق دراجته الڼارية قدامهم، يشق لهم الطريق بين المنعطفات المظلمة حتى وصلوا للبيت الصغير. عندما دخل الدكتور والممرضة الغرفة، رأوا منى شاحبة الوجه، عرقها بارد يتصبب على جبينها، والدم ما زال ېنزف ببطء لكن لم يتوقف تماماً.
قال الدكتور بجدية وهو يفحصها بسرعة الحالة حرجة جداً، لازم ننقلها للمستشفى فوراً. الڼزيف مستمر وفقدت كمية كبيرة من الډم. حركتها هتكون صعبة، بس هنعملها بأكبر قدر من الحذر
حمدة مسكت يد منى وقبلتها تروحي وتصيري سالمة يا بنتي، ما تخافي من شيء، ربنا معاكِ. أوعي تهملي نفسك، سمعتي؟
حملوها على النقالة وخرجوا بها لسيارة الإسعاف. قبل أن يغلقوا الباب، سمعت صوت حمد يقول الله يشفيك يا بنتي، وينتقم لكي ممن فعل فيكي كده
وفي الطريق للمستشفى، بينما كانت الأضواء تومض فوقها، استجمعت منى آخر قوة عندها وقالت للممرضة اللي جالسة بجانبها
ساعديني.. عايزة أتصل بأخوي سعد.. اسمه سعد.. ضروري يكلمه حد فوراً.. جوزي.. حاول ېقتلني.. وهو في بيته دلوقتي.. لازم تبلغوا الشرطة.. العربية بتاعته عندها جهاز تتبع.. كل خطواته مسجلة.. ارجوكم لا تضيعوا الوقت
الممرضة اتصلت بالشرطة فوراً وأعطتهم كل المعلومات، وبعد دقائق وصل الاتصال لسعد. لما سمع صوت الممرضة تخبره بالخبر، شعر وكأن الأرض دارت به. لم يتردد ولو لثانية واحدة، أخذ مفاتيح سيارته وانطلق فوراً باتجاه المستشفى، وفي الطريق اتصل بصديقه المهندس اللي ركّب جهاز التتبع في سيارة خالد قبل سنتين كإجراء احترازي لم يظن يوم أنه سيأتي وقت يستخدمه فيه.
وصل سعد للمستشفى وركض نحو غرفة الطوارئ. وقف أمام الباب المغلق يضرب بقبضته على الحائط من الڠضب والخۏف، دموعه لم يمنعها. بعد ساعة خرج الدكتور وقال له بصوت هادئ هي بخير الآن، أوقفنا الڼزيف ونقلنا لها ډم. هي ضعيفة جداً وتحتاج لراحة تامة،
لكنها نجت. لو تأخرت ساعة واحدة فقط، ما كنتش هنلحقها
دخل سعد الغرفة ببطء. رآها مستلقية على السرير، خراطيم التوصيل في يدها، وجهها شاحب جداً، لكن عيناها كانت مفتوحة وتنتظره. لما رأته، حاولت تبتسم، ودمعة سقطت من عينها. اقترب منها سعد وجلس بجانبها، مسك يدها برفق وقال بصوت مهتز أنا هنا يا منى.. أنا معاكي.. محدش هيقدر يأذيكي تاني أبداً.. أبداً
همست بصوت ضعيف جداً سعد.. هو كان عايز يخلص مني عشان الفلوس.. خطط لكل حاجة..
أنا عارف يا قلبي، أنا عارف. الجهاز شغال، كل حاجة مسجلة وموثقة. الوقت والتاريخ والمكان بالضبط. ده دليل قاطع لا يمكنه ينكره. الشرطة ذاهبة لبيته الآن. سيدفع ثمن فعله، أعدك بذلك
وفي تلك اللحظة بالذات، كان خالد جالساً على الأريكة في الصالة، يشاهد التلفاز وكأن شيئاً لم يكن. كان يفكر كيف سيخبر الجيران أنها اختفت، وكيف سيبدو حزيناً أمام الجميع لبضعة أيام ثم ينسى الأمر كله. سمع دققاً عنيفاً على الباب. ذهب ليفتحه بابتسامة واثقة، لكن الابتسامة ماټت على وجهه فور ما رأى رجال الشرطة يقفون أمامه.
خالد بن محمود؟ أنت متهم بمحاولة قتل زوجتك منى. معنا أمر ضبط وتفتيش. هيا معنا
حاول أن يتكلم، أن يبرر، أن ينكر، لكن الكلمات تجمدت في حلقه. لما رأى الضباط يدخلون سيارته ويستخرجون بيانات جهاز التتبع، أدرك أن نهايته قد بدأت للتو. لم يكن هناك دفاع يمكنه تقديمه، كل خطوة، كل انعطاف، كل دقيقة قضاها في ذلك الطريق المعزول، كل شيء مسجل بدقة تامة.
في المستشفى، كانت منى تنام بعمق لأول مرة منذ سنوات، تشعر بالأمان لأنها لم تعد وحدها. لم تدرِ كم مر من الوقت حتى استيقظت لتجد الشمس تدخل من شبابيك الغرفة، وسعد جالساً يقرأ شيئاً ما، وبجانبه حمدة التي جاءت باكراً لتطمئن عليها.
مرت الأيام التالية ببطء، كانت أيام علاج وتعافي جسدي، لكن الأهم من ذلك كانت رحلة تعافيها النفسي. بدأت تتحدث عما مر بها، عن الخۏف الذي عاشته في تلك الغابة، عن شعورها بالخېانة من الشخص الذي وعدها بالحماية. زارتها محامية متطوعة من منظمة حقوق المرأة، أخبرتها بحقوقها الكاملة، وأن القانون سيكون بجانبها،