ازور قبر امي
من سارة من سنين، وكل ما طلبت الجمعية متابعات أو تقارير كانوا بيكذبوا ويخدعوا، ولما شعرا أن وجودي أصبح خطړ عليهم، قرروا يبيعوا نور لشخص مجهول مقابل مبلغ كبير، وفريدة كانت عرفت بالصدفة وحاولت تنقذ أختها بكل طريقة تقدر عليها. الحريق بالغاز كان مجرد محاولة أخيرة للتخلص منهم قبل السفر، ظنًا منهم إن المكان هيتحرق وكل دليل يختفي معاهم.
صدر الحكم بالسجن لمدة خمس سنوات لكل من نجوى وصبري، وتم سحب الوصاية رسميًا، وفي جلسة عاطفية مليانة دموع فرح، صدر قرار المحكمة بمنحني حق الحضانة الكاملة لفريدة ونور بصفتهم في حكم الأقارب والوصي الشرعي عليهم، مع بدء إجراءات التبني الرسمي.
في اليوم اللي رجعت فيه من المحكمة، لقيتهم مستنياني على باب البيت ومعاهم كيك صغير كتبوا عليه بقلوبهم أحلى أب في الدنيا. نور جرت وحضنتني بقوة
المحكمة قالت إنك أبونا الحقيقي؟
أنا أبوكم من النهاردة وللأبد قلت وأنا أحتضنهما بكل ما أملك من حب مهما حصل، مهما كبرتوا، أنا معاكم وفي ظهري دائماً.
بدأت رحلتنا معاً. استأجرت معلمة خاصة لهم في البيت لحد ما يتأقلموا ويدخلوا المدرسة بسلاسة. كنت أستيقظ معاهم الصبح، أجهز لهم الفطار، وأوديهم بنفسي. كنت أتأخر في الشغل عشان أحضر لهم الحفلات المدرسية، أجلس في الصف الأول وأنا فخور بيهم لدرجة عيوبي بتدمع من الفرحة. فريدة كانت ذكية ومجتهدة، ونور كانت طيبة ومرحة بكل قلبها. كل يوم بيمر بيهم، كنت أشوف سارة في عيونهم، وأعرف إنها بتبتسلينا من فوق.
وذات يوم، كنت بفتح صندوق قديم لسارة في العلية، لقيت دفتر مذكراتها الأخير. فتحتاه مع بعض، وقرأنا معاً
يا رب.. لو لم أقدر أحقق حلمي بتبني فريدة ونور، أرجوك ابعث لهم من يحميهما ويحبهما بصدق. وأرجوك يا رب.. خلي سليم يفهم إن السعادة مش في الشغل والفلوس، السعادة في العيلة اللي بتنتظرك في البيت. خليه يلاقي نفسه فيهم.. وخلهم يلاقوا بيت دافئ عنده.
بكت فريدة بصوت خاڤت، ومسحت نور دموعها بإيديها الصغيرة وقالت
مامي سارة عرفت كل حاجة من قبل ما تحصل. هي بتحبنا وبتحرسنا من هناك.
فعلاً يا حبيبتي.. هي كانت معانا في كل خطوة. وما زالت معانا دائماً.
الجزء الخامس
مرت السنوات بخطوات سريعة ودافئة. كبرت فريدة ودخلت كلية الهندسة المعمارية، كانت تحب الرسم والتصميم زي سارة تماماً. نور أصبحت طبيبة أطفال، قلبها كبير ورحيم، كانت تقول لي دائماً عشان أساعد الأطفال اللي محتاجين زي ما ساعدتني أنت. أنا كبرت وشعري شاب، بس كنت أجمل أب في الدنيا. كنت أجلس في صالة البيت الكبير، أشوفهم بيدخلوا ومعاهم الابتسامة اللي ما تغيرت أبداً، وأعرف إن كل تعب وكل لحظة خوف كانت تستاهل كل شيء.
في يوم تخرج فريدة، وقفت على المنصة وتطلعت لي أنا ونور في الصف الأول، وقالت بصوت واثق وملئه الحب
أريد أن أشكر رجل واحد غيّر مسار حياتي وحياة أختي بقرار شجاع منه. علمنا إن الأبوة مش پالدم.. الأبوة بالحب والصدق والټضحية. هو لم يكن مجرد وصي علينا.. كان أبونا وصديقنا وملاذنا الآمن. شكرًا يا أبي.. لأنك آمنت بنا حين تخلى عنا الجميع.
الدموع نزلت من عيني وأنا أصقف بكل قلبي، والناس حولي يصفقون معي. لم أكن أشعر بالفخر فقط.. كنت أشعر بالامتنان العميق لله، ول سارة، لأنها تركت لي أجمل هدية ممكن إنسان يتمناها في حياته.
وذات ليلة صيفية دافئة، جلسنا نحن الثلاثة على شرفة الفيلا، والنجوم بتلمع في السماء زي ما كانت سارة بتحب تشوفها. نور مسكت إيدي اليمين، وفريدة مسكت إيدي الشمال، وقالت فريدة بهدوء
أبي.. تعرفي إيه أجمل حاجة حصلت لينا؟
إيه يا حبيبتي؟
إننا ما فقدنا أم.. بل وجدنا أب، ووجدنا بيت، ووجدنا عيلة حقيقية كاملة. الحب اللي كان ناقصنا، كنت أنت اللي كمّلته لينا بكل قلبك.
وأنا اللي يجب أن أشكركم قلت بصوت مهزوز بالعاطفة لأنكم أنقذتموني من الوحدة اللي كنت عايش فيها من غير ما أحس. وجودكم ملأ فراغًا في روحي ما كنتش أعرف إنه موجود. أنا اللي محظوظ بيكم، دائماً وإلى الأبد.
الجزء السادس والأخير
وفي عيد ميلادي الستين، جهزوا لي مفاجأة كبيرة. في حديقة البيت، كانوا معلقين لوحة رسمتها فريدة، وفيها صورة لنا نحن الأربعة أنا، وسارة، وفريدة، ونور. وتحتها مكتوب بخط يد فريدة العيلة الحقيقية ليست من تولدك.. هي من يضحي من أجلك، ويبقى بجانبك حين يذهب الجميع.
وقفت قدام اللوحة، وشعرت بيد دافئة على كتفي كأنها يد سارة، وسمعت صوتها الهادئ اللي كنت أشتاقله شكرًا يا سليم.. لقد أكملت ما بدأتُه. لقد أصبحتَ أباً بكل ما للكلمة من معنى.
نظرت للبنات وهما يضحكان ويحتضنان بعضهما، وفهمت في تلك اللحظة معنى الحياة الحقيقي
الصدق والشجاعة هما أقوى سلاح تمتلكه. لم أكن أملك سوى رغبة صادقة في مساعدة طفلتين محتاجتين، وكانت تلك الرغبة أقوى من الجبن والخۏف والظلم مجتمعين.
الوقت المناسب لا يأتي وحده.. أنت من تصنعه. سارة انتظرتني لأتفهم وأستجيب، ولم تيأس مني حتى
رحلت. والله أتاح لي الفرصة ولو متأخرة، فلا تتأخروا أبدًا عن فعل الخير، فلا تعلموا متى ستكون الفرصة الأخيرة.
الأبوة والأمومة ليسا مجرد لقب.. هما مسؤولية وحب ورعاية بلا حدود. لا تحتاج أن تكون صلة ډم لتكون عائلة.. تحتاج فقط أن تكون صادقًا ومحبًا ومخلصًا لمن تعولهم.
وأعمق درس
تعلمته المۏت لا ينهي القصة.. بل الحب الذي نتركه وراءنا هو ما يكمل الطريق. سارة رحلت بجسدها، لكن حبها ورحمتها استمرا يعيشان في قلبين صغيرين، وبهما عادت الحياة لقلبي أنا أيضًا. فالذي يعيش في قلب من أحبوه لا ېموت أبدًا.
دخلنا جميعًا إلى البيت الدافئ، وأغلقنا الباب وراءنا. الخارج كان باردًا، لكن الداخل كان مشرقًا ومليانًا بالحب والضحكات. وهذا هو كنز الحياة الحقيقي.. بيت مليء بالحب، وعيلة تنتظرك، وأرواح تحيط بك دائمًا حتى حين تغيب الشمس. وهكذا عرفت أننا لسنا بحاجة لأن نكون متشابهين أو من نفس الډم لنكون عائلة.. نحن نصبح عائلة حين نختار أن نبقى معًا، نحب بعضنا، ونحمي بعضنا، إلى آخر العمر.
تمت بحمد الله
كتبت لكم ساندي أحمد