اختفاء بنتي

لمحة نيوز

فضلت واقعة على ركبتي قدام الجراج، مش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
في البداية، عقلي رفض يفهم.
الجراج كان ضلمة، والنور الأصفر الضعيف اللي جاي من الممر كان داخل من فتحة الباب المرفوع، وكاشف شوية حاجات مرصوصة جوا.
صندوق خشب قديم.
شنطة سفر صغيرة.
كرسي أطفال.
و... صور.
صور كتير جدًا.
صور مطبوعة على ورق.
صور متعلقة بخيوط.
وصور محطوطة فوق بعضها.
مديت إيدي ببطء ناحية أول صورة وقعت عيني عليها.
وأول ما لمستها...
نفسي انقطع.
كانت صورة لسارة.
سارة وهي عندها تمان سنين.
نفس الفستان الأصفر اللي لبسته يوم اختفائها.
نفس الضفيرة اللي كنت أنا اللي عاملاها لها الصبح.
نفس الابتسامة.
لكن الصورة ما كانتش من ألبومنا.
أنا عارفة كل صور بنتي.
الصورة دي اتاخدت في الجنينة.
ومن زاوية مختلفة تمامًا.
يعني الشخص اللي صورها كان واقف بعيد.
يمكن ورا شجرة.
يمكن من الناحية التانية من السور.
قربت الصورة من وشي.
وقلبي بدأ يدق پعنف.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها بخط يد
آخر صورة ليها قبل ما تعرف الحقيقة.
رفعت عيني للجراج.
الحقيقة إيه؟
صوتي خرج ضعيف.
كأني بكلم حد موجود جوا.
لكن مافيش حد.
بدأت أفتش.
كل صندوق كنت بفتحه كان بيزود رعشتي.
في صندوق لقيت هدوم أطفال.
في صندوق تاني لقيت قصاصات جرائد قديمة.
وكان فيه عدد من مجلة أمريكية كان جوزي بيشتغل معاها وقتها.
فتحت واحدة من القصاصات.
كان فيه خبر صغير جدًا عن اختفاء طفلة أمريكية في القاهرة.
اسم سارة مكتوب بوضوح.
وتحته صورة بنتي.
لكن القصاصة كانت متقطعة من النص.
كان فيه جزء من الخبر ناقص.
فضلت أقلب في الصندوق لحد ما لقيت الجزء الناقص.
قريته.
مصادر محلية ترجح أن اختفاء الطفلة قد يكون مرتبطًا بحاډث آخر وقع في نفس المنطقة...
توقفت.
حاډث إيه؟
قلبت الورقة.
مالقيتش باقي الخبر.
وفجأة...
سمعت صوت عربية برا الجراج.
اټخضيت.
قفلت الصندوق بسرعة.
بصيت ناحية الباب.
العربية عدت من غير ما تقف.
استنيت ثواني.
وبعدين رجعت أفتش.
كنت عارفة إن لازم أمشي قبل ما حد ييجي.
لكن عيني وقعت على شنطة جلد صغيرة في آخر الجراج.
كان عليها اسم.
Sarah.
إيدي اتجمدت.
قربت منها.
فتحتها.
جواها كان فيه مشط صغير.
شريط شعر أزرق.
دمية صغيرة.
وصورة ليا أنا وسارة.
الصورة دي أنا متأكدة إنها كانت في بيتنا.
كانت محطوطة في إطار على الكومودينو.
يعني الشخص اللي جمع الحاجات دي كان عنده وصول لحاجاتنا.
لكن السؤال الأكبر كان
إزاي؟
فتحت الجيب الداخلي للشنطة.
لقيت ظرف بني.
جواه ورقة واحدة.
كتبت بخط واضح
لو وصلتِ للجراج، يبقى أخيرًا فهمتي إن سارة ما اختفتش.
اتسمرت مكاني.
قريت الجملة مرة واتنين.
ما اختفتش.
يعني إيه؟
يعني كانت عايشة؟
حاولت أتنفس.
يدي راحت على بقي.
وبدأت دموعي تنزل.
لكن قبل ما أكمل القراءة، سمعت صوتًا من خلفي.
كنت عارف إنك هتيجي.
صړخت.
لفيت بسرعة.
كان فيه راجل واقف عند مدخل الجراج.
راجل في أواخر الستينات تقريبًا.
لابس جاكت بني قديم.
وشه متعب.
وفي إيده عصاية.
بص لي بهدوء.
أنا رجعت لورا.
إنت مين؟
قال
اسمي جورج.
إنت اللي بعت البطاقة؟
هز راسه.
أيوه.
قربت منه.
سارة فين؟
سكت.
صړخت فيه
بنتي فين؟!
رفع عينه لي وقال
لو كنتِ عايزة تعرفي الحقيقة، لازم الأول تعرفي إن جوزك كان عارف أكتر مما قالك.
حسيت كأن حد ضړبني في صدري.
جوزي؟
أيوه.
جوزي اختفى معايا عشرين سنة وهو بيدور عليها!
لأ.
قالها بمنتهى الهدوء.
جوزك ماكانش بيدور عليها زي ما إنتِ فاكرة.
اتراجعت خطوة.
إنت بتتهمه بإيه؟
بص حوالين المكان.
مش هنا.
يبقى فين؟
في مكان تاني.
قول!
طلع من جيبه ظرف أبيض.
مده لي.
ده كان لازم يوصلك من عشرين سنة.
أخدته.
كان عليه اسمي.
إلى إليزابيث...
اسمي.
بخط مش مألوف.
فتحت الظرف.
جواه صفحة واحدة.
أول سطر خلاني أنسى إزاي أتنفس
أنا آسف، لكن لو رجعت سارة، حياتكم كلها هتنهار.
رفعت عيني لجورج.
مين كتب ده؟
قال
جوزك.
حسيت الأرض بتتحرك تحت رجلي.
مستحيل.
اقري للآخر.
قعدت على الكرسي الخشبي.
وبدأت أقرأ.
الرسالة كانت مكتوبة قبل اختفاء سارة بيومين.
جوزي كان بيقول فيها إنه اكتشف أثناء شغله الصحفي حاجة خطېرة جدًا.
شبكة كانت
بتزوّر أوراق سفر أطفال وتخرجهم من مصر بأسماء مختلفة.
وكان عنده دليل.
لكن قبل ما ينشر التحقيق، اتعرض للټهديد.
الرسالة كانت قصيرة.
لكن آخر جزء فيها كان واضحًا
لو حصل لسارة أي شيء، ما تثقيش في الشرطة المحلية، وما تروحيش للصحافة. الشخص اللي بيدور ورا الموضوع قريب مننا أكتر مما تتخيلي.
وقفت عن القراءة.
بصيت لجورج.
إنت كنت تعرف؟
قال
كنت أعرف جزء.
وجوزي؟
سكت.
هو اللي خبّاها.
شهقت.
إيه؟!
جوزك ماكانش عايز حد ياخدها.
خدها فين؟
بص لي للحظة طويلة.
وقال
اسمعيني كويس.
سارة كانت عايشة بعد اختفائها.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أنهار.
أنا حطيت إيدي على صدري.
عايشة؟
أيوه.
فين؟
قال
هنا.
بصيت له.
هنا في أمريكا؟
هز راسه.
أيوه.
وبعدين مد إيده ناحية صندوق صغير.
فتحه.
طلع منه دفتر قديم.
وقال
لكن سارة مش عارفة إنها سارة.
سكت العالم كله في رأسي.
يعني إيه؟
فتح الدفتر.
في أول صفحة كان مكتوب
اسمها الجديد مريم.
حدقت في الاسم.
مريم.
مين مريم؟
جورج قال
بنت صغيرة اتسلمت لعيلة أمريكية في نفس السنة اللي اختفت فيها سارة.
حسيت إن الډم انسحب من وشي.
يعني بنتي عاشت هنا؟
أيوه.
وأنا كنت بدور عليها في مصر!
لأن جوزك كان عايزك تفضلي مصدقة إنها اختفت هناك.
ليه؟
جورج بص لي بحزن.
لأنه كان خاېف إنك تعرفي الحقيقة.
وقبل ما أسأله، سمعنا صوت باب عربية بيتقفل.
جورج اتغير وشه فجأة.
قال
لازم تمشي دلوقتي.
لأ!
مسكت دراعه.
مش هتحرك خطوة قبل ما أعرف بنتي فين.
بص لي في عيني.
وقال
عندك عشرين دقيقة.
عشرين دقيقة لإيه؟
عشان تروحي للعنوان ده.
كتب عنوانًا على ورقة.
ولما بصيت عليه...
عرفت المكان.
كان مركزًا لرعاية المسنين.
مين هناك؟
قال
أبو سارة.
تجمدت.
أبو سارة ماټ من ست سنين.
هز رأسه.
مش جوزك.
وسكت لحظة.
أبوها الحقيقي.
قبل ما أقدر أتكلم، سمعنا صوت خطوات برا.
جورج قال
اجري!
خرجت من الجراج وأنا ماسكة الورقة.
ركبت عربيتي.
لكن قبل ما أدور المحرك...
بصيت في المراية.
وشفت عربية سوداء واقفة بعيد.
وشخص جوّاها بيراقبني.
ولأول مرة بعد عشرين سنة...
فهمت إن اختفاء سارة ماكانش لغزًا قديمًا.
كان سرًا لسه صاحي.
والسر ده...
كان مستعد ېقتل أي حد يحاول يفتحه.
طول الطريق وأنا بسوق وأنا مش حاسة بالطريق.
كل كلمة قالها جورج كانت بتتكرر في دماغي.
سارة كانت عايشة.
جوزك خبّاها.
أبوها الحقيقي.
كنت عايزة أوقف العربية وأنزل أصرخ.
إزاي؟
إزاي جوزي اللي قضى عشرين سنة بيبكي معايا على بنتنا...
يكون عارف إنها عايشة؟
وصلت لمركز رعاية المسنين.
دخلت بسرعة.
روحت للاستقبال وقلت الاسم اللي جورج كتبه.
الموظفة بصت لي على الورقة.
وبعدين بصت لي في وشي.
وشها اتغير.
قالت
حضرتك قريبة الأستاذ سامويل؟
هزيت رأسي.
آه.
كذبت.
ماكانش عندي وقت أشرح.
دخلتني غرفة في آخر الممر.
كان فيه راجل عجوز قاعد جنب الشباك.
شعره أبيض.
وشه نحيف.
ولما شافني...
اتجمد.
بص لي كأنه شاف شبح.
قلت
حضرتك تعرفني؟
ما ردش.
قربت.
اسمك سامويل؟
هز رأسه.
قلت
تعرف سارة؟
أول ما قلت الاسم، عينيه امتلأت بالدموع.
قال بصوت ضعيف
كنت مستني اليوم ده.
قعدت قدامه.
بنتي فين؟
قال
مش هنا.
عارف إنها عايشة؟
هز رأسه.
أيوه.
فين؟
سكت.
أرجوك.
بص لي وقال
جوزك ماكانش هو اللي خطڤ بنتك.
سكت.
هو كان بيحاول ينقذها.
حسيت إني فقدت القدرة على الفهم.
من مين؟
قال
مني.
اتراجعت.
إنت؟
هز رأسه.
أنا كنت جزء من المنظمة.
الكلمة نزلت عليّ كالصاعقة.
حكى لي إن قبل عشرين سنة كان فيه مجموعة من الأشخاص بتستغل عائلات أجنبية وأطفال أجانب عايشين في مصر.
لكن جوزي اكتشف الموضوع بالصدفة أثناء تحقيق صحفي.
والأسوأ...
إن سامويل كان واحدًا من الناس اللي بيوفروا أوراقًا مزورة.
في اليوم اللي اختفت فيه سارة، سامويل عرف إن التحقيق قرب يكشف الشبكة.
فأصدروا أمرًا بأخذ سارة كوسيلة ضغط.
لكن جوزي اكتشف الخطة قبل التنفيذ.
كان عنده وقت قليل جدًا، قال سامويل.
خد سارة؟
أيوه.
ووداها فين؟
لشخص يثق فيه.
مين؟
قال
جورج.
سكت.
فجأة كل
حاجة بدأت تركب.
جورج.
الجراج.
الصور.
الرسالة.
لكن لسه فيه سؤال واحد.
ليه ما رجعهاش لي؟
سامويل بص في الأرض.
لأنهم كانوا بيراقبوكم.
مين؟
الناس اللي كانوا عايزين التحقيق ېموت.
وإيه اللي حصل بعد كده؟
قال إن جوزي اضطر يختفي لفترة.
وكان فيه شخص ساعده في إخراج سارة من القاهرة بطريقة سرية.
سارة خرجت باسم مختلف.
وبعدها وصلت لأمريكا.
لكن الخطة ما كانتش مثالية.
لأن سارة كانت صغيرة.
ولو ظهرت فجأة، كان ممكن الناس اللي بيدوروا عليها يعرفوا مكانها.
فتم تسجيلها باسم جديد.
مريم.
وبعدها...
حصلت الکاړثة.
سألت
إيه الکاړثة؟
قال
جوزك ماټ.
اتجمدت.
إيه؟
ماټ من ستاشر سنة.
حدقت فيه.
مستحيل.
أنا عشت معاه بعدها!
هز رأسه.
الراجل اللي عاش معاكي بعد اختفاء سارة ماكانش الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه هو.
مافهمتش.
يعني
 

تم نسخ الرابط