الاكل المسموم1 حكايات مني السيد حصري
وصلني أقرب مستشفى ولك اللي تطلبه!
الراجل بص لمنظري، هدومي كلها طين ووشي متبهدل وشايلة عيلة بتفرفر وشفايفها بدأت تزرق بجد، اتخض ونزل فتح الباب اركبي يا أستاذة بسرعة! اركبي الله يسترها معاكي ومعانا!
طول الطريق لمستشفى الدفاع الجوي، وأنا قاعدة ورا حاضنة مريم، البنت نفسها بقى عامل زي صفارة خشنة، صدرها بيعلى ويهبط بسرعة چنونية، وعينيها بتتقلب لفوق. السواق كسر إشارتين وكان بيضرب كلاكسات كأنه سايق إسعاف، وأنا مش بنطق غير بكلمة واحدة عمالة أكررها پهستيريا يا رب.. يا رب بنتي.. يا رب خده هو واديني هي.. يا رب بنتي متحرمنيش منها.
وصلنا الطوارئ، السواق حتى مرضاش ياخد ولا مليم، قالي ادخلي ببنتك يا أختي، ربنا ينجيها، ده يوم ما يعلم بيه إلا ربنا.
دخلت أصرخ في الاستقبال دكتور! حساسية قشريات.. البنت پتتخنق!
التمريض جرى، نقلوها على ترولي في ثواني، ودخل دكتور شاب ودكتورة تانية.
ضغطها واطي جداً، التشبع بالأكسجين 82، جهزوا أمبول إبينفرين حالاً، وهاتوا كورتيزون وماسك أكسجين 10 لتر!
كنت واقفة على الباب، الممرضة منعتني أدخل. سندت ضهري على الحيطة البيضا الباردة، وبدأت أتسحب لتحت لغاية ما قعدت على السيراميك. بصيت على إيدي، الطين نشف عليها، وهدومي كانت بتنقط مية ۏسخة على أرضية المستشفى المعقمة. الناس اللي في الطوارئ بيبصوا عليا بقرف وشفقة، فاكريني متسولة مقطوعة جاية من الشارع.
محدش كان يتخيل إن المتسولة دي، هي سارة السيوفي، شريكة في تلت مصانع كابلات، وبنت عيلة السيوفي اللي كانت بتصرف على ممدوح وشركته من تحت لتحت من يوم ما دخل بيتهم بشحتفته وعينيه المکسورة.
طلعت التليفون من جيبي بمعجزة لقيته لسه شغال رغم المية.
لقيت مكالمتين فايتتين من طارق أخويا. ومكالمة من حمايا الله يرحمه في الجنة.. لا، دي كانت رسالة على الواتساب من رقم ممدوح.
فتحت الرسالة وصوابعي بتترعش من القهر إنتي اټجننتي يا سارة؟ إزاي تسبقينا وتنزلي قدام الناس وتصغريني؟ أمي ضغطها علي ودنيا قاعدة بټعيط في الصالون عندي في البيت عشان ابنها حس إنه مكسور ومنبوذ بسبب قلة ذوقك. وعربيتك دي إنتي ملكيش فيها مسمار خلاص، العربية دي داخلة في أصول الشركة اللي بينا، ولو فاكرة إنك هتلوي دراعي بطارق وأهلك، تبقي عبيطة. ارجعي اعتذري لأمي ودنيا وادخلي برجلك اليمين، وإلا والله العظيم ورقة طلاقك هتوصلك على بيت أبوكي ولبسك هيترمي في الشارع.
قريت الرسالة مرة.. واتنين.. وتلاتة.
ضحكت. ضحكت بصوت واطي وسط صوت أجهزة القلب وكلاكسات الإسعاف برة. الضحكة كانت مقسومة نصين نص ۏجع على السنين اللي ضاعت مع راجل رخيص، ونص غل هيحرق الأخضر واليابس.
دخلت الحمام بتاع المستشفى، غسلت وشي بمية حنفية متلجة، ربطت شعري المبلول لورا، وطلبت رقم طارق.
رد من أول رنة سارة! إنتي فين؟ كلمتك مرتين ماردتيش، ورسالتك بتاعة فحص الملف دي قلقتني.. في إيه؟ مال صوتك؟
طارق.. أنا في طوارئ المستشفى الجوي. مريم جالها أنسداد تنفسي بسبب حساسية الاستاكوزا.
طارق صوته اتحول في ثانية من القلق للڠضب المرعب إيه؟! إزاي؟! ممدوح فين؟! وأنا جاي حالاً، خمس دقايق وأكون عندك!
استنى يا طارق.. اسمعني الأول.
اسمع إيه وزفت إيه! بنتي وبنت أختي في الطوارئ وعايزاني أسمع؟!
طارق.. قولتلك اسمعني! صوتي طلع حاد لدرجة إنه سكت فجأة. ممدوح مش هنا. ممدوح هو اللي رمى المنديل في وشها بإيد ابن أخوه، وزقني في الطين قدام المطعم وسابنا ومشي
بالعربية المرسيدس بتاعتي، واخد معاه أمه ودنيا وابنها.
السماعة سكتت تماماً، مكنش طالع منها غير صوت نَفَس طارق وهو بيتقل وبيغلي. طارق هادي، وطبعه بارد في الشغل، بس لما بيقلب بيبقى بلدوزر مبيقفش.
هو عمل كدة؟ طارق سأل بصوت واطي ومخيف.
وعمل أكتر من كدة. طارق، أنت سألتني في رسالتي عن ملف القرض.. هو القرض ده وصل لفين عندك في البنك؟
اللجنة كانت هتعتمد الموافقة النهائية بكرة الصبح يا سارة.. عشرة مليون جنيه بضمان أصول الشركة وسندات لأمر، وكنت ممشيهاله خدمة ليكي عشان شركته متفلسش والعمال ميتشردوش، على أساس إنه جوز أختي.
ألغي القرض يا طارق.
سارة، مش بس هلغيه.. أنا هقلب عاليها واطيها على دماغه.
لا.. مش هتلغيه بمجرد الرفض العادي. أنا عايزاك ترفضه بسبب تزوير في الأوراق الرسمية.
طارق سكت لثواني، وبعدين حسيت بإنه قعد على مكتبه تزوير؟ إنتي عارفة حاجة أنا مش عارفها؟
ممدوح بقاله تلت سنين بيسحب من سيولة الشركة عشان يغطي مصاريف شقة التجمع التانية اللي ساكنة فيها دنيا.. ومقدم للبنك ميزانية مضړوبة مفيهاش السحوبات دي، ومسجل العربية المرسيدس بتاعتي كأصل من أصول شركته بتوكيل عام كنت عاملاهوله زمان وقت ما كنا بنخلص إجراءات جمركية.. التوكيل ده أنا لغيته في الشهر العقاري من شهرين لما شميت ريحة مش مظبوطة، وهو ميعرفش، واستخدمه في أوراق القرض عندكم.
طارق نفخ بقوة يعني مقدم للبنك مستند ملكية باطل وميزانية متلاعبة بتوقيع محاسب قانوني مشكوك فيه؟ دي قضية جنائية يا سارة، دي فيها سجن مش أقل من سبع سنين!
وده المطلوب. بس مش دلوقتي يا طارق.. عايزاه الصبح يروح البنك وهو لابس البدلة الكحلي الجديدة، ورافع مناخيره في السما، وفاكر نفسه خلاص حط رجله على أول طريق الملايين.. عايزاه يقع من سابع سما لسابع أرض.
أنا مسافة السكة وجايلك المستشفى.. متتحركيش من هناك.
قفلت مع طارق، وخرجت وقفت قدام أوضة مريم. الدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي، وشه كان مرهق بس ملامحه هديت
مدام سارة؟ الحمد لله، لحقناها في الوقت المناسب. أخدت حقنة الإبينفرين والأكسجين رجع لطبيعته، التورم اللي في الحنجرة بدأ ينزل.. بس لازم تفضل تحت الملاحظة هنا للصبح نتأكد إن مفيش رد فعل ارتدادي Biphasic reaction.
ركبي خارت، وسندت على الباب وغمضت عيني ينفع أدخلها يا دكتور؟
ينفع، بس هي نايمة دلوقتي من أثر المهدئ.
دخلت الأوضة. مريم كانت نايمة، وشها رجع لونه الطبيعي بس كان لسه شاحب، وكان فيه كانيولا في إيدها الصغيرة موصولة بمحلول. قعدت على الكرسي جنبها، مسكت إيدها التانية وبوستها، وحلفت في سري وحياة كل دمعة نزلت منك النهاردة يا بنتي، وحياة كسرة عينك على طبق اللحمة اللي استكتروه عليكي، لأخليهم يشتهوا رغيف العيش الحاف وميلاقوهوش.
الساعة كانت داخلة على اتنين بالليل لما طارق وصل.
دخل الأوضة بهيبته، لابس بالطو طويل ووشه زي الصوان. بص على مريم وباس جبينها بحنية، وبعدين بص على هدومي المليانة طين.
قلع البالطو بتاعه وحطه على كتافي حقك هيرجع يا سارة.. تالت ومتلت.
مش حقي لوحدي يا طارق.. حق كرامتنا كلنا. الراجل ده شافني ساكتة وصبورة افتكرني ضعيفة وماليش ضهر.
طارق طلع موبايله وحطه قدامي على الترابيزة من نص ساعة كلمت المستشار القانوني بتاع البنك، وفتحت السيستم من البيت وراجعت الورق اللي ممدوح رافعه. لقيت مصېبة تانية.
بصيتله باهتمام مصېبة إيه؟
ممدوح مش بس متلاعب في الميزانية عشان يخفي مصاريف شقة دنيا.. ممدوح كاتب الشقة دي تمليك باسم إياد، والواصي عليها هي دنيا، ودفع تمنها من شيكات باسم شركتك المشتركة معاه!
ضحكت بمرارة يعني
كان بيسرق أرباح تعبي وشقايا عشان يأمن مستقبل ابن أخوه ومراته؟
وأزيدك من الشعر بيت؟ طارق كمل وهو بيقرب خطوته عارفة التحويلات اللي كانت بتطلع من