كان فاضل 8دقايق

لمحة نيوز


دي كانت غريبة عليا تماماً.. نظرة راجل متعود يأمر ويطاع.
مفيش مخلوق هيقدر يشيل كرسي مكسور من المخبز دا، فاهمة؟
وإنت إيه اللي مخليك متأكد كدة وواثق في نفسك أوي؟!
بص تاني للاسم المكتوب على الإنذار اللي في إيده، وفي ثانيتين حسيت إنه خلاص هيفك اللغز ويقولي هو مين بالظبط.
بس اتنهد وقال بصوت واطي ومسموم
عشان محمود الهواري دا.. لسه عامل أكبر غلطة في حياته المهنية كلها.
الجزء الثاني
الكلمة طلعت من بقه تقيلة ورنت في سكات المخبز.. غلطة عمره.
كنت واقفة مشلولة، عيني رايحة جاية بين الورقة اللي اتكرمشت في إيده وبين وشه اللي اتبدل في ثواني من الراجل الهادي اللي بيضحك على رغيف محروق، لذئب متأهب ينهش.
بس وسط كل الرعب والوجع اللي كان كابس على نفسي عشان المخبز، كان فيه حاجة تانية غريبة بتحصل جوايا.. ضربات قلبي كانت عالية أوي، مش من الخوف بس، من قربه.
الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول التلات شهور اللي فاتوا طفحت على الوش في اللحظة دي. أنا مش بس اتعودت على وجوده.. أنا من أول ليلة دخل عليا فيها متلج، من أول ما عيني شافت عينيه التايهة وهو ساند على الكرسي وشفايفه زرقا، حسيت برعشة في روحي عمري ما جربتها في اتنين وتلاتين سنة عشتهم. كان فيه مغناطيس بيسحبني ليه، حاجة خلتني أفتحله وأدخله من غير ما أفكر، كأن قلبي كان عارفه من قبل ما عقلي يسأله إنت مين. ولما بص في عيني دلوقتي وقالي بصيلي يا ليلى، حسيت إن الدنيا كلها فضيت ومبقاش فاضل غير نفسه وهو طالع دافي في وشي.
حتى نظرته ليا مكنتش نظرة زبون لخبازة ولا شفقان على واحدة مهددة بالطرد.. كان فيها حماية راجل لست بتخصه، لمعة كدة خلت ضهري يتفرد غصب عني.
إيهاب حط إيده على كتفي بهدوء، لمسة خفيفة بس شالت نص الحمل اللي على صدري. اهدي.. خدي نفسك. أنا ماشي دلوقتي، ومش عايزك تفكري في حاجة غير إنك تدخلي تنامي. الصبح هتلاقيني هنا.
إيهاب.. إنت مخبي عليا إيه؟ إنت شغال إيه هناك بالظبط؟
بصلي بنظرة طويلة، كان فيها كلام كتير محبوس، وميل خفيف ناحيتي لدرجة شميت ريحة برفانه الراقي اللي حتى دقيق المخبز معرفش يداريها، وقال بصوت واطي حنين، نبرة غير اللي كان بيتكلم بيها من شوية هتعرفي كل حاجة في وقتها.. بس افتكري دايمًا، ستي وستك وصونا نساعد الأول ونسأل بعدين.. اديني نفس الفرصة، اثبتي وأنا في ضهرك.
سابني ومشي، وقفل الباب وراه وخرج في عتمة ليل المعادي. الليلة دي منمتش دقيقة، العجين اتخمر وأنا قاعدة قدامه شاردة، صورتها وصورته رايحين جايين قدام عيني.. ريحة السحلب في أول ليلة، ضحكته لما كان بيغسل الصواني، وفزعة قلبي من فكرة إنه ممكن يختفي في الهوا زي ما جه.
الساعة دقت سبعة الصبح، والشارع بدأ يصحى بالراحة.
المخبز كان مفتوح، ريحة الفينو والسمسم مالية الحارة، والأسطى شحاتة شغال ع الفرن مع العمال، بس وشوشهم
كانت مكسورة، الخبر كان اتسرب إننا بنقفل خلاص وإن الحيتان هيدوسوا علينا.
الساعة تسعة بالدقيقة، سمعت صوت كلاكسات عالية ومزعجة قطعت هدوء الشارع.
طلعت أبص من الفاترينة، لقيت عربيتين ميكروباص وراهم عربية جيب سودة فخمة وقفوا سادين الشارع كله. نزل من الميكروباصات حوالي عشر تمفار، أجسام عريضة ولابسين كابات وجواكت جينز، شكلهم بلطجية ومقاولين هدم من العيار التقيل، وفي إيديهم شوم وعِتل حديد.
من العربية الجيب، نزل راجل لابس بدلة كحلي ضيقة ونضارة شمس شالها أول ما حط رجله على الأرض، وكان ماسك سيجار ومحفظة جلد، دا محمود الهواري.. عرفته من صوته ومن الشياكة الكدابة اللي متغطية بقلة أصل.
دخل المخبز ودفع الباب برجله من غير حتى ما يستأذن، والرجالة بتوعه وقفوا سادين الباب من برة.
صباح الخير يا آنسة ليلى.. قولت أوفّر عليكي وجع القلب وأوفر على نفسي الأسبوعين، جيت بنفسي أتفرج على الخرابة اللي معطلة المشروع بتاعنا.
الدم غلي في عروقي، مسكت في حافة البنك الخشب وقولتله وصوتي طالع بالعافية من الغيظ الخرابة دي تسواك وتسوى شركتك! والمهلة القانونية لسه مخلصتش، إنت داخل هنا بصفتك إيه وبتتعدى على أكل عيشنا كدة ليه؟!
محمود ضحك ببرود وهو بيمشي صباعه على الفاترينة ويشوف الدقيق بقرف بصفتي المالك الجديد.. والمهلة دي بنديها للي نفهم معاهم، إنتي امبارح قفلتي في وشي السكة، فقولت أجي أعلمك الذوق.. شحاتة!
الأسطى شحاتة طلع من جوة ماسك المطرحة وإيده بتترعش نعم يا بيه؟
طفي الفرن دا يا حيلتها ولم عيالك، المحل دا هيتشمع بالشمع الأحمر دلوقتي، وحاجتكم هتنزل في مقلب زبالة.
الأسطى شحاتة صرخ بيوتنا مفتوحة هنا يا بيه، عيالنا ملهاش غير الست ليلى والفرن دا! حرام عليك هتشردنا!
محمود شاور بإيده من غير ما يبصله، دخل اتنين من الرجالة اللي معاه، واحد منهم زق الأسطى شحاتة وقعه في الأرض، ورفع عتلة حديد وضرب بيها فاترينة البسكوت الإزاز!
صوت تكسير الإزاز فزّع الشارع، وأنا صرخت ورجعت لورا والدموع بتنزل من القهر والعجز بتعملوا إيه يا ولاد الحرام! حد يطلب البوليس!
محمود قرب مني وابتسم ابتسامة صفرا، ووطى على ودني وقال البوليس لما ييجي هيلاقينا بنفذ قرار إخلاء صادر للشركة.. وفرّي صريخك يا حلوة، إنتي من النهاردة ملكيش مكان هنا.
ولسه بيمد إيده يمسك دراعي عشان يخرجني برة، وفجأة، حركة الهوا اتغيرت والباب اتفتح بقوة كأن قنبلة انفجرت.
شخص دخل زي الإعصار، مسك إيد محمود الهواري قبل ما تلمسني بسنتيمتر واحد، ولواها لورا ضهره بحركة سريعة ومحترفة خلت عضم كتف الهواري يطقطق!
الهواري صرخ من الوجع ونزل على ركبه آآآه! إيدي! مين ابن ال...؟!
مد إيدك عليها تاني.. وشوف أنا هعمل فيك إيه.
الصوت دا.. قلبي دق بعنف. إيهاب!
بس مكنش إيهاب بتاع المسا اللي بيشيل شوال الدقيق ويغسل الصواني. إيهاب كان لابس بدلة سودا تفصيل إيطالي تمنها يعدي مرتب المخبز في سنة، ساعته الرولكس بتلمع، وشعره متسرح بحدة، وعينيه كانت بتولع نار تخوف بجد. كان وراه تلات رجالة حراسة ضخام بالبدل السودا وسماعات في ودانهم، دخلوا في ثواني وثبتوا البلطجية اللي مع الهواري في الحيطة وكتفوهم من غير ما يدوا لحد فرصة يرمش.
محمود الهواري كان باصص للأرض وبيصرخ، بس لما رفع عينه وشاف مين اللي كاسر إيده، وشه بهت تماماً، التكبر والغرور طاروا، واستبدلهم رعب ميت. شفايفه بقت تترعش زي ما كانت شفايف إيهاب بتترعش من السقعة أول ليلة، بس المرة دي من الخوف إ.. إيهاب بيه؟! إيهاب بيه الشرقاوي؟!
إيهاب زقه برجليه رماه على الأرض جنب الإزاز المكسور، وطلع منديل قماش من جيبه ومسح إيده كأنه لمس حاجة نجسة، وبص للهواري من فوق لتحت باحتقار الهواري.
. صوتك كان عالي أوي وإنت بتهدد في التليفون امبارح، كرر كدة اللي قولته تاني عشان مسمعتش كويس؟
محمود كان بيبلع ريقه بصعوبة، بيحاول يقوم ومش قادر، ساند على الأرض والإزاز بيجرح إيده يا باشا.. إنت.. إنت بتعمل إيه هنا؟ أنا معرفش إن المكان دا يخص سيادتك! أنا كنت بنفذ تعليمات مجلس الإدارة بخصوص تطوير البلوك!
إيهاب نزل لمستواه، مسكه
 

تم نسخ الرابط