الام تاكل في صمت

لمحة نيوز


النسخة دي مش هي أخطر حاجة مخبياها عنه.
حكايات بسمة 
تسمرت عينا سامح على الورقة المحروقة من أطرافها. الكلمات المكتوبة بالخط الرقعي القديم كانت واضحة كالشمس وسط ظلام الأيام الأرض والبيت الكبير، وال 40 فدانًا المحيطة به في دائر البلد.. كلها ملك خالص لوالدته نوال بنت عبد الجواد، وِرقًا شرعيًا ومسجلاً عن والدها المرحوم، وليست ملكًا للحاج عزت الذي كان يتصرف فيها طوال أربعة عقود كأنه الآمر الناهي!
رفع سامح رأسه لأمه، وعيناه تفيضان بالذهول والحرقة
أمي.. الورقة دي بتقول إن البيت والأرض دول ملكك إنتِ! أبوي وعادل عايشين في خيرك، وفي الآخر يطعموكي بواقي الأكل ويرموكي في أوضة الخزين؟! ليه سكتِ كل السنين دي؟!
نوال ضمت العلبة الصفيح لصدرها، وجلست على طرف السرير الجديد، ودموعها تسيل في صمت حارق
سكت عشان أربيكم يا سامح.. عشان ما أهدش البيت فوق دماغكم وأخلي الناس تاكل وشنا. لما أبوك عرف قبل 25 سنة إن جِدك كتبلي كل حاجة بعقد بيع وشراء موثق عشان يحميني من طمع إخواتي، جاب الورق كله وولع فيه قدام عيني.. وقال لي لو تنطقي بكلمة، هرميكي في الشارع بدون عيالك! خفت عليكم يا ابني.. خفت يترمي بيا بعيد وما أعرفش أربيك أنت وأخوك!
مسح سامح على وجهه بقلة حيلة وقال بصوت مبحوح
طب وإيه أخطر حاجة مخبياها عنه يا أمي؟ إيه السر اللي خايفة منه كل السنين دي؟
نوال مدّت إيدها المرتعشة جوة العلبة الصفيح، وسحبت من تحت الجوابات الصفراء كيس قماش أزرق قديم، ملفوف بفتلة حبل ثقيلة. فتحت الكيس بالراحة، وطلعت منه دفتر صغير بغلاف جشبي قديم، ومعه مظروف أسود مغلق بالشمع الأحمر!
الدفتر ده يا سامح.. كان بتاع أبوك السرّي. نوال قالتها بصوت همس بيترعش أبوك وعادل ما كانوش بيصرفوا فلوسك على قمار ونساء وبس.. أبوك وعادل شغالين بقالهم 8 سنين في تجارة الآثار المهربة من المقابر الفرعونية اللي ورا المحافظة! والمحل اللي فتحه باسم روحية، ومزارع الديوك.. ما كانتش غير ستار لغسيل الملايين اللي بتدخلهم من الآثار!
سكتت نوال لحظة وبلعت ريقها، وأكملت بصوت يمزقه القهر
والأدهى والأمرّ يا ابني.. الفلوس ال 18 ألف اللي كنت بتبعثها كل شهر لعادل، ما كانش بياخدها لنفسه وبس.. كان بيسجلها في الدفتر ده على إنها حِصتك ومشاركتك إنت في تجارتهم الممنوعة! كانوا بيستخدموا اسمك وشركتك في القاهرة كواجهة لتصريح نقل البضائع ومواد البناء، عشان لو القضايا اتكشفت في يوم من الأيام.. التهمة تلبسك أنت، ويطلعوا هم زي الشعرة من العجين!
في اللحظة دي.. حس سامح إن سقف الأوضة انهار على رأسه!
جسمه اتخشب، وعينيه جمدت في مكانها. أبوه وأخوه الكبير مش بس استغلوه وسرقوه وحرموا أمه من أبسط حقوق الحياة والإنسانية.. دول كانوا بيبنوا مشنقته بإيديهم! كانوا بيجهزوا لي ترمية في السجن المؤبد أو الإعدام لو طالتهم أيدي العدالة!
وقف سامح في منتصف الأوضة الضيقة، وعيناه تحولتا إلى جمر اشتعال. الغضب اللي كان جواه تحول لجمود وصرامة كالصخر.
سحب الدفتر القديم والمظروف والمستند المحروق، وحطهم في جيبه الداخلي، ونزل على ركبتيه قدام أمه، ومسك إيديها الاثنين وقال بصرامة وشموخ
يا أمي.. حقك اللي أتاكل 40 سنة، وحقي اللي بغوا فيه.. هيرجعوا النهاردة. ومن اللحظة دي، مش هسمح لحيّ على وجه الأرض إنه يوطي راسك تاني!
نوال مسكت في دراعه بلهفة وخوف
يا ابني بلاش دم.. بلاش تودي نفسك في داهية عشانهم!
حقنا هيرجع بالقانون وبالأصول يا أمي.. والظالم لازم يشرب من نفس الكأس اللي أطعمك منه!
خرج سامح من الأوضة، والبيت كان ساكن.
سحب تليفونه، واتصل بفريق المشتريات والمحامين الخاص بشركته الكبيرة في القاهرة
الأستاذ طارق المتر يجهزلي فوراً أحكام وتكاليف إثبات الملكية والتزوير، ويتواصل مع المباحث العامة ومباحث الآثار بالمحافظة.. عندي ملف كامل لازم يتسلم الليلة!
وفي مساء نفس اليوم..
كان الحاج عزت قاعد في الصالة الكبيرة، حاطط رجل على رجل، وبيشرب الشاي المخصوص اللي طلب من الحاجة زينب تعمله. وقاعد جنبه ابنه عادل، بيلعب في مفاتيح عربيته الجديدة وبيضحك بصوت عالٍ وهو بيعد فلوس في محفظته.
دخل سامح الصالة بخطوات ثقيلة ورنانة، وساند أمه الحاجة نوال في إيده.
أمه كانت لابسة عباية نضيفة وراسها مرفوعة لأول مرة من سنين.
الحاج عزت بص لهم بقرف واستخفاف، وقال وهو بيبص لنوال
جرى إيه يا نوال؟ مالك ماشية تتمايلي كأنك ست البيت؟ اترزعي في المطبخ شوف شغلك ولا انزلي أوضتك!
عادل ضحك باستفزاز وقال
إيه يا سامح.. شكل الفلوس اللي بتجيبها نسيتك إن البيت ده له كبير، وإن أمك هنا ملهاش غير طاعتنا!
سامح ما ردش بكلمة.. قرب من السفرة الكبيرة، وسحب الكرسي الرئيسي اللي بيقعد عليه أبوه، وقعد عليه بثبات وجاهة، وحط أمه على الكرسي اللي جنبه!
عزت اتنفض من مكانه ووشه جاب ألوان
إنت تتجننت ياد؟! قاعِد على كرسيّ وبتجلس أمك جنبك؟! إنت نسيت نفسك ولا إيه؟!
سامح سحب من جيبه المستند المحروق، وحطه بثبات على الترابيزة قدام أبوه
البيت ده.. والأرض دي كلها.. مش ملكك يا حاج عزت. البيت ده ملك نوال عبد الجواد برسم العقد المسجل ده.. اللي إنت افتكرت إنك حرقته من 25 سنة!
عزت أول ما وقعت عينه على العقد والأختام، وشه اتصفر، ولسانه اتلجلج
إيه.. إيه
الورق المزور ده؟! الورق ده محروق من زمان!
المزور هو عمرك اللي قضيته بتظلم ست شريفة صانتك وعاشت خدامة تحت رجليك! صرخ سامح بصوت هز جدران البيت الفخم!
عادل قام وقف بغضب وجاي يهجم على سامح
إنت جاي تعمل علينا راجل في بيتنا يا سامح؟! انزل من هنا احسن لك بدل ما
وقبل ما عادل يكمل جملته..
سحب سامح الدفتر الأسود والمظروف، ورماهم بقوة في وش عادل!
الدفتر اتفتح وسقطت منه أوراق الحسابات السرية، وصور المقابر الفرعونية، وإيصالات التوريد المشبوهة المكتوبة بخط عادل وأبوه!
عادل اتجمد في مكانه كأنه اتكهرب، والمفاتيح وقعت من إيده على الأرض!
سامح بص لهم بابتسامة باردة كالثلج وقال
الدفتر ده.. فيه تفاصيل كل قطعة آثار بعتوها، وكل جنيه غسلتوه، والإيصالات المزورة اللي كنتوا بتسجلوها باسمي عشان ألبس أنا الجريمة لو اتكشفتوا! الدفتر ده دلوقتي نسخه الضوئية موجودة على مكتب مدير أمن المحافظة ورئيس مباحث الآثار!
عزت صرخ بلعثمة ورعب
إنت عملت إيه يا مجنون؟! إنت بتبلغ عن أبوك وأخوك؟!
أنا ببلغ عن عصابة حرمت أمي من اللقمة الشريفة.. ببلغ عن ناس رموا أكل أمي للكلاب وقالوا لها لو جعانة اشتغلي أكثر!
وفي تلك اللحظة بالضبط..
صوت سرينات الشرطة زأر في الشارع الخارجي للبيت!
انفتحت البوابة الحديدية بقوة، ودخلت قوة مكبرة من شرطة السياحة والآثار والأمن العام، بقيادة عميد المباحث ومعه أمر ضبط وإحضار عاجل!
دخل الضابط والأمناء الصالة، والأسلحة مسحوبة
الحاج عزت عبد الجواد.. والأستاذ عادل عزت.. مطلوب القبض عليكم بتهم الاتجار في الآثار المهربة، وغسيل الأموال، والتزوير، والاستيلاء على ملكية الغير!
عزت سقط على الكرسي بذهول ورعب، ودموعه نزلت من الخزي والعار قدام أهل البلد اللي تجمعوا قدام البيت. أما عادل، فبدأ يصرخ ويتوسل لسامح وهو بيتكلبش
سامح! الحقني يا أخويا! أرجوك اسحب البلاغ! والله العظيم كنت أعمى وبسمع كلام أبوي! سامحني عشان خاطر أمنا!
سامح بص لأخوه بنظرة قسوة وشموخ، وجذب أمه لصدنه وقال بصوت حاسم
أمي هي اللي سامحتكم سنين طويلة وإنتوا فطستوا قلبها.. ودلوقتي القانون هو اللي يتكلم!
تم اقتاد عزت وعادل في سيارات البوليس وسط ذهول وشماتة كل أهل القرية اللي كانوا عارفين ظلمهم وقسوتهم.
بعد أسبوعين..
تم التحفظ على كل أموال عزت وعادل والمحلات المشبوهة ومزارع الديوك لصالح القضايا والدولة، بينما تم إثبات ملكية البيت وال 40 فدان بالكامل لصالح الحاجة نوال بحكم قضائي بات.
سامح جاب أكبر شركة مقاولات في المحافظة، وجدد البيت الكبير بالكامل. تحول البيت لقصره الفاخر المليء بالأنوار والأشجار والحدائق.
وفي اليوم الأول بعد انتهاء التجديدات..
قعدت الحاجة نوال على رأس السفرة الكبيرة المذهبة في الصالة الرئيسية، ولابسة أرقى الثياب.
سامح قعد جنبه، والحاجة زينب الطباخة قعدت معاهم على نفس السفرة كواحدة من أهل البيت تكريمًا لموقفها وأمانتها.
سحب سامح أنضف طبق أكل، وحطه قدام أمه، وباس إيدها وراسها قدام الجميع وقال
بالهنا والشفا يا أمي.. البيت بيتك، والأكل أكلك، والراس مرفوعة ليوم الدين!
نوال بكت من الراحة والاطمئنان، وابتسمت ابتسامة دافية بعد سنين من العذاب، ومسكت إيد سامح وقالت
ربنا يبارك لي فيك يا ابني.. أنت اللي أطعمتني من بعد جوع، وأمّنتني من بعد خوف.
وأدرك سامح إن البر بالوالدين مش مجرد فلوس بتتبعت في جواب أو حساب بنكي.. البر الحقيقي هو الحماية، والتواجد، وأن تكون السيف والملاذ لأمك لما يجور عليها الزمن والناس!

 

تم نسخ الرابط