فرح سلفى
السطوح اللي اتفتح مطلعش منه بس سر سلفي... ده طلع وراه حساب طويل عريض لكل واحد ظلم وداس على غيره عشان يداري عيبه يتبع
حكايات مني السيد
الفصل الثالث والأخير
صوت الرزع على باب شقة حمايا كان بيرج جدران العمارة كلها، وكأن حيطان البيت نفسها كانت بتئن من الخزي والعار. أمين الشرطة كان واقف على السلم ماسك الدفتر وإيده على الحزام، وجنبه إخوات الست، اتنين صعايدة كبار بجلابيب سودا وعيونهم شرار، والست نفسها واقفة وراهم ضامة العيل في حضنها، باصة لباب الشقة بنظرة كفيلة تحرق الأخضر واليابس.
جوزي نزل يجري على السلم، وأنا وقفت على أول الدرج من فوق شقتي، باصة من بين درابزين الحديد، شايفة كل تفصيلة بتتسجل قدام عيني، وكأن الدنيا بتدور عشان تردلي حقي وحق كسرة بناتي تالت ومتلت.
الباب اتفتح ببطء، وظهر حمايا راجل عجوز مكسور الظهر، عينه مطفية وعكازه بيخبط في البلاط برعشة واضحة. وراه كان سلفي الصغير مستخبي زي الفار المبلول، وصفاء واقفة في الصالة تلطم على خدودها وهي بتصرخ بصوتها المشروخ يا ناس يا عالم، إحنا بيت محترم! عايزين مننا إيه في نصاص الليالي؟ الشرطة داخلة علينا ليه؟ هو مفيش حكومة في البلد دي تحمينا؟
أمين الشرطة زق الباب برجله ودخل من غير ما يديها أي اهتمام لسانك ده مسمعش صوته يا ولية أنتي. المحضر محطوط في القسم رسمي، حبس حرية مواطنة ورضيعها بدون وجه حق، وخطف، وتستر على جناية. أهو الباشا الصغير مطلوب، وأنتي مطلوبة جنبه بالاسم يا صفاء عبد المجيد!
صفاء رجعت لورا خطوتين ورجلها اتخبطت في الترابيزة، وشها قلب كلسون ميت أنا؟ أنا أتحبس؟ أنا كنت بصلح ما بينهم! دي هي اللي جات البيت تتبلى علينا، قولت أهديها وأقعدها تستريح فوق لحد ما نخلص الفرح ونتفاهم!
أخو الست، راجل أسمر وطويل، صوته جهور يهد الجبال، طلع قدامها وشاور عليها بصابعه تستريح؟ تقفلي على أختي وابنها بقفل مصدي في عز الحر والحرارة تطلع لربعين درجة، وترميلها كسرة عيش ومكرونة مسلوقة زي الكلاب عشان تداري على وساخة أخوكي؟ ده لولا إنها لقت سيخ حديد مركون في الركنة وكسرت بيه القفل ونزلت جرت تستنجد بينا، كان ابنها مات في كتمة النفس فوق السطوح! أنتي وحياتك عندي لتتربي في الحبس على اللي عملتيه!
سلفي كان واقف يبكي زي الأطفال، مسك إيد حمايا وقال برعشة يا بابا، متخليهمش ياخدوني، أنا معرفش حاجة! صفاء هي اللي قالتلي متقلقش، صفاء هي اللي قالتلي البت لو نزلت الفرح هتبوظ الصفقة والمقاول هيلغي المؤخر والشقة! أنا اسمع كلامها بس!
الكلب باع أخته في ثانية واحدة عشان ينجي برقبته. صفاء بصتله بنظرة مذهولة، الفك بتاعها سقط لتحت، دموعها نشفت فجأة من كتر الصدمة أنا يا محمود؟ أنا اللي كنت بفرشلك الأرض ورد وبدور على مصلحتك عشان تتجوز بنت المقاول ويبقى لك شأن وقيمة في وسط الناس؟ أنا اللي نزلت أخدم معاك من الفجر وأشيل الهم وأتحمل قرف البيت كله عشانك، تبيعني وتقول صفاء هي السبب؟
جوزي نزل وقف بينهم وحاول يهدي الدنيا، صوته كان بيرتعش من الحرج والخزي قدام أهل الحتة اللي بدأوا يتجمعوا على السلم ويتفرجوا من الشبابيك يا جماعة استهدوا بالله، كل حاجة هتتحل بالود، إحنا ولاد أصول والصلح خير، اقعدوا ونتفاهم في أي حق تطلبوه.
أخو الست بص لجوزي من فوق لتحت باحتقار ولاد أصول؟ فين الأصول دي يا بشمهندس؟ الأصول إن أخوك يكتب على أختنا رسمي في السر ويقعدها في شقة متسواش تلاتة جنيه، ولما ربنا يرزقه منها بعيل يرميها وينكر نسبه، ويروح يدور على بنت مقاول عشان قرشين وسخة؟ ولما تيجي تطلب ستر ابنها، أختك تحبسها فوق السطوح وسط الكراكيب؟ الأصول مش في لسانك، الأصول في المحكمة وفي القسم. يلا يا باشا قدامنا، أنتي وهو!
أمين الشرطة طلع الكلبشات من جيبه. اللحظة دي كانت زي الصاعقة على صفاء. الست اللي كانت طول عمرها بتمشي تدب في الأرض تطلع ريحة، الست اللي بتتحكم في مين ياكل ومين يجوع، ومين يطلع شقته ومين يقعد مذلول تحت، الكلبش اتقفل على معصمها، والطرف التاني اتقفل في إيد أخوها محمود.
صفاء صرخت صرخة مكتومة ووقعت على ركبها في أرض الصالة، عبايتها السودا اتمرغت في التراب، وفستان الفرح اللي كانت قالعاه ومرمي على الكنبة كان باين تحت رجليها كأنه كفن لكرامتها يا بابا! يا أحمد! الحقوني! هتحبس؟ أموت ولا أخش قسم، الناس تقول عليا إيه؟
حمايا ما نطقش ولا كلمة. الراجل كان واقف باصص في الأرض، دموعه نازلة على لحيته البيضا، مسك عكازه وضهره محني للأرض أكتر، كأنه عجز عشرين سنة فوق عمره في ليلة واحدة. شاور بإيده بضعف، إشارة معناها خدوهم، وخلصوني من العار ده.
جوزي حاول يمشي وراهم وهو بيشد قميصه، بس الست، مرات سلفي الشرعية، وقفت على أول السلم وبصت لفوق. عينيها جت في عيني مباشرة، وأنا واقفة في الضلمة قدام شقتي في الدور التالت. شاورت عليا بإيدها المرتعشة، ووجهت كلامها لجوزي وأمين الشرطة الست اللي واقفة فوق دي... هي الست الوحيدة الشريفة في البيت ده. الكل سكت، وجوزي رفع عينه ليا باستغراب. الست كملت وصوتها بيتقطع بالدموع أنا كنت بموت من العطش والجوع أنا وابني فوق السطوح، والهانم دي كانت قافلة علينا وسايبانا للحر، لحد ما لقيت أختك داخلة عليا بطبق مكرونة بايت، كانت سرقاه من مطبخ مراتك فوق بعد ما منعتها تطعم بناتها! صفاء قالتلي كلي أنتي وابنك واخرسي، ده اللي طلعنا بيه من مرات أخويا اللي كانت فاكرة نفسها هتاكل من دبيحة الفرح! أنا سمعت كل كلمة، وعرفت إن الست دي وبناتها اتظلموا زيي بالظبط عشان يداروا على وساختكم!
الكلام نزل زي مية النار على وش صفاء، اللي رفعت عينها ليا من تحت ودموعها مغرقة خدودها، عينها كانت مكسورة، ذليلة، مفهاش ذرة من الكبرياء الفارغ اللي وقفت بيه قدامي على السلم يوم الحنة وهي بتقولي مينفعش... وغيرك يبصلك.
أنا ما اتكلمتش. فضلت باصة لها من فوق، راسي مرفوعة، وإيدي ساندة على الدرابزين بثبات تام. كنت شيفاهم وهما بيجروها هي وأخوها على السلالم زي المجرمين، والناس في الشارع واقفة تتفرج، والهمس بقى زعيق وفضايح مالية الحتة. الجيران اللي كانوا من يومين بيباركوا وبياكلوا من دبيحة العجل الجاموسي، دلوقتي واقفين يشاوروا عليهم بالقرف والشامتين بيتكلموا في سيرتهم.
الساعة كانت داخلة على الفجر، والبيت بقى هادي هدوء مرعب، زي المقابر بعد ما الجنازة تنفض.
حمايا قفل باب شقته بالمفتاح، ودخل رمى نفسه على الكنبة في الضلمة ومرديش يكلم حد. وجوزي طلع السلم خطوة خطوة، رجليه بتسحب وراه بالعافية، كأنه شايل جبال الدنيا فوق كتافه. دخل شقتنا، كانت الصالة هادية، وبناتي ناموا من كتر التعب والخوف على الكنبة الصغيرة، متغطيين بكوبيرتا خفيفة.
جوزي قعد على الكرسي قصادي، حط إيده على وشه وقعد يعيط بكا مكتوم يقطع النياط. بيتنا اتخرب يا أم البنات... اتخرب واتفضحنا في المنطقة كلها. المقاول