أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي على الكل، ولما جه وقال لي إن في عريس متقدم
حياته، وأنتِ تفضلي تتألمي طول عمرك؟ العدالة لازم تكون كاملة. هو حرمكِ من سنين جميلة من حياتك، من ثقتك في الناس، من راحتك.. فكان لازم يدفع التمن باللي يقدر عليه. وكنت عارف إنه من يوم ما يعرف إنكِ أنتِ اللي اتجوزها، حياته هتتغير لجحيم ما يخلص أبداً.
بصيت للراجل اللي واقف قدامي، لابس بدلة أنيقة وشكله غني، بس عينيه مليانة دموع وندم حقيقي. قلت له ببطء اسمك كريم.. صح؟ كريم عبدالله؟ كنت قريت اسمك في الورق اللي جابه أبويا قبل كده، بس ما كنتش أعرف إنت مين بالحقيقة. كنت فاكرة إنك إنسان غريب طالب إيدي للجواز، ما كنتش أعرف إن حياتي كلها مرتبطة بيك من قبل ما أشوفك.
كريم هز راسه ببطء، ودمعه نزل على خده تاني أيوه.. أنا كريم. وما كانش ينبغي لي أبداً أكون في المكان ده. لما عمك.. أبوكِ جالي وعرض عليا الجواز منكِ، قلت له أنا موافق من غير ما أسأل عنكِ ولا أشوفكِ. كنت فاكر إن ده طريقة أقدر أعوض بيها عن ذنبي.. أخدمكِ طول عمرك وأكون لكِ خير زوج، وربما بعد سنين أنسى إني أنا السبب في جرحك. بس القدر كان أذكى مني.. وجمعنا على الحقيقة دي.
أبويا راح قعد على الكنبة القريبة، ومد إيده يشرب كوباية ماء، كأنه تعب كتير أنا ما كذبتش عليه في حاجة.. قلت له في بنت طيبة ومحتاجة لزوج يصونها، وقلت له الشرط إنه ما يشوفهاش غير بعد كتب الكتاب، ووافق من غير تردد. كان قلبه حاسس إنه مديون، وده اللي خلاني أضمن إنه ما هربش. كنت عاوزه هو يختار ده بكل إرادته، عشان الحساب يكون صحيح.
ساد الصمت في الأوضة، صمت تقيل مليان بالندم والخوف والدهشة. كنت حاسة إنني محتاجة وقت عشان أستوعب كل ده. سبع سنين وأنا أعيش وأحاول أتخطى الألم، وأكتشف إن الإنسان اللي غير مجرى حياتي واقف قدامي، وإن أبويا اللي خطط لكل ده من ورايا. بصيت لكريم كنت عايش في إيه طول السنين دي؟ تحبني؟ ولا كنت بس تحاول تطفي نار اللي في قلبك؟
كريم رفع عينه لي، وبص لي بصدق ووجع من يوم ما وافقت على الجواز وأنا بحاول أتخيلك.. كنت أقول لنفسي دي البنت اللي أذيتها، دي اللي لازم أكون ليها كل حاجة. وكل ما كنت أجهز الشقة وأشتري اللي محتاجاه، كنت بحس بفرحة غريبة ممزوجة بالخوف. ما كنتش أعرفكِ، بس كنت حاسس إن قلبي اتعلق بيكِ من غير ما أشوفكِ.. وكل ده عشان كنت عارف إني مديون لكِ بحياتي. ولما رفعت الطرحة وشفتكِ.. شفت الجرح ده.. حسيت إن الدنيا كلها ضاقت عليا. شفت نتيجة غلطتي قدامي عياناً بياناً.
أبويا اتكلم تاني بصوت هادي أنا ما جيتش هنا عشان أفرق بينكم ولا عشان آمركم بحاجة تانية. جيت عشان أقول لكم الحقيقة كاملة، وأسيبكم تختاروا مصيركم بنفسكم. يا بنتي.. بص لي تقدري تطلقيه النهاردة وتسيبيه وتعيشي حياتك، وأنا معاكي في أي قرار تاخديه. وأنت يا كريم.. بص له تقدر تسيبها وتسافر وتكمل حياتك زي ما كنت عاوز، ومحدش هيجبرك على حاجة. بس أنا عارف إنك لو سبتها، هتعيش بذنبها لآخر يوم في عمرك.
سكت شوية ثم كمل أنا انتقامي الحقيقي مش إني أجبركم على حاجة.. انتقامي الحقيقي إني خلّيتك تعرف الحقيقة، وسيبت الضمير يأكل فيك لوحدك. أما البنت دي فهي بنتي، وإن شاء الله مهما حصل هعيش معاها في عزة وكرامة.
خرج أبويا من الأوضة وساب الباب موارب شوية، وسابنا لوحدنا أنا وكريم. قعدنا جنب بعض على السرير، ما حدش فينا بيتكلم. كنت حاسة بالارتباك الشديد، وفي نفس الوقت كنت شايفة الندم الحقيقي في عينيه. بعد فترة طويلة قلت له أنا مش عاوزة أعيش مع إنسان شايفني عبء عليه أو ذنب لازم يتحمله. لو فضلنا مع بعض، لازم يكون بينا حاجة تانية غير الخوف والندم.
كريم مسك إيدي برفق كأنه خايف أتألم من مسه، وقال أنا مش شايفك عبء أبداً. أنا شايفك أمانة في رقبتي، وأغلى أمانة. مش هعدك إني هنسى اللي حصل، لأن ده مستحيل.. بس هعدك إني هحاول كل يوم أكون إنسان يستحق الثقة تاني. هعدك إني هصونك وأكرمك وأكون لكِ زوج صالح بكل ما أملك. والقرار في إيدكِ بالكامل.. لو قلتي لي امشي، هامشي من غير كلمة. ولو قلتي لي اكمل معاكِ، هكمل طول عمري.
بصيت ليه طويلاً، وفكرت في السنين اللي فاتت، وفي أبويا اللي عمل المستحيل عشان يصلح الغلط، وفي القدر اللي جمعنا بالطريقة دي. لمست علامة الجرح في جبهتي، اللي كانت تذكرني دايماً بيوم حزين.. بس ممكن تكون بداية لشيء جديد؟
هنكمل.. قلت ببطء بس هنبدأ من الصفر. مش هنعيش على الماضي، ولازم نحاول نبني مستقبل مع بعض بصدق.
كريم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة، وملامحه اتغيرت شوية، وكأن حمل تقيل اتنزل عن صدره شكراً.. شكراً من كل قلبي. وهعيش عمري كله عشان أثبت لكِ إن قرارك ده كان صحيح.
مرت الأيام والشهور، واتغيرت حياتنا كتير. كريم كان بجد يبذل كل جهده عشان يرضيني ويصونني. كان حنون، كريم، يخاف عليا كتير، وكل ما أشوف في عينيه نظرة الندم، أحاول أطفيها بكلام طيب وحنان. أخبرنا أبويا بقرارنا، وابتسم باطمئنان وقال العدالة اكتملت، والباقي على ربنا.
بعد سنة، كنا جالسّين مع بعض في شرفتنا نشرب شاي ونشوف الغروب، وقال لي كريم وهو بيمسك إيدي تعرفي.. كنت فاكرة إن الحياة انتهت يوم الحادثة. بس لما جمعني ربنا بيكِ، عرفت إن الحياة لسه بادئة. والذنب اللي كان في قلبي بدأ يخف شوية شوية بالحب والخير اللي بعتيه لي.
أنا بصيت له وابتسمت بكل قلبي وأنا كنت فاكرة إن الجرح ده هيفضل يألمني طول عمره. بس معاك، بدأ ينسى.
وبقينا مع بعض، نكمل رحلتنا، نداوي جروح الماضي بالحب والصدق، وعرفنا إن الغلط ممكن يصير، لكن التوبة الصادقة والخير ممكن يغيروا مجرى الحياة.. وإن أعظم عدالة هي اللي تيجي بالحب مش بالكراهية. والجرح اللي كان علامة ألم وذكرى حزينة، بقى علامة على بداية حياة جديدة، ورحمة من رب العالمين جمعت قلبين كانو محتاجين لبعض.