لو عايزه تمشي

لمحة نيوز


أتأكد من حاجة، حاجة كنت خايفة أصدقها من جوايا. تاني يوم الصبح، رحت على طول لمعمل تحاليل في الجيزة، وديعة العينة عندهم، وقلت لهم عايزة أعرف مكوناتها بالظبط.
الايام دي كانت أطول أيام حياتي. كل يوم كنت بصحى وأنا حاسة إن جسمي أضعف من اللي قبله، ودماغي مش معايا، وأحياناً كنت أنسى حاجات كنت عملتها من دقايق. سميحة كانت مستمرة في تقديم المشروب كل ليلة، وكنت كل مرة أتظاهر إني بشربه، وبعد ما تخرج أفرغه في الحوض ببطء، خايفة تكتشف.
في اليوم التالت، ردوا عليّ المعمل. كلموني وقالوا يا ست مريم، العينة دي مش مجرد أعشاب. فيها مواد مهدرة ومهدئة للأعصاب بكميات كبيرة، وبتتكرر كل فترة تسبب ضرر بالغ في الجهاز العصبي والهرمونات، وبتمنع الحمل بشكل قاطع.
الكلمات وقعت عليّ كالصاعقة. كنت واقفة في الشارع، والناس تمشي حوليا، وأنا مش حاسة بحاجة. هي كانت بتعمد تمنعني من الحمل؟ هي كانت بتعمد تضعفني عشان أبقى تحت أمرها طول الوقت؟ ليه؟ ليه تعمل كده؟ أنا عملتلها إيه؟
دموعي نزلت غصب عني، ووقفت في جانب من الشارع وأنا أبكي بكل قلبي. سنتين سنتين وأنا بشرب السم ده وهي بتقولي ده هيخليكي تخلفى. كانت بتخدعني، بتدمرني، وأنا كنت أصدقها كل مرة.
رجعت البيت وأنا عايزة أصرخ، عايزة أقول لأحمد كل حاجة. بس لما شفته جاي من الشغل، وجهه تعبان، عرفت إني لو قلت له دلوقتي، مش هيصدقني. هيقول أمي مستحيل تعمل كده، وكل حاجة هترجع عليّ أنا.
جلست في الأوضة وهو خارج يأكل مع أمه، وفكرت بكل هدوء. لازم أجمع دليل. لازم أكون متأكدة من كل حاجة قبل ما أتكلم. وقررت في تلك اللحظة إما أخرج من هنا بكرامتي، أو أموت وأنا بحاول.
الفصل الثاني الأسرار تظهر واحدة تانية
بعد أسبوع، كنت جاية من ورشتي الصغيرة في الوراق، وصلت البيت بدري شوية عن المعتاد. الباب كان مفتوح شوية، وسمعت صوت سميحة بتتكلم في التليفون، وصوتها عالي ومشغول، فخبيت ورا الباب وسمعت كل كلمة بتقولها.
أيوه يا سيدات، كل حاجة تمام. العلبة الأخيرة خلاص خلصتها، والجديدة جاهزة. البت لسه مش حاسة بحاجة، وكل يوم بتضعف أكتر. وأحمد ما يشك في حاجة خالص.
سكتت شوية، وبعدها كملت بضحكة شريرة
تقلقش. هي هتفضل كده طول ما أنا عايزة. وهتفضل خادمة عندي لحد ما أموت. ولو فكرت تمشي، هقول لأحمد إنها مجنونة، وإنها بتتكلم نفسها. وصدقني، هو هيصدقني، هو عمره ما كان بيصدقها.
قلبي اتجمد. معقولة؟ معقولة فيه ناس بتبقى قاسية للدرجة دي؟ وهي بتتكلم مع مين؟ ومنين بتجيب المواد دي؟
سمعتها بتكمل
وأما موضوع الورث، فخلاص قرب. أخويا جاي من السفر الأسبوع الجاي، وكل حاجة هتتسلم لنا. وأحمد مش هيعرف حاجة، لأنه مش هيعرف إن أبوه ساب وصية قبل ما يموت.
وصية؟ أنا كنت عارفة إن أبو أحمد مات من غير ما يكتب وصية، عشان كده كل حاجة رجعت لسميحة كزوجة، وابنها كان المفروض ياخد نصيبه. بس الكلام ده يثبت إن فيه حاجة غامضة، وإن فيه حاجة كبيرة بتخفى عن أحمد.
مشيت بهدوء ورجعت لورا، ودخلت البيت بعد دقايق كأنني جاية توا. سميحة كانت قاعدة قدام التليفزيون، ولما شافتني قالت بلهجة طبيعية تماماً كأنها ما قالتش حاجة
تأخرتي ليه؟ الغداء بارد من زمان.
بصيتلها بكل برود، وقولت
كان فيه مشوار ضروري. المرة الجاية ما تنتظرينيش.
بصتلي بدهشة، كأنها لسة أول مرة تشوفني بهالشكل، وما ردتش عليا كلمة.
تلك الليلة، قررت أبحث في كل ركن في البيت. لو فيه وصية، فأكيد هي مخباه في مكان ما. انتظرت لحد ما كلهم ناموا، وبدأت أبحث في دولاب ملابسها، تحت السرير، في الأدراج القديمة. لحد ما وصلت لصندوق خشبي قديم فوق الدولاب، كان مغلق بقفل صغير. كسرت القفل بحرص، وفتحت الصندوق.
داخل الصندوق كانت أوراق قديمة، وكنت أول ما شفت ورقة مكتوبة بخط أبو أحمد، اللي كنت شايفاه مرة قبل ما يموت. كانت وصية حقيقية، موثقة بتاريخ قبل وفاته بشهرين. كاتب فيها أنا أورث كل ما أملك لابني أحمد، وكل ما في البيت والأراضي والفلوس تكون باسمه، وأمه تعيش معاه بكرامة طول ما هي عايزة، بس ما تملكش في حاجة منها.
كانت الصدمة كبيرة. يعني سميحة ما كانتش تملك حاجة من الأساس! كل حاجة كانت ل أحمد، وهي كانت بتسيطر على كل حاجة بالكذب والتلاعب. وكل الكلام اللي كانت بتقوله إن البيت بيتي والفلوس فلوسي كان كذب كله.
ووسط الأوراق، لقيت ورقة تانية، قديمة شوية، عبارة عن إيصال دفع من صيدلية، مكتوب عليه اسم سميحة، واسم الدواء، وهو نفس المادة اللي طلعت في تحليلي. يعني كل حاجة كانت متخططة من زمان، من أول ما نقلنا نعيش عندها.
خبّيت الأوراق في حقيبة يدي، وقفلت الصندوق ورجعت لمكانه بالظبط زي ما كان. جسمي كله بيرتعش من الغضب. هي خدعت أحمد، خدعتني، وسرقت حق ابنها كل ده سنين. وكل ده عشان السيطرة والمال، مش أكتر.
الفصل الثالث المواجهة
قررت أواجهها في الصباح التالي. استنيت لحد ما أحمد راح الشغل، وكنت واقفة في الصالة، والأوراق في إيدي. لما نزلت سميحة، شافتني واقفة كده وقالت
مالك واقفة كده ليه؟ مش هتعملي الفطار؟
رفعت الأوراق في إيدي وقولت بصوت واضح وقوي
الفطار مش مهم دلوقتي. ده اللي مهم.
بصت على الأوراق في إيدي، وتغير لون وشها فجأة، وقربت خطوة وقالت
مين قالك تفتشي حاجاتي؟ ارجعيهم مكانهم دلوقتي!
لأ قلتها بكل صمود مش هرجعهم. عرفت كل حاجة يا سميحة. عرفت إنك بتدسّي لي مواد تمنع الحمل وتضعفني كل ليلة. وعرفت إن الوصية دي موجودة، وإن كل حاجة في البيت والمال والأراضي ل أحمد، مش ليكِ. وإنك كنتِ بتخدعيه كل السنين دي.
وجهها اتغير للون الأحمر الغامق، وصرخت فيا
أنتِ مجنونة! أنا أمّه، وأنا اللي ربيته، وحقيقي كل حاجة لي!
حقيقي؟ قولتها وأنا بفتح الورقة التانية فإيه سبب وجود ورقة الصيدلية دي؟ نفس المادة اللي في العينة اللي بعتها للمعمل. إنتِ كنتِ بتدمرني عشان أبقى ضعيفة ومش أقدر أتكلم، وعشان ما أخلفش عشان يبقى كل الحق ليكِ ولأخوكِ، صح؟
سكتت، وبدأت تتراجع لورا، وعيناها بتدور في الحيطان كأنها بتدور على مخرج.
أنتِ مش عارفة حاجة قالت بصوت مهتز أنا عملت كده عشان مصلحة أحمد! ما كانش محتاج زوجة ضعيفة ومش قادرة تخدمه!
مصلحته؟ صرخت عليها لأول مرة تدميري وتخدعيه وتسرقي حقّه ده مصلحته؟ إنتِ ما بتحبيهش، بتحبي الفلوس والسلطة بس!
في تلك اللحظة، فُتح الباب. ودخل أحمد. كان واقفاً على الباب، وشكله سمع كل كلامنا. بص ليا، وبص لأمه، وقال بصوت متقطع
إيه اللي بيحصل هنا؟ إيه الأوراق دي؟
سميحة ركضت نحوه ومسكت إيده وقالت بدموع تمسحها بسرعة
يا ولدي، البت دي مجنونة! بتفتش في أغراضي وبتقول عليّ كلام مش صحيح! بتقول إني عملت لها حاجة، وأنا ما عملتش غير إني كنت أخدمها زي بنتي!
أحمد بصلي، وعيناه مليانة شك، وقال
صدقها يا مريم؟ بتقولي على أمي كده؟
قلت بكل هدوء، وأنا مديلة الأوراق
اقرأ بنفسك يا أحمد. دي وصية أبوكي، ودي ورقة الصيدلية، ودي نتيجة
 

تم نسخ الرابط