جوزي عايرني ادام اهله

لمحة نيوز

 

​رديت عليها بصوت بطيء وواضح:

​"قسط الشقة بتاعة الشهر ده كان 25 ألف، وأنا لسة محولاه."

​"مصاريف البيت الـ 10 آلاف، أنا اللي دفعتها."

​"الشهر اللي فات الفحوصات والتحاليل بتاعتكم كلفة أكتر من 30 ألف، وأنا اللي سددتها بالكامل."

​"أنا مش ماكينة ATM متحركة!"

​"حازم" اتكلم بسرعة وضحك بسخرية:

​"وهو حد كان ضربك على إيدك؟"

​"أنتِ اللي كنتِ بتجري وتدفعي بمزاجك."

​"وجاية دلوقتي تذلينا وتعدي علينا الخير اللي عملتيه؟"

​في اللحظة دي، حسيت بنغزة وثلج نزل على قلبي.

​صح.

​ما حدش رفع عليا سلاح ولا أجبرني.

​أنا اللي كنت هبلة وبقدم الخير بنفسي.

​كانوا بيحتاجوا.

​أنا كنت بسد.

​كانوا بيتمنوا.

​أنا كنت بملي إيديهم.

​ومع الوقت…

​عاملوا الفضل ده على إنه حق مكتسب وواجب عليا.

​في نظر عيلة "حازم".

​أنا عمري ما كنت كنة أو زوجة مصونة.

​أنا بالنسبة لهم كنت مجرد ماكينة ATM بتطلع فلوس!

 

 

​الفصل الثاني والأخير

​وقفت في نص الصالة، بصيت لهم واحد واحد. "حازم" اللي عينيه مليانة طمع وقسوة، وحماتي اللي ورا وشها الطيب حية بتبخ سمها، وحتى "كريم" اللي كان واقف يستخبى ورا أمه ومستني الـ 500 ألف تنزل عليه من السماء.

​طأطأت رأسي وابتسمت.. بس المرة دي الابتسامة ما كانش فيها أي انكسار. كانت ابتسامة حد أخيرًا فاق من غيبوبته.

​"صح يا حازم.. محدش ضربني على إيدي. وأنا من النهاردة مش هضرب نفسي على إيدي تاني."

​سحبت شنطتي من على الكنبة، وبمنتهى الهدوء مشيت ناحية الباب.

​صرخ حازم ورايا: "أنتِ رايحة فين في ليلة زي دي؟ أقسم بالله لو مشيتي ما أنتِ داخلة البيت ده تاني!"

​لتفتت له عند الباب وقلتله ببرود: "البيت ده أنا اللي دفعة مقدمه، وأنا اللي بمتلك نصفه المكتوب باسمي.. بس تقدر تخليهولك الكام يوم دول، شبعوا بيه."

​مشيت وسبتهم في ذهولهم.

​صباح اليوم التالي، ما ضيعتش دقيقة.

​أول حاجة عملتها، كلمت المحامي بتاعي. وفي خلال ساعتين، كانت إجراءات فصل الذمة المالية والممتلكات بدأت.

  1. ​إيقاف الحساب المباشر: غيرت حساب البنك اللي بتنزل عليه إيجارات الـ 25 شقة، ولغيت كارت الفيزا الإضافي اللي كان مع حازم بيسحب منه براحته.
  2. ​سداد الأقساط: بعت جواب رسمي لحازم إني من الشهر ده هسدد نُص قسط الشقة والعربية فقط (الجزء الخاص بيا قانونًا)، وهو يشيل النص التاني.
  3. ​إلغاء التوكيلات: لغيت أي توكيل إداري كنت عملته له زمان في إدارة العقارات.

​أما بالنسبة لرحلة أوروبا اللي كانت بـ 200 ألف جنيه؟ استرديت فلوس التذاكر والفنادق بالكامل لحسابي، ولغيت الحجز.

​وفي نفس اليوم، كتبت للشركات اللي بصلح معاهم السباكة والكهرباء في العمارات: "أي طلب صيانة ييجي من الأستاذ حازم غير معتمد، التعامل معايا أنا شخصيًا."

​عدى أول أسبوع.. وحازم وعيلته فاكرين إني بتمطوح وبأدبهم يومين وهرجع أعيط وأبوس الإيدين.

​بس الصدمة نزلت عليهم مع بداية الشهر الجديد.

​فجأة، جيه وقت دفع الأقساط. البنك سحب نص القسط من حسابي، ونص حازم اترفض لعدم وجود رصيد كافي! البنك بدأ يبعتله إنذارات بالسداد وتراكم الفوائد.

​فاتورة الكهربا والنور والغاز بتاعة الشقة نزلت.. محدش دفعها، النور اتقطع عنهم.

​حماتي راحت المستشفى تعمل الفحوصات الدورية، جُم يدفعوا بالفيزا اللي معاهم، لقوا الكارت "ملغي"! اضطر حازم يدفع من مرزقه الخاص أكتر من 15 ألف جنيه كانت حيلته كلها في البنك.

​أما "كريم" الشاب الخايب، فقعد يزن على دماغ حازم عشان الـ 500 ألف بتوع الشركة، وحازم ما حيلتوش يكمل بقية الشهر!

​بدأت المشاكل تولع بين حازم وأهله. لأول مرة، حازم يصرخ في وش أمه وأخوه: "أجيب لكم منين؟! أنا مرتبي كله بيروح في قسط العربية وقسط الشقة اللي البنك هيرفع علينا قضايا بسببهم!"

​ردت عليه أمه بغل: "ما تشوف زفتة مرتك! اتصرف معاها، هو أنت مش راجل ولا إيه؟!"

​بعد شهرين بالظبط.

​كنت قاعدة في الكافيه القريب من الكلية المفتوحة بعد ما خلصت محاورة الماجستير بتاعي. مرتاحة، بالي رايق، وبشرتي رجع فيها الروح بعد ما اتخلصت من الهم والحرقة.

​وفجأة.. ظهر حازم.

​كان شكله متبهدل، وشة شاحب، وتحت عينيه أسود، ولابث قميص مش متكوي.

​قعد قدامي من غير ما أستأذن، وصوته كان مكسور تمامًا:

"نورهان.. خلاص بقى، كفاية لحد كده."

​بصيت له وأنا بشرب القهوة ببرود: "خير يا حازم؟"

​قال بصوت بيترعش: "البيت هيتخرب.. البنك هيحجز على العربية، والقسط التاني بتاع الشقة متأخر عليه فوائد. وأمي تعبانة ومش عارفين نجيب علاجها.. وكريم كل يوم خناق معايا."

​ابتسمت: "ومطلوب مني إيه؟ مش أنا واحدة خايبة وعالة وما حيلتيش غير إني بلم الإيجارات؟ أهو سيبتلك البيت والمصاريف عشان تثبت للناس إنك السند والراجل اللي شايل كل حاجة."

​نزل رأسه في الأرض وقال وهو هيعيط: "أنا غلطت.. كنت أعمى. أنا عرفت قيمتك لما شيلت الحمل لوحدي شهرين اثنين بس.. أنا أكتشفت إن مرتباتي كلها ما بتكفيش نص مصاريفنا اللي كنتِ بتدفعيها وأنتِ ساكتة من غير ما تحسسيني بنقص."

​اتنهدت وقلتله: "أنت ما عرفتش قيمتي يا حازم.. أنت عرفت قيمة فلوسي. أنت زعلان عشان الـ 120 ألف اللي كانوا بينزلوا في جيبك كل شهر اتمنعوا، مش عشاني أنا."

​رفع راسه بلهفة: "والله لأ.. نرجع ونبدأ من جديد، وأنا مش هتدخل في إيجاراتك تاني، ولا هطلب منك مليم لأهلي!"

​طلعت من شنطتي ورقة ورقيتها قدامه على الطاولة.

​ورقة دعوى طلاق للضرر.. مع إنذار برفع قضية تمكين وبيع الشقة بالمزاد العلني لفض الشركة بيننا.

​"ده المحامي بتاعي هيقدمه بكرة للمحكمة."

​اتصدم وبصلي بذهول: "طلاق؟! عشان أسبوعين زعل؟"

​"لا يا حازم.. مش عشان أسبوعين زعل. عشان عشر سنين أنا كنت فيها بالنسبة لك مجرد ماكينة فلوس وخدامة بيتقال عليها خايبة.. ولما حبيت أفسح أهلك وأفرحك، رزعتم كرامتي في الأرض."

​قمت وقفت، لبست نظارتي الشمسية، وبصيت له للمرة الأخيرة:

"الخايبة اللي ما بتعرفش تعمل حاجة.. عرفت تأدبكم كلكم، وتعرفكم حجمكم الحقيقي."

​سبته قاعد مصدوم، وخرجت للشمس.. لأول مرة من سنين، أحس إني بتنفس حرية ونقاء من غير أي استغلال.

تم نسخ الرابط