بنتي اتجوزت بعيد عني
ياخد البلطة ويخليها معاه بس محدش يشوفها، والفراخ والحمام خلّيهم في العربية، مش وقتهم دلوقتي.
دقيت على الباب بقوة، وعدت دقائق لحد ما فتح لنا خادم عجوز، بص لنا بدهشة وقال مين انتوا؟ وإيه عايزين؟
قلتله بلهجة واضحة أنا والدة السيدة مريم، وجيت أزور بنتي. بلغ الأهل إننا هنا.
الخادم تغير لونه، وقال السيدة مريم نايمة، ومش بتستقبل حد الصبح ده. تعالوا بكره إن شاء الله.
أنا خطوت لقدام شوية، وقلتله بعصبية أنا مسافرة من طنطا لحد هنا، ومش جاية عشان أستنى لبكره. إما تبلغهم، أو أدخل أنا بنفسي أطرق الباب على كل أوض البيت.
في اللحظة دي، طلع مدحت من جوه، لسه لابس جلابيته، وشافنا فاتلاشى لونه، وبص بدهشة ومحا يخفي خوفه يا أمي! يا سلام! جيتوا امتى؟ ومقولتوش لنا عشان نستقبلكم ونجهز لكم الواجب!
أنا بصيتله بنظرة مليئة غضب وكره، وقلتله ببرود جينا في الليل يا مدحت، ومش قلتلك عشان المفاجأة.. كنت عايزة أشوف بنتي زي ما هي، من غير ما تتجهز وتتكلم كلام معين. فين مريم؟
مدحت ابتسم بتصنع وقال هي بخير يا أمي، بس تعبانة شوية من الحمل، فنامت بدري ولسه صاحية. تعالوا نتفضلوا جوه نشرب قهوة، وهي هتصحى وتجيلكم حالاً.
أحمد كان ماسك غضبه بصعوبة، وقال مش عايزين قهوة ولا حاجة.. عايزين نشوف أختنا الحين. ولا هي ممنوعة تطلع لنا؟
مدحت شعر بالتهديد، فغير نبرته وقال بحدة أنا جوزها، واللي بقوله هو اللي ينفذ. وهي في بيت أهل جوزها، والقوانين والعادات هنا كلامها مسموع. استنوا شوية عشان تتفضلوا بالحضور عليها.
أنا ما صبرتش، دفعت الباب ودخلت جوه الحوش، وأحمد كان معايا، ومدحت كان بيحاول يمنعنا بس قدرنا نعديه. كنت بنادي بصوت عالي مريم.. يا بنتي.. أنا ماما جيت لكِ.. ردي عليا يا حبيبة قلبي!
سمعت صوت خافت من فوق السطوح، صوت ضعيف مكتوم ماما.. أنا هنا..
عرفت صوتها فوراً، وطلعت السلالم جري، وأحمد معايا، ومدحت كان جري ورانا بينادينا نوقف. وصلنا للدور الأعلى، ولقينا مريم قاعدة على الأرض جنب باب مغلق، وملابسها ممزقة شوية، ووشها علامات تعب وآثار كدمات خفيفة، ومش قادرة تقف من مكانها.
لما شافتني، صرخت وبكت وقامت تحاول تجري لي، بس وقعت من طولها. ركضت لها وضممتها لصدري، وبكيت بصوت عالي وأنا بحس بجسمها الضعيف والهزيل، وقلتلها أنا جيت يا روحي.. أنا جيت، ولا يهمك حاجة، ماما معاكِ دلوقتي.
أحمد كان واقف جنبنا وعينه بتطالع شرار، ومدحت كان واقف بعيد ومش عارف يعمل إيه، وفجأة طلع أبو مدحت ورجال تانيين من جوه البيت، وقعدوا يصيحوا ويقولوا إننا دخلنا بيوتهم من غير إذن، وإن ده مش عدل.
مريم كانت بتترجف في حضني، وقالتلي بصوت مكتوم يا ماما.. هو كان بيضربني.. بيهددني يقتل البيبي اللي في بطني لو قلتلك حاجة.. كان بيقول لو حستي بحاجة وجيتي، هيكون مصيري أسوأ.. وكان بيجعلني أتكلم معاكِ وأنا خايفة، وآخر مرة غير صورتي بالبرنامج عشان لو شفتي إنني مجروحة متشكوش.. كل ده عمله عشان ما أطلب مساعدة من حد..
كلامها كان نار بتحرق في قلبي، وبصيت لأبو مدحت وقلتله بصوت عالي سمعه كل الحاضرين أنت بتقول عادات وأصول؟ العادات والأصول تكرم الضيف وتحترم البنت اللي أمنتكم عليها، مش تضربوها وتمنعوها من أهلها وتخدعوها! أنا سلمتلكم أغلى ما أملك، وكنت قايلة إنكم ناس أصول، وطلعتوا عكس كدة تماماً!
أبو مدحت حاول يبرر يا ست الكل، ده بيتها وجوزها، وكل زوج بيتخانق مع زوجته، وبيصلحوا بينهم. مدحت بيحبها ومش بيضربها إلا لما تغلط.
رديت عليه بكل قوة أي غلط ده اللي بيجوز الضرب والتهديد؟ البنت عندكم أمانة، ولو مش عارفين تحافظوا عليها، كنتوا رجعوها لي بدل ما تعملوا فيها كدة! هي حامل، وربنا سبحانه وتعالى أمر بالرفق بالقوم، فما بالكم ببنت وحيدة غريبة بينكم؟
أحمد تدخل وقال سمعتوا كلام أختي؟ هي بتقول إنكم بتضربوها وبتخدعوها، وعايزين نرجعها معانا طالما هي كدة. وهي اللي عايزة تيجي معانا، ولا حد يقدر يمنعها حقها في الاختيار.
مدحت تقدم وقال بعصبية مش هتخرج من هنا إلا بجوزي! هي مرتي، ومش هسمحلها تروح وتقول كلام غلط كدة عشان تفرق بيني وبينها!
في اللحظة دي، مريم رفعت راسها وقالت بصوت عالي واضح لا.. أنا مش عايزة أفضلك.. أنا خايفة منك ومن أهلك.. أنا عايزة أروح مع ماما وأخويا.. كفاية اللي شفته هنا.. كنت بتحبني ولا بتحب بس تتحكم فيا؟ كنت تقولي إنك هتجيبلي كل حاجة، وطلعت بتمنعني حتى أكلم أمي بحرية.. كنت بتقول إن أهلك طيبين، وطلعوا ساكتين على ظلمك لي.. أنا مش هكمل معاكِ حياة زي دي أبداً.
الرجال وقفوا متحيرين، لأنهم سمعوا شكوى البنت بنفسها، وشافوا حالتها بعينهم، وما عادش ينفع ينكروا حاجة. أنا قلت لهم أنا مش جاية أتخاصم معاكم ولا أجيب مشاكل، بس جاية آخذ بنتي، وإن شاء الله هنتواصل معاكم عن طريق المحامين والقانون في باقي الأمور. وحق مريم وبيبيها هيرجع مهما كان الثمن.
شالت مريم في حضني، وأحمد ساعدها تقف ومسكها من جهته، ومشينا نحو الباب، والكل كان بيتفرج ومش عارف يعمل إيه، لحد ما طلعنا للعربية وركبتها جنب مريم، وأحمد سوق بسرعة بعيد عن البلد دي.
طول الطريق، مريم كانت بتبكي وتحكي لي كل حاجة من أول ما سافرت، كانت بتقول إن مدحت اتغير عليها، بدأ يمنعها تخرج، يمنعها تتصل بحد كتير، كان بيأخذ موبايلها ويتكلم بدالها، ولما عرف إنها حامل، زاد شكه وسيطرته، وبدأ يضربها لما تحاول ترفض كلامه، وهددها كذا مرة إنه يجهض الجنين أو يقتلها لو حاولت تبلغ حد. وقالت إنها كانت عايزة تستنجد بي بس كانت خايفة يقتلها قبل ما توصل لي، وآخر مرة في المكالمة حاولت تلمح لي بالطريقة اللي فهمتها، عشان هي عارفة إن عقلها كبير وهتفهم الإشارة.
كنت أسمعها وقلبي بيتقطع، وكنت أضمها وأقول لها كفاية يا حبيبة قلبي، كفاية، والحق جاي، وكل اللي جرى ده اختبار، وربنا هيجعل من بعده فرج كبير. أحمد كان بيسوق ودموعه نازلة، وكل شوية يقول لها أنا أسف يا مريم، كنت لازم أجيلك بدري، ما كنتش سمحت لحد يضيكِ أبداً، وهي بتقول له ده مش ذنبك يا أخي، ذنبي إني صدقت وقلبي كان طيب زيادة عن اللزوم.
وصلنا لطنطا بالسلامة، ودخلنا البيت اللي نشأت فيه مريم، والبيت ده كان مليء بالحنان والدفء اللي كانت محتاجاه من زمان. جهزنا لها غرفتها زي ما كانت بتحب، وجابنا لها الدكتور يكشف عليها ويطمن على صحتها وصحة الجنين، والحمد لله الدكتور قال إن الحالة بتتحسن بالراحة والهدوء النفسي، والجنين بخير بس محتاج عناية خاصة.
أيام وعدت، ومريم بدأت ترجع لطبيعتها شوية شوية، ضحكتها رجعت تاني، وبدأت تتكلم وتضحك زي ما كانت، وكانت بتقول إنها شايفة إن ربنا ساعدها وهداني عشان أفهم الإشارة، وإن ال AI والكلام ده كان سبب إننا نكشف الحقيقة بدري قبل ما يتأذى أكتر.
رفعنا قضية خلع وطلاق، وكل الحقوق اللي ليها، وثبتنا كل الأذى
والضرر اللي تعرضت له، والحمد لله القانون وقف معاها، واتحكم لها بكل حقوقها، واتأكدنا إنها في أمان تام مع أهلها.
وبعد شهور، جاءت لنا الدنيا بفرحة كبيرة، ولدت مريم بنت جميلة شبهها في كل حاجة، سميناها نور، وكانت نور لقلوبنا كلها، وبدأت حياتها من جديد، حياة مليئة بالحب والأمان، ومفيش فيها خوف ولا تهديد.
تعلمت من القصة دي إن قلب الأم مهما بعدت المسافات بيفهم ولو بالإشارة، وإن ما فيش حاجة أغلى من أمان وسلامة الأهل، وإن الثقة لازم تكون في محلها، ومش معنى إن حد قال كلام حلو نصدقه من غير ما نتأكد من أفعاله. وتعلمت إن مهما كان الظلم قوي، وإن كان السجن والخوف، فالقرب من الله وطلب المساعدة من الأهل هو النور اللي بيخرجنا من كل ظلام، وإن الحق لابد يظهر مهما طال الزمن.
ومن يومها، مريم عاشت في كنفي وكنف أخوها، ونور كبرت وشافت الدنيا بعين أمل، وكل ما تشوف ضحكة مريم، أشكر ربنا إني سمعت نداء قلبي، وسافرت في نص الليل لحد ما وصلت لها، ورددتها لبيتها وقلبي سالمة معافاة، لأن أغلى ما تملك الأم في الدنيا هو بناتها، وبعدهم مفيش حاجة تساوي شيء.