انتقام

لمحة نيوز

الفصل الأول انقطاع الخيط الأخير
وقفتُ أمام المرأة الخمسينية التي كانت تمسح عرق جبينها بجوار شاحنة الفان القديمة. كانت الشاحنة محملة بصناديق خشبية تفوح منها رائحة التوابل والخضراوات الطازجة. نظرتْ إليّ بعينين متعبتين لكنهما مليئتان بالخبرة، ورأت في عينيّ شيئاً جعلها تترك خرطوم الوقود وتقدم لي زجاجة ماء باردة دون أن أنطق بكلمة.
أنتِ بخير يا بنتي؟ سألتني بلهجة ريفية دافئة.
نظرتُ إلى الطريق الصحراوي الممتد خلفي، حيث اختفت سيارة زوجي طارق وإخوته. أخذتُ نفساً عميقاً، وشربتُ الماء دفعة واحدة، ثم قلت بصوت رخامي لم أعهد فيه هذه القوة من قبل أنا بخير... لكنني بحاجة للذهاب إلى أي مكان أبعد من هذا المكان ب 500 كيلومتر. لا أملك مالاً، ولا هاتفاً، لكنني أملك يدين تستطيعان العمل.
ابتسمت المرأة ابتسامة خفيفة، وأشارت لي برأسها نحو المقعد المجاور لها اسم خالتك صفية. أنا تاجرة خضار وأعشاب بين المحافظات. اركبي، فالطريق طويل، والحكايات في قلوبنا أطول.
صعدتُ إلى الشاحنة، وتحركت بنا الآلة القديمة تصدر صوتاً صاخباً يغطي على صوت أفكاري. نظرت في المرآة الجانبية وأنا أرى محطة البنزين تتلاشى، ومعها تلاشت رنا الضعيفة، المستسلمة، التي كانت تبكي لإرضاء طارق.
في هذه الأثناء، وعلى بعد ثلاثين كيلومتراً، كان طارق وإخوته يضحكون پهستيريا داخل سيارتهم الحديثة. كانوا يراجعون لقطات الفيديو.
يا زلمة، وجهها لما صړخت كان رهيب! قال شقيقه الأصغر وهو يجهز برنامج المونتاج.
سوف نحصل على ملايين المشاهدات بهذا المقلب! أضاف الآخر.
رد طارق وهو يشعل سېجارة دعوها تبكي قليلاً، لكي يكون العناق والصلح مؤثراً في نهاية الفيديو. انتظروا ساعة أخرى ثم نعود.
لكنهم عندما عادوا بعد ساعة ونصف، لم يجدوا سوى شريحة هاتف مکسورة ملقاة في القمامة. بحثوا في المحطة، سألوا العامل الهندي الوحيد هناك والذي لم يكن يفهم لغتهم جيداً، فأشار بيده إلى الصحراء الشاسعة وقال ركبت سيارة وذهبت.
بدأ القلق يتسرب إلى قلب طارق، ليس خوفاً عليّ، بل خوفاً من أن تفسد الطبخة الإعلامية التي خطط لها.
الفصل الثاني العاصفة التي ضړبت القناة
مرت أربع وعشرون ساعة. طارق وإخوته لم يبلغوا الشرطة في البداية لأنهم كانوا يظنون أنني أختبئ في مكان قريب لأؤدبهم. لكن مع حلول مساء اليوم التالي، انتشر مقطع الفيديو الأول الذي نشروه كإعلان تشويقي تركنا زوجتي في الصحراء! شاهدوا ماذا حدث!
لكن السحر انقلب على الساحر. بدلاً من الضحك والتفاعل، انهالت التعليقات الغاضبة. أنتم عديمو الإنسانية، هذا اختطاف وتعريض حياة للخطړ، أين النيابة العامة عن هؤلاء المجرمين؟. تحول التعاطف الشعبي ضدهم كلياً. وفي محاولة بائسة لتدارك الموقف، نشر طارق فيديو آخر يبكي فيه ويقول إنني اختفيت بالفعل وأنه يبحث عني.
هنا تحولت القضية إلى قضية رأي عام. تحركت الأجهزة الأمنية بناءً على البلاغات والضجة الإلكترونية. تم استدعاء طارق وإخوته للتحقيق پتهمة الإهمال
وتعريض حياة شخص للخطړ، وحُجزوا على ذمة التحقيق لعدة أيام. أُغلقت قناتهم التي طالما تفاخروا بها بقرار إداري بعد تبليغات جماعية، وخسروا كل عقود الرعاية والإعلانات التي كانت تمثل مصدر دخلهم الوحيد. تلاشت ثروتهم الرقمية في لحظات، وأصبحوا منبوذين في مجتمعهم.
وفي الجانب الآخر من البلاد، في مدينة ساحلية بعيدة وصغيرة، كنت أعيش في ملحق بيت الخالة صفية. غيرت اسمي في التعاملات اليومية إلى أمل. بدأت أتعلم منها أسرار تجارة الأعشاب الطبية والزيوت الطبيعية. اكتشفت أن لدي شغفاً كبيراً في تركيب الوصفات العلاجية ومستحضرات التجميل الطبيعية.
كنت أعمل ليل نهار. لم يكن لدي وقت للبكاء. كل قطعة صابون طبيعي كنت أصنعها، وكل زجاجة زيت أبيعها، كانت بمثابة لبنة أبني بها جدار حريتي الجديد.
الفصل الثالث ولادة مملكة أمل
مرت السنة الأولى، وتلتها الثانية. استطعت بمدخراتي الصغيرة، وبمساعدة الخالة صفية التي أصبحت بمثابة أمي الروحية، أن أفتتح متجراً صغيراً جداً يحمل اسم أسرار الطبيعة. لم أكن أستخدم وسائل التواصل الاجتماعي الشخصية أبداً، وظللت بعيدة تماماً عن أي منصة قد تكشف مكاني لطارق. عشت كالأشباح في العالم الرقمي، لكنني كنت حقيقية جداً وناجحة في العالم الواقعي.
طوّرتُ تركيبة خاصة لزيت يعالج مشاكل الشعر التالف، وحقق المنتج نجاحاً محلياً باهراً. بدأ الناس يتوافدون على متجري من المحافظات المجاورة. كنت أرفض التصوير أو الظهور في أي تقرير صحفي، وأكتفي بوضع شعار المتجر على المنتجات.
في المقابل، كانت حياة طارق تدمرت تماماً. خرج من التوقيف بعد أشهر من التحقيقات لعدم وجود دليل جنائي على قتلي، وباعتبار أنني بالغة وخرجت بإرادتي حسب شهادة عامل المحطة الذي ذكر ركوبي مع امرأة. لكن الوصمة لم ترحمه. زوجته اختفت بسبب مقلب غبي. طلق زوجات إخوته اللواتي رفضن
 

تم نسخ الرابط