احسن صاحبه

لمحة نيوز


اعتذارًا بلا سبب...
وكان واضح إن فيه سرًا كبيرًا أخفاه عنها في اليوم التالي، قابلت سارة يوسف عند المكان المكتوب في الورقة.
كان عنوانًا قديمًا في شارع جانبي، عمارة شكلها عتيق، لكن باب الشقة كان مقفولًا وكأنه لم يُفتح من فترة طويلة.
وقفت سارة قدام الباب وقالت يوسف... إنت كنت عارف المكان ده؟
سكت لحظة، ثم قال كنت عارف إن المكان موجود... بس كريم خلاني أوعده إني ماخدكيش هنا إلا لما تكوني جاهزة.
طلعت سارة المفتاح الصغير اللي كان جوه الظرف.
الغريب إن المفتاح دخل في القفل بسهولة.
فتح الباب...
ودخلوا.
كانت الشقة هادية جدًا.
لا يوجد أثاث كثير، فقط مكتب صغير، ورف عليه صور قديمة.
لكن أول حاجة لفتت نظر سارة كانت الحائط المقابل.
كان مليان صور لها.
صور وهي طفلة.
صور وهي في المدرسة.
صور وهي بتضحك مع كريم.
وصور لم تكن تعرف أصلًا أن أحدًا التقطها.
اقتربت وهي غير مصدقة.
كريم كان بيعمل إيه هنا؟
يوسف بص للصورة الأخيرة وقال كان بيجهز حاجة ليكي.
على المكتب كان فيه دفتر أسود.
فتحته سارة.
في أول صفحة كان مكتوب
مشروع بندق.
ضحكت رغم دموعها.
هو كان مجنون...
لكن كل ما قلبت صفحة، اختفت ابتسامتها.
لأن الدفتر لم يكن مجرد ذكريات.
كان فيه مواعيد.
خطط.
أفكار.
كلها عن سارة.
عن حاجات كان عايز يساعدها تعملها بعد التخرج.
كان كاتب
سارة لازم ترجع ترسم.
لازم ترجع تخرج مع أصحابها.
لازم تعرف إنها مش أقل من حد.
لكن في آخر صفحة...
كان فيه كلام مختلف.
خطه كان متوتر، كأنه كتبه بسرعة.
فيه حاجة لازم أقولها لسارة... بس خايف أقولها فتزعل.
توقفت أنفاسها.
قلبت الصفحة بسرعة.
لكن الصفحة اللي بعدها كانت ممزقة.
رفعت عينيها ناحية يوسف.
مين قطع الصفحة دي؟
يوسف لم يرد.
وهنا بدأت تشك أن يوسف يعرف أكثر مما يقول.
قربت منه وقالت
يوسف... أنت كنت مع كريم في آخر يوم؟
سكت.
ثم قال بصوت منخفض
أيوه.
اتسعت عيناها.
وليه عمرك ما قلتلي؟
نظر للأرض وقال
لأن كريم طلب مني أخبي عنك حاجة...
سارة شعرت بقشعريرة.
إيه الحاجة؟
رفع يوسف عينيه إليها وقال
قبل الحادث... كريم كان رايح يقابل شخص.
مين؟
تردد يوسف.
ثم قال
الشخص اللي كان معاه آخر مكالمة قبل الحادث...
وفي اللحظة دي...
رن هاتف يوسف.
نظر للشاشة، وتغير وجهه تمامًا.
لأن الاسم اللي ظهر على الهاتف كان
كريم تجمد يوسف مكانه...
سارة بصت لشاشة الموبايل وهي مش مصدقة.
يوسف... إنت بتهزر؟
يوسف ما ردش.
الموبايل كان فعلًا بيُظهر اسم
كريم
لكن بعد ثواني، اتضح إن الاسم كان محفوظًا لرقم آخر.
يوسف قفل الشاشة بسرعة.
سارة لاحظت ارتباكه.
مين ده؟
يوسف فضل ساكت.
يوسف... أنا سألتك مين؟
تنهد وقال ده رقم قديم... كريم كان مسجله باسم مختلف.
قلب سارة بدأ يدق أسرع.
يعني إيه؟
اتجه يوسف ناحية المكتب، وفتح درجًا صغيرًا.
طلع منه هاتف قديم.
كريم سابه هنا.
سارة قربت منه.
كان مخبيه؟
هز يوسف رأسه.
أيوه... وقال لي لو في يوم احتاجته، أديهولك.
مسكت سارة الهاتف.
كان مقفولًا.
لكن لما ضغطت زر التشغيل...
اشتغل.
والأغرب أن كلمة السر كانت سهلة جدًا.
أربع أرقام.
تاريخ حفلة تخرجها.
نظرت ليوسف بدهشة.
كان عارف إني هفتحه؟
قال يوسف كريم كان عارفك أكتر من أي حد.
فتحت الهاتف.
لم تجد صورًا كثيرة...
ولا رسائل كثيرة.
فقط ملف صوتي واحد.
اسمه
لبندق... اسمعيني للآخر.
سارة شعرت برعشة في يدها.
ضغطت تشغيل.
وبعد ثوانٍ...
سمعت صوت كريم.
الصوت الذي لم تسمعه منذ سنة.
يا بندق...
انهارت دموعها فورًا.
توقفت أنفاسها وهي تسمع ضحكته الخفيفة.
عارف إنك هتعيطي دلوقتي... وعارف إنك هتقولي إني زعلتك إني خليت يوسف يخبي حاجات عنك.
بصت سارة ناحية يوسف.
كان واقفًا ودموعه في عينه.
تابع صوت كريم
بس فيه سبب واحد خلاني أعمل كده... لأن في حاجة حصلت قبل الحادث، وأنا كنت خايف إنها تفضل جواكي وتكسرك.
سكت التسجيل لحظة.
ثم جاء صوته أكثر جدية
يا بندق... لازم تعرفي إن اليوم اللي اتخانقتي فيه معايا قبل الحادث... أنا ماكنتش زعلان منك.
سارة شهقت.
لأنها تذكرت.
اليوم ده كان آخر يوم شافته فيه.
كانت قد قالت له كلامًا قاسيًا وهي غاضبة...
ومن بعدها عاشت وهي تلوم نفسها.
لكن صوت كريم أكمل
إنتي كنتي فاكرة إنك آخر حاجة قلتيها لي كانت سبب زعلي... بس الحقيقة إن آخر حاجة عملتيها كانت سبب فرحتي.
وضعت سارة يدها على فمها.
لم تفهم.
ما الذي حدث في ذلك اليوم؟
ولماذا كان كريم يخفي عنها الحقيقة؟
ثم جاء آخر جزء من التسجيل
وفيه شخص لازم تسمعي منه بنفسك... لأنه كان شاهد على كل حاجة.
توقّف التسجيل.
وفجأة...
صدر صوت طرق على باب الشقة.
التفتت سارة ويوسف معًا.
لأنهما لم يكونا وحدهما في المكان...
وكان الشخص الواقف خلف الباب يحمل الإجابة التي انتظرتها سارة سنة كاملة فتحت سارة الباب ببطء...
وكان الشخص الواقف أمامها رجلًا كبيرًا في السن.
اتسعت عيناها لما عرفته.
كان أستاذ كريم في المدرسة.
قال بهدوء أنا عارف إن عندك أسئلة كتير يا سارة... وجيت النهارده عشان أديكي الإجابة.
دخل الرجل، وقعد أمامها، ثم أخرج ملفًا قديمًا.
وقال قبل الحادث بأيام، كريم كان جايلي. كان عايز يعمل حاجة مهمة.
فتحت سارة الملف.
وجدت داخله أوراقًا ورسومات وتصميمات.
كانت أفكار لمشروع صغير يساعد فيه شباب عندهم مواهب ومش واثقين من نفسهم.
ابتسم الأستاذ كريم كان شايف إن موهبتك في الرسم والتصميم كبيرة، لكنك كنتي دايمًا بتستخبي ورا خوفك.
نظرت سارة للفستان.
وفهمت.
الفستان لم يكن مجرد فستان.
كان رسالة.
كان كريم يريد أن يثبت لها أنها قادرة.
أكمل الأستاذ في آخر مقابلة بيني وبينه قال لي أنا مش خايف أموت... أنا خايف أسيبها وهي مش عارفة قيمتها.
انهارت سارة بالبكاء.
لكن هذه المرة لم يكن بكاء حزن فقط.
كان بكاء راحة.
لأنها لأول مرة فهمت أن كريم لم يتركها.
هو ترك لها طريقًا تمشي فيه.
بعد شهور...
بدأت سارة ترجع لحياتها.
رجعت ترسم.
وافتتحت مكانًا صغيرًا لتصميم الملابس، وعلقت أول فستان صنعته في الواجهة.
كان فستان التخرج.
وكتبت تحته
مش كل اللي بنفقدهم بيروحوا... بعض الناس بيسيبوا جوانا نور يكمل الطريق.
أما يوسف...
فاستمر كما كان دائمًا.
الصديق الذي وقف بجانبها دون انتظار مقابل.
وفي يوم افتتاح مشروعها، أعطاها علبة صغيرة.
فتحتها...
فوجدت بداخلها نجمة فضية.
قال يوسف مبتسمًا عشان تفتكري إن كريم كان عنده حق... إنتي دايمًا ليكي مكان في السما.
ابتسمت سارة وهي تنظر للسماء.
لأول مرة منذ سنة، لم تشعر أن كريم رحل.
شعرت أنه كان معها في كل خطوة.
وفي آخر الليل، وقفت أمام المرآة مرتدية الفستان مرة أخرى...
ولم ترَ البنت التي انكسرت.
رأت بندق التي كان كريم يؤمن بها.
وعرفت أن أجمل هدية تركها لها أخوها...
لم تكن الفستان.
بل كانت الثقة التي أعادها لقلبها.

 

تم نسخ الرابط