عيال جوزي

لمحة نيوز


معنديش فلوس أصرف على عيال كبار... كل واحد يشيل نفسه.
لأول مرة...
حازم وليلى حسّوا إن الأرض بدأت تتحرك من تحت رجليهم.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في اختفاء ولاء...
كانت في الظرف البني الكبير اللي وصل باب البيت بعد يومين، ومكتوب عليه بخط واضح
يُسلَّم إلى الأستاذ جلال شخصيًا.
جلال فتح الظرف...
وأول ورقة شافها خلت لون وشه يتغير في لحظة.
أما حازم...
فلما لمح عنوان الورقة، اتقدم خطوة وهو بيهمس بقلق
هو... إيه ده؟!جلال سحب الورقة بسرعة، لكنه اتأخر.
حازم كان لمح العنوان.
كشف تحويلات بنكية وإيصالات سداد.
ليلى قربت وهي مستغربة.
إيه يعني؟
جلال قلب أول صفحة...
فاتورة مصاريف مدرسة قديمة.
بعدها إيصال قسط جامعة.
بعدها عقد تأمين العربية.
ثم فواتير كهرباء ومياه وغاز.
وبعدها شيكات باسم ليلى.
وإيصالات مدرسين خصوصيين باسم حازم.
كل ورقة عليها اسم كريمة... وتوقيعها.
وفي آخر الملف، ورقة مكتوب فيها بخط إيدها
دي مجرد صور من اللي قدرت أوثقه... أما اللي اتدفع من غير إيصالات، فربنا وحده يعلمه.
الأوضة سكتت.
ليلى كانت أول واحدة تتكلم.
هو... كل ده كانت هي اللي دفعاه؟
جلال نزل عينيه في الأرض.
بصوت واطي قال
أيوه.
حازم عقد دراعيه وهو بيحاول يهرب من الإحساس اللي بدأ يدخل قلبه.
ما يمكن كانت عايزة تثبت إنها صاحبة فضل.
جلال رفع رأسه لأول مرة بعصبية.
اسكت يا حازم!
الولد اتفاجئ.
دي أول مرة أبوه يزعق له بالشكل ده.
قال جلال وهو بيخبط بإيده على الترابيزة
الست دي عمرها ما ذكرت لكم إنها دفعت جنيه واحد... أنا اللي كنت بخبي عليكم عشان متحسوش إنها بتمن عليكم.
سكت لحظة...
ثم أكمل بصوت مكسور
حتى الشبكة اللي جبتها لليلى في عيد ميلادها الثامن عشر... كانت كريمة هي اللي اشترتها، وقالت لي قول إنك أنت اللي جبتها.
ليلى وشها اصفر.
افتكرت اليوم ده...
كانت حضنت أبوها، وشكرت ولاء في التليفون لأنها افتكرت عيد ميلادها...
أما كريمة...
فكانت واقفة في المطبخ بتحضر التورتة، ولا قالت كلمة.
وفجأة...
رن جرس الباب.
فتح حازم.
لقى راجل كبير شيك، لابس بدلة بسيطة، وماسك ملف.
قال باحترام
أنا بدور على الأستاذة كريمة.
حازم رد ببرود
مش هنا.
الراجل سأل
هي سابت البيت؟
جلال خرج من الصالون.
حضرتك مين؟
ابتسم الرجل وقال
أنا المحاسب القانوني الخاص بالأستاذة كريمة.
كلهم بصوا لبعض باستغراب.
المحاسب فتح الملف وقال
هي طلبت مني أوصل لحضرتك رسالة لو مرت عشرة أيام من غير ما ترجع البيت.
جلال حس بقلبه بيدق بسرعة.
رسالة؟
أيوه... ورسالة دي فيها كمان أوراق لازم تستلمها بنفسك.
ناول له ظرفًا أبيض مختوم بالشمع الأحمر.
وقال قبل ما يمشي
الأستاذة كريمة قالت لي أوصيكم بحاجة واحدة...
جلال بلع ريقه.
إيه هي؟
المحاسب رد بهدوء
قالت... متفتحوش الظرف إلا لما تكونوا مستعدين تعرفوا الحقيقة كلها.
ثم استدار وغادر...
وساب الثلاثة واقفين، محدش فيهم قادر يمد إيده ناحية الظرف...
لأنهم كانوا حاسين أن اللي جواه... هيغيّر كل اللي كانوا فاكرين إنهم عارفينه الظرف فضل على الترابيزة ساعات.
ولا واحد فيهم كان عنده الجرأة يفتحه.
وفي الآخر، جلال أخده بإيده، فك الختم بهدوء، وطلع منه جواب صغير، ومعاه فلاشة، وورقة واحدة.
فتح الجواب أولًا.
كان بخط كريمة.
لو أنتوا بتقروا الرسالة دي، يبقى أنا نفذت أول وعد وعدته لنفسي... إني أمشي من غير خناقة، ومن غير ما أطالب حد بحاجة.
مش بكتب الكلام ده عشان أذل حد، ولا عشان أفكركم بجميل.
بكتب عشان بعد اللي اتقال على سفرة الجمعة، فهمت إن وجودي بقى حمل عليكم.
ومن النهارده، هحقق رغبتكم... وهعيش حياتي بعيد.
ليلى بدأت دموعها تنزل، لكنها كملت تقرأ.
حازم... أول ساعة لبست فيها تيشيرت النادي، فضلت طول الليل أخيطه بإيدي بعد ما اتقطع، عشان متزعلش.
وليلى... أول مرة فزتي في مسابقة الرسم، كنت مخبية الميدالية تحت المخدة وأنا فرحانة بيكي أكتر من نفسي.
يمكن أنا فعلًا مش أمكم... لكن عمري ما عرفت أتعامل معاكم غير بقلب أم.
جلال مسح عينيه بسرعة.
كان أول مرة يشوف دموعه قدام أولاده.
أما الورقة الثانية...
فكانت عبارة عن كشف مختصر بكل الالتزامات اللي كانت كريمة بتدفعها من حسابها الشخصي، ومع كل بند تاريخ بداية السداد.
بعض البنود كانت راجعة لعشر سنين.
ليلى همست وهي بتبص للتواريخ
يعني... حتى بعد ما أنا دخلت الجامعة...
رد جلال بصوت مبحوح
كانت لسه بتدفع.
حازم كان ساكت.
لأول مرة من يوم ما كريمة مشيت... معندوش رد.
لكن الفلاشة كانت لسه على الترابيزة.
جلال وصلها باللاب توب.
ظهر مجلد واحد فقط...
اسمه
للضرورة فقط.
فتحوه.
كان فيه عشرات الملفات المرتبة بالتاريخ.
صور من حفلات المدرسة.
فيديوهات قصيرة.
تسجيلات لأعياد ميلاد.
وصور عائلية.
الغريب...
إن كريمة كانت موجودة في كل مناسبة...
لكن واقفة دائمًا ورا الكاميرا أو على الطرف، كأنها متعمدة تسيب البطولة لغيرها.
وفجأة...
اشتغل فيديو تلقائي.
كانت ليلى عندها حوالي عشر سنين، وبتبكي بعد ما خسرت مسابقة.
وصوت كريمة من ورا الكاميرا بيقول
الخسارة مرة واحدة مش معناها إنك فشلتي... أنا مؤمنة إنك هتكبري وتنجحي.
ليلى حطت إيدها على بقها، وانهارت في البكاء.
أما حازم...
فظهر له فيديو تاني وهو عنده اتناشر سنة، نايم على سرير المستشفى بعد عملية بسيطة.
وكان ماسك إيد كريمة وهو نايم...
وبيتمتم من غير ما يكون صاحي
ماما... متسيبنيش...
الغرفة كلها اتجمدت.
حازم رجع الفيديو تاني...
وتالت...
ورابع...
كل مرة كان يسمع نفس الكلمة.
نظر ناحية ولاء...
لكن مكانها كان فاضي.
ونظر لأبوه...
فلقاه مطأطئ رأسه.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف جلال.
نظر إلى الشاشة...
وتغيرت ملامحه فجأة.
المتصل كان شخصًا لم يتوقعه أي واحد فيهم...
واسمه وحده كان كفيلًا يقلب البيت رأسًا على عقب جلال فضل يبص في شاشة الموبايل ثواني.
حازم قال بقلق
مين؟
جلال رد بصوت متردد
المستشفى...
رد بسرعة.
ألو...
اللي على الطرف التاني اتكلم بهدوء
حضرتك الأستاذ جلال؟
أيوه.
إحنا بنبلغ حضرتك إن الأستاذة كريمة كانت مسجلة حضرتك كأول شخص يتم التواصل معاه في الحالات الطارئة.
قلب جلال وقع.
حصل لها
 

تم نسخ الرابط