اهانه لا تغتفر 2

لمحة نيوز

بصيت لأحمد اللي كان واقف قدامي، عيونه متعلقة بالورق اللي في إيدي، وملامحه متوترة لدرجة إني حسيت إنه خايف يقرأ اللي مكتوب. مديت له الورق بإيدي، وكانت إيدي بتترعش لأول مرة من يوم الحادثة.
أحمد أخد الورق، قعد على الكرسي اللي ورا المكتب، وبدأ يقرأ. قرأ مرة، واتنين، وتلاتة. كل سطر بيعدي عليه، وشه بيبدأ يفقد لونه. فجأة، طبق الورق بعنف ورماه على المكتب، وقام وقف وهو بيتنفس بصعوبة.
مش ممكن... يعني كل السنين دي، وكل الظلم اللي شوفناه، كان مبني على كذبة؟
سألته بصوت واطي
أحمد، فهمناي... إيه اللي مكتوب؟ العقد ده يخص إيه؟
أحمد بصلي وعيونه كانت مليانة حيرة وكسرة
يا مريم، العقد ده مش بس بيغير ملكية الأرض أو الفلوس. ده عقد تصفية شراكة قديمة من أكتر من ثلاثين سنة، بين والدي وبين عيلة تانية... عيلة ناس إحنا طول عمرنا فاكرينهم أعداء. العقد ده بيقول إن الثروة اللي والدي عايش عليها، واللي نهى وأمي بيتباهوا بيها، مش ملكنا أصلاً! دي أمانة لولاد الشخص اللي والدي كان شريكه، واللي والدي غدر بيه في وقت ما كان في أشد الاحتياج ليه.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. يعني حماتي كانت بتستغلني وتطالبني بفلوسي، وهي أصلاً عايشة على ميراث حرام أو على الأقل فلوس مش حقهم؟
يعني إحنا المفروض نرجع الفلوس دي؟
أحمد هز راسه
والمشكلة مش في الفلوس يا مريم. المشكلة إن الشخص اللي والدي غدر بيه، ولاده هما اللي دلوقتي بيمسكوا زمام الأمور في قطاع الاستثمار اللي شركتنا بتتعامل معاه. يعني إحنا حرفياً تحت رحمتهم من غير ما نعرف!
في اللحظة دي، تليفوني رن. كان رقم غريب، بس قلبي قالي إنه الشخص اللي المحامي كان يقصده. رديت، وصوت راجل تقيل وهادي جالي من الناحية التانية
مدام مريم... أتمنى تكوني قريتي العقد كويس. أنا مش عايز مشاكل، أنا عايز بس الحق يرجع لأصحابه، وعايز أعرف مين من العيلة دي لسه عنده ذرة ضمير.
إنت مين؟ وعايز إيه بالظبط؟
أنا ياسين، ابن الشخص اللي والد أحمد دمره زمان. والنهارده، الفرصة بقت في إيدكم يا مريم. إما نفتح الملف ده قدام القانون والكل يتدمر، أو نلاقي طريقة نحل بيها الموضوع بعيد عن السوشيال ميديا ووجع الدماغ.
قفلت المكالمة وأنا حاسة بمسؤولية كبيرة. بصيت لأحمد
ياسين بيكلمنا... بيقول عايز يحل الموضوع.
أحمد بص لي بنظرة كلها شك
يحل إيه؟ إحنا لو اعترفنا بالعقد ده، والدي هيدخل السجن، وأمي هتتجنن، ونهى اللي هي أصلاً في قضية تزوير، هتاخد مؤبد. مريم، إحنا قدام طريقين، الاتنين أصعب من بعض.
قررنا نتحرك، بس مش بالطريقة اللي هما متخيلينها. بدأت أستخدم خبرتي في الشؤون المالية عشان أعمل جرد حقيقي لكل مليم دخل البيت ده، مش بس اللي أنا دفعته، لأ، ده كل التحويلات البنكية اللي حصلت من حسابات والده الغامضة.
اكتشفت كارثة أكبر. الحاج محمود ما كانش بس غدار، كان متورط في عمليات غسيل أموال لصالح جهات تانية، ونهى ما كانتش مجرد طماعة، كانت أداة بيستخدموها عشان يمرروا صفقات مشبوهة.
في وسط الدوامة دي، كنت بحاول أخبي عن حماتي الحقيقة، لحد ما لقيتها داخلة عليا البيت، بس المرة دي مش جاية تزعق، جاية تتذلل. كانت لابسة عباية سوداء، ووشها ذبلان، وشعرها اللي كان دايماً مصفف بعناية بقى مبهدل.
مريم... إنتي الوحيدة اللي تقدر تنقذنا. نهى جوزها طلقها في السجن، وأنا ماليش غيركم.
بصيت لها، وشفت فيها الست اللي ضربتني وشتمتني، الست اللي كانت بتعتبرني محفظة. قولت لها بهدوء
يا حماتي، أنا كنت مرات ابنك، كنت بخدمك وبحترمك، كنت بديكي من مالي ومن وقتي. إنتي اللي اختارتي إنك تعامليني كخادمة. إيه اللي اتغير دلوقتي؟
بدأت تعيط، بس كانت دموع خايفة مش ندمانة
أنا غلطت... أنا كنت عميامة بالطمع، كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتعمل هيبة. أرجوكِ، احمدي لي عند ياسين، أنا عارفة إنكم اتكلمتوا.
اتصدمت. عرفت منين؟
إنتي عرفتي منين إننا اتكلمنا مع ياسين؟
ارتبكت، وبدأت تتلعثم
سمعت... سمعت نهى وهي بتكلمه قبل ما تتدخل السجن، كانت بتهدده بالعقد ده، ما كانتش عارفة إن المحامي هو اللي بعتهولكم.
هنا فهمت. نهى كانت بتلعب بالطرفين. كانت عارفة بالسر ده من زمان وبتستخدمه عشان تبتز الجميع.
قررت أخد خطوة جريئة. اتصلت بياسين وطلبت مقابلة. قابلته في مكتبه، كان راجل واثق في نفسه، ملامحه حادة بس نظراته كانت فيها نوع من الاحترام الغامض.
يا مدام مريم، أنا مش جاي عشان أنتقم. أنا جاي عشان أسترد اللي اتسرق من أبويا، وأعوض التعب اللي عائلتي شافته. والدي مات وهو مقهور، وأنا كملت حياتي عشان أقف على رجلي. أنا عايز التنازل عن كل الأملاك اللي مكتوبة باسم والدي في العقود القديمة، وبس.
ولو عملنا كدة، إيه اللي يضمن لي إنك ما تبلغش عن والدي وتدخله السجن؟
ياسين ابتسم ابتسامة باهتة
أنا مش قاضي، ولا عايز أدخل في دوامة قضايا هتضيع سنين من عمري. أنا عايز حقي، وبس. لو أخدت حقي، هحرق العقد ده وهنسى إن العيلة دي موجودة أصلاً.
رجعت لأحمد، وحكيت له العرض. أحمد كان متردد
لو اتنازلنا، هنبقى بنعترف بغلط والدي، وهنخسر كل حاجة!
مش هنخسر حاجة يا أحمد. إحنا هنبني
 

تم نسخ الرابط