حكايتي

لمحة نيوز


وقفت عند استمارة الموافقة.
الاسم المكتوب في خانة المستفيد...
ياسين الألفي.
رفعت الورقة قدامهم.
وسألت بصوت هادي جدًا
هو ده جوزي؟
الصمت خنق الأوضة.
الدكتور بلع ريقه.
سيد حاول يخطف الورقة من إيدها.
لكنها بعدت بسرعة.
بصت لياسين وقالت
حضرتك تعرف جوزي من إمتى؟
ياسين اتردد.
ثم قال
فيه سوء تفاهم.
ضحكت...
ضحكة كلها وجع.
سوء تفاهم؟ يعني أنا داخلة أتبرع بكليتي لراجل معرفوش... ده سوء تفاهم؟
سيد قام وقف وقال بعصبية
اسمعيني بس.
صرخت فيه لأول مرة من أول جوازهم
اسكت!
الأوضة كلها سكتت.
حتى السكرتيرة اللي برا دخلت على الصوت.
مريم طلعت موبايلها.
وشغلت تسجيل.
كان صوت سيد واضح
هي فاكرة إنها بتتبرعلي أنا.
وبعدين صوت الست اللي في المنصورة
ولو عرفت؟
وصوته وهو بيضحك
عمرها ما هتعرف... كله متظبط.
لون وش سيد اتقلب.
الدكتور سامح اتسمر مكانه.
أما ياسين، فبص لسيد بصدمة وقال
إيه التسجيل ده؟
رد سيد بسرعة
متفبرك.
ابتسمت مريم، وطلعت صور شهادة ميلاد كريم.
وحطتها قدامه.
ودي كمان متفبركة؟
ثم طلعت صور سيد مع هبة وابنهم.
وقالت
دي مراتك التانية ولا بنت خالتك؟
سيد فقد أعصابه، وحاول يخطف الموبايل.
لكن قبل ما يوصلها، دخل اتنين من أفراد أمن المستشفى بعد ما سمعوا الصريخ.
في اللحظة دي، بص ياسين لسيد بغضب وقال
إنت قلتلي إنها متبرعة بموافقتها الكاملة... وإنها عارفة كل التفاصيل.
سيد اتلعثم.
أنا... أنا...
قاطعه ياسين
لو كنت أعرف إن فيه نصب بالشكل ده، ما كنتش دخلت في أي اتفاق.
مريم بصت له باحتقار وقالت
الاتفاق كان على كام؟
سكت.
كررت السؤال.
كام كان تمن كليتي؟
خفض ياسين رأسه وقال بصوت خافت
اتنين مليون جنيه.
ابتسمت مريم بمرارة.
وقالت وهي بتبص لسيد
يعني بعد خمسة وعشرين سنة عِشرة... طلع تمني اتنين مليون؟
لكنها فجأة افتكرت الفلاشة اللي الممرضة ادتهالها.
لو التسجيلات اللي عليها فعلاً موجودة...
فالقصة لسه ما انتهتش.
لأن الشخص اللي رتب كل حاجة... وكتب التقارير الطبية المزورة... مش سيد.
كان فيه حد أكبر منه بكتير... ولسه اسمه ما اتكشفش.
أفراد الأمن طلبوا من الجميع يفضلوا مكانهم، واستدعوا مدير المستشفى.
بعد أقل من عشر دقائق، حضر مدير المستشفى بنفسه، وطلب من الجميع يدخلوا قاعة الاجتماعات.
مريم حكت كل حاجة من أول همسة الممرضة، لحد الصور اللي شافتها في المنصورة، والتسجيلات اللي سجلتها بنفسها.
لما جابوا الفلاشة وشغلوها، ظهر تسجيل من كاميرا مكتب الدكتور سامح.
كان الصوت واضح.
الدكتور سامح قال
كل التحاليل جاهزة، والمتبرعة متوافقة مع الأستاذ ياسين بنسبة ممتازة.
رد سيد
المهم مراتي ما تعرفش.
الدكتور قال
هتوقع على موافقة التبرع، وباقي الإجراءات علينا.
بعدها اتكلم ياسين وقال
أنا كل اللي يهمني العملية تكون قانونية، والفلوس هتدخل في الحساب بعد التنفيذ.
لكن التسجيل ما كانش كامل.
ما فيهوش أي اتفاق على خداع مريم.
واضح إن سيد هو اللي أخفى الحقيقة عن الجميع.
مدير المستشفى وقف التسجيل، وبص لياسين.
قال
حضرتك كنت تعرف إن الزوجة فاكرة إنها بتتبرع لجوزها؟
ياسين وشه اصفر.
هز راسه بالنفي.
أقسم بالله... لا.
طلع ملف كان معاه.
وفيه طلب رسمي مكتوب فيه إن المتبرعة متبرعة لشخص غريب بمحض إرادتها مقابل رفض أي مقابل مادي.
قال
أنا اتقال لي إنها محتاجة الفلوس، وإنها وافقت بنفسها.
لف ناحية سيد وهو بيصرخ
إنت نصبت عليّا أنا كمان!
في اللحظة دي، وصلت الشرطة بعد بلاغ من إدارة المستشفى.
اتحفظوا على الملف، والموبايلات، والفلاشة.
وتم إلغاء العملية فورًا.
بدأت النيابة تحقق في القضية.
وبعد أسبوعين، ظهرت الحقيقة كاملة.
سيد كان متجوز مريم من خمسة وعشرين سنة، وبعدها بسنين اتجوز هبة عرفي في المنصورة، وخلف منها ولد اسمه كريم.
ولما ابنه دخل مدرسة خاصة، وتراكمت عليه الديون، عرف إن رجل الأعمال ياسين بيدور على متبرع متوافق.
استغل مرضه الحقيقي، ولما حالته استقرت بالعلاج، كدب على مريم وقال إن الزراعة هي الحل الوحيد.
وباع موافقتها مقابل مبلغ كبير، من غير ما يقولها الحقيقة.
أما الدكتور سامح، فأدين بتزوير مستندات الموافقة، وإخفاء اسم المستفيد الحقيقي عن المتبرعة.
وياسين خرج من القضية بعد ما أثبتت التحقيقات إنه اتعرض للخداع، وإنه كان فاكر إن كل الإجراءات قانونية.
أما سيد...
فاتحاكم بتهم النصب، والتزوير، واستعمال محررات مزورة، والشروع في الإضرار بزوجته.
وحُكم عليه بالسجن.
وهبة، أول ما عرفت الحقيقة، سابت البيت، ورفعت عليه قضية نفقة لابنها.
أما مريم...
رجعت لعربيتها الصغيرة قدام المدرسة.
أول يوم وقفت تبيع فلافل بعد اللي حصل، كانت إيديها بترتعش.
البنات الصغيرين كانوا بيشتروا منها كأن مفيش حاجة.
لكن واحدة ست كبيرة وقفت قدامها.
ابتسمت وقالت
إنتِ الست اللي ربنا نجاها؟
ابتسمت مريم لأول مرة من قلبها.
الحمد لله.
بعد شهور، أخدت تعويض من المستشفى بعد ثبوت الإهمال والتزوير في إجراءاتها.
التعويض ما كانش ملايين...
لكنه كان كفاية إنها تجدد بيتها، وتفتح محل فلافل صغير بدل العربية.
وشهد نجحت في الثانوية العامة، ودخلت كلية التمريض.
ولما سألتها أمها ليه اختارت الكلية دي، حضنتها وقالت
علشان أبقى ممرضة زي الست الشجاعة اللي أنقذتك.
بعد سنة كاملة، كانت مريم ماشية في السوق، ولقت سيد خارج من سيارة الترحيلات متجه للمحكمة في جلسة استئناف.
وشهم اتقابلوا.
هو حاول يبصلها.
لكن هي عدت من جنبه من غير ما تقف.
ولا حتى سلمت.
لأنها فهمت أخيرًا إن أصعب خسارة مش إنها كانت هتفقد كليتها...
أصعب خسارة هي العمر اللي ضاع مع إنسان عمره ما استحق حبها.
رجعت محلها، ووقفت تحضر أول سندوتش لزبون داخل.
رفعت وشها للسما، وابتسمت وهي بتهمس
الحمد لله... المرة دي أنقذت نفسي.
تمت.

 

تم نسخ الرابط