حكايتي
رحت أتبرع بكليتي لجوزي عشان انقذ حياته وفي اليوم اللي لبسوني فيه روب المستشفى الأزرق، قربت مني الممرضة وهمستلي بصوت مرتبك
مدام... اتأكدي كويس الكُلية دي رايحة لمين.
ابتسمت بثقة وقلت
لجوزي طبعًا... هتروح لمين يعني؟
اتجمدت مكانها كام ثانية، وبعدها نزلت عينيها في الأرض وقالت
الاسم المكتوب في الملف... مش اسم جوزك.
أنا مريم، عندي 43 سنة، وساكنة في بيت شعبي صغير ورثته عن أبويا الله يرحمه.
سنين طويلة قضيتها ببيع فلافل وسندوتشات قدام مدرسة ابتدائي، في حر الصيف اللي يخنق، وبرد الشتا اللي يوجع العضم، لأني اتعلمت من الدنيا القاسيه انك لو وقعت مش هتلاقي اللي يسندك.
جوزي سيد كان بيشتغل سواق ميكروباص.
طول عمره راجل قاسي، وكلامه قليل، لكن كل مرة كنت بقول لنفسي يمكن الأيام تغيره، ويمكن قلبه يحن.
عندنا بنت اسمها شهد، عندها دلوقتي 16 سنة، وهي الحاجة الوحيدة الحلوة اللي خرجت من الجوازة دي.
كل حاجة بدأت تنهار يوم ما سيد تعب، واكتشفوا إن عنده فشل كلوي.
في الأول رجليه بدأت تورم.
بعدها التعب بقى ملازمه.
وبعدين لفينا على المستشفيات الحكومية، والتحاليل، وجلسات الغسيل، والممرات الزحمة، وريحة المطهر، وريحة القهوة اللي طالعة من ماكينات الانتظار.
الدكتور قال
مفيش حل غير زراعة كلية.
ما اترددتش لحظة.
قلت لو فصيلتي تنفع، هتبرعله فورًا.
سيد حتى ما فكرش يحضني أو يشكرني.
كل اللي عمله إنه بص لأمه... الحاجة زكية.
الحاجة زكية شبكت إيديها، وتنهدت، وكأني أخيرًا عملت حاجة عدلة في حياتي، وقالت
أهو كده... ده أقل واجب تعمليه بعد كل الخير اللي شوفتيه من ابني.
الكلمة نزلت على صدري زي السكينة.
بس سكت.
لأني طول عمري بسكت.
لما شهد كانت صغيرة، وكنت أرجع من الشغل وإيديا ريحتها زيت وخضار، كانت حماتي تقول
يا عيني على ابني... اتجوز بياعة فلافل ريحتها زيت.
ولما الفلوس تضيق تقول.. ما تعرفش تدبر البيت.
ولما سيد يرجع وقميصه فيه ريحة برفان ست تانيه، كانت تقول
الراجل بيزهق من نفس الوش كل يوم.
وكنت بسكت...
لكن كنت بخزن كل حاجة جوايا.
سجلت مكالمات.
وصورت رسايل.
واحتفظت بفواتير.
واتعلمت أحمي نفسي من يوم ما عرفت إن مفيش حد هيحميني.
رحلة التبرع كانت مرهقة جدًا.
سحبوا مني دم لحد ما إيدي ازرقت.
تحاليل، وأشعات، ومقابلات، وتحاليل توافق أنسجة...
وكل يوم أطلع من المستشفى الصبح ، وارجع أقف على العربية أبيع فلافل، لأن المصاريف ما بترحمش.
الغريب إن سيد في الفترة دي بقى حنين زيادة عن اللزوم.
زيادة ملحوظة.
يجيبلي شاي، ويمسك إيدي قدام الدكاترة، ويناديني
يا حبيبتي .
لكن أول ما نرجع البيت، يرجع نفس الإنسان البارد.
مرة قال وهو شايفني بطبق الهدوم
ما تفكريش تتراجعي يا مريم... إنتِ دخلتي في الموضوع خلاص.
قلتله
مش هتراجع... بس خايفة.
رد بعصبية
أنا اللي خايف... أنا اللي هموت!
الكلمة وجعتني.
قلت
وأنا كمان داخلة عملية يا سيد.
رمى قميصه على السرير ببرود وقال
ما تكبريش الموضوع... دي كلية واحدة يعني مش قلبك.
ومن يومها، الجملة دي فضلت مغروزة جوايا.
لأنه كان شايف جسمي مجرد قطعة غيار.
أول حاجة غريبة حصلت كانت يوم الخميس.
الحاجة زكية جت، وكان معاها ملف أصفر، وادته لسيد في المطبخ.
وأنا بغسل المواعين، لمحت ورقة فيها اسمي... وتحت اسمي مكتوب اسم ياسين.
سألتهم
مين ياسين؟
حماتي قفلت الملف بسرعة وقالت
ولد في المستشفى... مالِك إنتِ؟
قلت
أنا شفت اسمي مكتوب.
قام سيد بسرعة وقال
دي إجراءات طبية يا مريم... ما تدخليش نفسك في حاجات ما تفهميش فيها.
تماسكت وسكت.
بالليل، وهو في الحمام، فتشت في جيب البنطلون.
لقيت ورقة مطبقة، فيها عنوان في المنصور، ومكتوب بخط إيده
الجمعة الساعة 6... ما تنساش شهادة ميلاد ياسين.
صورت الورقة بالموبايل.
وما نطقتش ولا بحرف.
يوم الجمعة...
مشيت وراه.
أيوه... مشيت وراه..
ركبت ميكروباص، ولبست كاب شهد بنتي ونضارة شمس رخيصة.
نزل سيد في شارع هادي في المنصور.
عمارات قديمة، وشجر عالي.
وقف قدام عمارة، وضغط الجرس.
فتحتله واحدة صغيرة في السن... يمكن عندها تلاتين سنة، لابسة إسدال بيت، وعلى وشها ملامح ارتباك أول ما شافته.
قالت بصوت واطي
اتأخرت ليه يا سيد؟
رد وهو داخل بسرعة
الطريق كان زحمة.
وقبل ما الباب يقفل، خرج طفل صغير من أوضة جوه وهو بيجري.
كان عنده حوالي عشر سنين.
وقف قدام سيد وهو بيضحك
بابا... جبتلي الشنطة؟
مريم حست إن رجليها مبقتش شايلاها.
بابا...
الكلمة ضربتها في قلبها.
سيد نزل على ركبه،
طلع من الشنطة كيس كبير.
أهو يا بطل... الشنطة الجديدة واليونيفورم.
الولد حضنه بفرحة
شكراً يا بابا.
الست ابتسمت وقالت
المدرسة باعت آخر إنذار... لو المصاريف ما اتدفعتش كانوا هيمنعوه من الامتحانات.
سيد طلع ظرف فيه فلوس وادهولها.
دي أول دفعة... والباقي هيكون بعد العملية.
مريم شهقت من غير صوت.
عملية؟
يعني كان مستني العملية علشان يجيب باقي الفلوس؟
فضلت مستخبية ورا عربية مركونة وهي بتحاول تستوعب اللي شافته.
بعد شوية الست قالت
متأكد إن الست بتاعتك هتوافق؟
رد سيد وهو بيضحك بسخرية
هي فاكرة إنها بتتبرعلي أنا.
الست اتوترت وقالت
طب لو عرفت؟
عمرها ما هتعرف... كله متظبط.
وياسين؟
ياسين مستني في المستشفى... الفلوس هتنزل أول ما العملية تتم.
مريم حسيت الدنيا بتلف بيها.
يبقى ياسين مش اسم الطفل...
ده اسم الراجل اللي مستني كليتها.
وقبل ما تمشي، سمعت الست بتقوله
نفسي تخلص من الجوازة دي بقى.
رد بمنتهى البرود
أول ما الفلوس تدخل... كل حاجة هتخلص.
رجعت مريم البيت وهي مش حاسة بالطريق.
كانت كل خطوة بتوجعها.
مش بسبب التعب...
بسبب الخيانة.
دخلت أوضتها وقفلت الباب.
فتحت درج قديم كانت مخبية فيه كل الورق اللي احتفظت بيه سنين.
صور.
رسايل.
تسجيلات.
إيصالات تحويل فلوس.
وأول مرة