اجازة خدامه. مشيره محمد

لمحة نيوز

 

​لميت حاجتي، وطلبت تاكسي يوديني على محطة القطر عشان أرجع القاهرة. وفي الطريق، وأنا باصة للبحر من شباك العربية، تليفوني ميسكتش.. أحمد يتصل، ومي تبعت رسائل: "يا طنط إحنا آسفين"، "يا أمي العيال بيموتوا من الحر في الشارع"، "مي عيطت والله ومكنش قصدها". مبردتش على أي حاجة، قفلت التليفون خالص وقررت إن اليوم ده بتاعي أنا وبس.

​وصلت محطة القطر، وحجزت تذكر في الدرجة الأولى، وقعدت أشرب كوباية شاي بالنعناع وأنا بقرأ كتاب بقالي سنة مش عارفة أخلصه من كتر كركبة البيت وطلباتهم اللي مبتخلصش. لما وصلت بيتي في القاهرة، حسيت براحة مكنتش حساها من سنين. البيت كان هادي، نظيف، ومفيش حد بيؤمرني ولا حد بيبص لي على إني "تأدية غرض".

​مر أسبوع كامل، وأنا قافلة تليفوني عنهم تماماً. مكنتش بكلم غير أختي الكبيرة أطمنها عليا. في خلال الأسبوع ده، نزلت اشتريت فستان جديد، ورحت الكوافير، وعملت كل حاجة كنت مأجلاها عشان "أوفر الفلوس للعيال ولعب العيال". اكتشفت إن أنا اللي كنت جاية على نفسي بزيادة، لدرجة إنهم افتكروا إن ده حقي المكتسب وأني ماليش نفس أعيش زي البشر.

​يوم الجمعة بالليل، الباب خبط. فتحت ولقيت أحمد واقف، لوحده.. وشه كان دبلان وتحت عينيه هالات سودة، والغرور اللي كان مالي وشه في الأوتيل اتمحى تماماً.

بص لي بكسرة وقال بصوت واطي: "ممكن أدخل يا أمي؟"

وسعت له السكة من غير ما أتكلم. دخل وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه.

​سكتنا شوية، بعدين بدأ يتكلم وهو بيعيط: "أنا آسف.. أنا أسف جزمة وبوس جزمتك كمان يا أمي. أنا مكنتش متخيل إني واطي للدرجة دي إلا لما سبتينا ومشيتي. الأسبوع اللي فات ده كان جحيم.. السفرية باظت، ومي قعدت تلطم لأننا ملحيناش مكان نقعد فيه واضطرينا نرجع في نفس اليوم بالليل والعيال عيطوا طول الطريق.. بس مش ده اللي وجعني.. اللي وجعني بجد لما سيف حفيدك سألني وقال لي: (هو إحنا ليه عاملنا تيتة وحش؟ هي تيتة مش بتحبنا؟) ساعتها حسيت إني صغرت أوي قدام ابني.. حسيت إني علمت ابني قلة الأصل."

​قعدت على الكرسي اللي قدامه، وبصيت له بكل حزم: "عارف يا أحمد؟ الوجع مكنش من مراتك.. مي غريبة في الأول والآخر، وتربيتها وطبعها هما اللي بيحركوها. الوجع الحقيقي كان منك إنت.. إنت اللي من دمي، إنت اللي أنا سهرت عليك الليالي وشقيت عشان تكبر وتكون راجل.. لما تسمح لمراتك تعمل لي جدول زي الشغالة، وتسمح لنفسك تقول لابنك إن تيتة مش جاية تتفسح دي جاية للخدمة.. إنت كده قتلتني وأنا عايشة."

​أحمد قام وجري على رجلي باساها وهو بيعيط بهستيريا: "حقك عليا.. والله العظيم مي هي اللي وزتني وقالت لي المصيف غالي والعيال هيقرفونا ومش هنعرف نتبسط، وإحنا لازم نستغل وجود مامتك.. أنا ضعفت ومشيت ورا كلامها، ومفكرتش في مشاعرك.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني."

​سحبت رجلي بالراحة وقلت له: "المسامحة دي محتاجة وقت يا أحمد.. ومحتاجة شروط."

رفع رأسه وقال بلهفة: "شروط إيه؟ أي حاجة هعملها!"

​قلت له بشموخ:

"أولاً: مراتك متدخلش البيت ده تاني ولا أشوف وشها، لحد ما تيجي هنا وتعتذر وتجيب لي حق البرنيطة والمانيكير والشنط اللي اتبهدلت بسببها، وتعرف إن جزمتي برقبتها..

ثانياً: العيال لما يجوا هنا، يجوا يزوروا تيتة اللي بتبوسهم وتدلعهم وتديهم عيدية.. مش تيتة اللي بتطبخ وتغسل وتمسح وراهم. إنت تجيب لبيتك شغالة وتدفع لها دم قلبك، إنما أنا أمك.. مش خادمة البيوت بتاعتكم.

ثالثاً وأخيراً: السفرية اللي إنتوا بوظتوها عليا، هتعوضوهالي.. بس المرة دي هسافر لوحدي، أو مع أختي، وعلى حسابك وحساب مراتك قرش ينطح قرش.. وفي فندق خمس نجوم كمان!"

​أحمد مسح دموعه بسرعة وقال: "موافق.. موافق على كل كلمة قلتيها يا أمي.. والله العظيم هعمل كل ده وأكتر، بس ارضي عني ومتشيلش يدك من عليا."

​من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت. أحمد نفذ كل الشروط بالحرف.. مي جت بعد أسبوعين، وشها في الأرض، واعتذرت اعتذار رسمي وقدمت لي هدية غالية عشان ترضيني.. وأنا قبلت الاعتذار بس بحدود ومقامات زادت بيننا بمسافات.

​والأسبوع اللي فات، كنت واقفة على شط البحر بجد.. بس المرة دي في فندق في الغردقة، بنضارتي الشمسية وبرنيطتي الجديدة، ومعايا أختي بنضحك ونشرب عصير مانجا فريش.. وبصيت للبحر وقلت لنفسي: "الحمد لله إن الواحد عرف مقامه.. ومقامي عالي غالي ومحدش يقدر يكسره تاني."

تمت مشيره محمد 

تم نسخ الرابط