قواعد زوجيه... مشيره محمد

لمحة نيوز

 

​قلتله وأنا بفتحله باب الأوضة:

ـ "ولا أنا ساهلة يا ابن طنط توحيدة. دلوقتي بقى، اتفضل برة الأوضة دي.. نام في الصالة، نام في المطبخ، مش قضيتي. والصحة تصبح على خير عشان بكرة ورانا مشوار مهم قوي.. مش إنت عايز المحامي؟ هنروح للمحامي".

​مدحت خرج وهو بيبرطم ويشتم بصوت واطي، ورزع الباب وراه. أنا قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت على السرير. دموعي نزلت غصب عني.. مش خوف من مدحت، بس زعل على نفسي. زعل على أبويا اللي أمن لده وافتكره راجل هيصون بنته. مسحت دموعي بسرعة وقلت لنفسي: "مفيش وقت للعياط يا شاهندة.. أبوكي علمك إن اللي يترفع عليه حزام، يترد عليه بضربة تقاضي.. وبكرة اللعب الثقيل هيبدأ".

​تاني يوم الصبح، الساعة تسعة، الباب خبط بقوة. فتحت لقيت حماتي، طنط توحيدة، واقفة ولابسة العباية السوداء والدهب مغرق إيديها، ووشها مقلوب وعينها بتطق شرار، وجنبها مدحت واقف زي التلميذ الخايب اللي مستقوي بأمه.

​دخلت توحيدة الأوضة من غير ما تستأذن وقالت بصوت جوهري:

ـ "أهو أنا جيت بنفسي يا ست شاهندة.. مدحت حكالي على قلة الأدب والمهزلة اللي حصلت هنا امبارح! بقى حتة بت لا راحت ولا جت تمد إيدها على راجلها؟ ده إنتي ليلتك مش فايتة!"

​قعدت على الكنبة بكل برود وقلت لها:

ـ "أهلاً يا طنط، نورتي شقة الزوجية اللي أنا دافعة تمنها من ألفها لياءها. تشربي إيه؟ ولا ندخل في الموضوع علطول عشان المحامي مستني؟"

​توحيدة اتفاجئت ببرودي، وبصت لمدحت وبعدين بصتلي وقالت:

ـ "الموضوع خلصان.. إحنا كلمنا الأستاذ فرغلي المحامي بتاعنا وهو مستنينا في المكتب بتاعه. هتمضي على التنازل عن نصيبك في عمارة مصر الجديدة والمحلات لمدحت كـ 'مهر' وحق الطاعة، وإلا والله العظيم لأخلي مدحت يطلقك ويرميكي في الشارع بفضية، وهنقول للناس كلها إنك مريضة نفسية وبتضربي جوزك!"

​مدحت اتكلم بثقة وشماتة:

ـ "أيوا.. والورق كله جاهز، والمحامي مظبط كل حاجة".

​وقفت وقلت لهم بابتسامة واسعة:

ـ "تمام قوي.. يلا بينا على الأستاذ فرغلي".

​طول الطريق في العربية، مدحت وأمه كانوا بيبصولي بانتصار، فاكرين إن سكوتي ده خوف واستسلام. وصلنا مكتب المحامي، دخلنا الأوضة، ولقينا الأستاذ فرغلي قاعد وراه مكتب خشب ضخم، وحاطط قدامه عقود وتنازلات جاهزة على الإمضاء.

​توحيدة قالت:

ـ "أهي جيت يا أستاذ فرغلي وموافقة تمضي برضاها.. طلع العقود وخلينا نخلص".

​المحامي طلع العقود وحط القلم قدامي وقال:

ـ "اتفضلي يا مدام شاهندة.. إمضاء هنا وهنا، وبكدة كل الأملاك هتنقل للأستاذ مدحت".

​مسكت القلم، ومدحت عينه لمعت بالفلوس، وتوحيدة بدأت تزغرد في سرها. بصيت للعقد، وبعدين سبت القلم وطلعت تليفوني وحطيته على مكتب المحامي.

​مدحت قال بقلق:

ـ "في إيه؟ أنتي هتستهبلي؟ امضي خلصينا!"

​دوست على زرار التشغيل في التليفون. صوت مدحت وهو بيقول "حان الوقت لتتعلمي قواعد كوني زوجة" وصوت ضربة الحزام طلع واضح ونقي.. وبعدها صوت خناقتنا ووقوعه على الأرض.. وبعدين الصدمة الكبيرة: صوت توحيدة وهي بتقول من الاسبيكر: "خلّيها تمضي على التنازل بكرة الصبح.. أول ما الأملاك تتنقل باسمنا، مبقاش يهمنّا إيه اللي يحصل في الجوازة دي!"

​المكتب كله ساد فيه صمت قاتل. وش توحيدة بقى أصفر زي الليمونة، ومدحت بدأ يعرق ويدور بعينه في الأوضة زي الفار المحبوس. المحامي فرغلي بصلهم وبصلي، ولم العقود من قدامي بسرعة وقال:

ـ "إيه ده؟ ده اتهام بالابتزاز والتهديد وتحت الإكراه! أنا ماليش دعوة بالكلام ده يا جماعة.. أنا محامي محترم!"

​قلت للمحامي بهدوء:

ـ "استنى يا أستاذ فرغلي، متلمش الورق.. أنا لسه مخلصتش كلامي".

التفت لمدحت وأمه وقلت لهم:

ـ "التسجيل ده، مع فيديو الكاميرا المخفية اللي امبارح واللي واضح فيه مدحت وهو رافع الحزام عليا، هيروح حالا للنيابة بتهمة الشروع في القتل، والابتزاز، والنصب والسرقة بالإكراه. ده غير بقى إن فيه مفاجأة تانية خالص لطنط توحيدة ومدحت حبيب قلبها".

​توحيدة بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مرعوش:

ـ "مـ.. مفاجأة إيه؟ أنتي فاكرة نفسك هتخوفينا؟"

​أنا طلعت ورقة تانية خالص من شنطتي وحطيتها على المكتب وقلت:

ـ "دي صورة من السجل التجاري والملف الضريبي لشركات أبويا الله يرحمه.. قبل ما أموت بأسبوع، أبويا كان حاسس بنواياكم الخبيثة، عشان كدة نقل كل العقارات والمحلات دي لـ 'مؤسسة خيرية' باسمه، وأنا مجرد ناظرة على الوقف ده.. يعني قانوناً، الأملاك دي مش باسمي ولا أملك حق بيعها أو التنازل عنها لأي حد! يعني حتى لو كنتوا موتوني ومضيتوني، العقود دي كانت هتبقى حبر على ورق وملهاش أي قيمة قانونية!"

​مدحت صرخ بصدمة:

ـ "أنتي بتقولي إيه؟! يعني المحلات والعمارة مش بتاعتك؟"

​قلتله بضحكة انتصار:

ـ "بتاعت فاعل خير يا روح قلبي.. شفت بقى إنكم جريتوا ورا سراب؟ إنت اتجوزتني عشان طمعان في ورث.. والورث طلع مش ملكي أصلاً، ده ملك الغلابة والمحتاجين!"

​توحيدة وقفت وهي بتصوت وتلطم على وشها:

ـ "يادي المصيبة! يادي الفضيحة! ضحكت علينا البت.. ضيعت شقا عمرنا في المصاريف والفرح وشهر العسل يا مدحت يا خايب!"

​وقفت ولميت حاجتي وتليفوني، وبصيت لمدحت وقلتله:

ـ "ورقة طلاقي توصلي لحد البيت في خلال ٢٤ ساعة.. بالمعروف ومن غير شوشرة، وإلا الفيديو والتسجيلات هتبقى تريند مصر كله بكرة الصبح، والنيابة هتبقى خطوتنا الجاية. أظن شفت بنفسك امبارح بونية أبطال الجمهورية بتعمل إيه.. فبلاش تخلي القانون هو اللي يديك البونية الجاية عشان هتبقى قاضية".

​سبتهم في المكتب.. مدحت قاعد حاطط راسه بين إيديه وهو بيبكي على حلمه اللي ضاع، وتوحيدة بتصرخ وتدعي عليه وعلى غبائه، والمحامي بيطرد فيهم برة المكتب.

​خرجت من المكتب، ووقفت في الشارع، وأخدت نفس طويل وعميق.. حسيت لأول مرة إن روح أبويا مرتاحة، وإني قدرت أحمي نفسي وأحمي شقاه من شوية ضباع. ركبت عربيتي وأنا ببتسم وبقول لنفسي: "قواعد كوني زوجة؟ لأ يا مدحت.. دي قواعد كوني بطلة، ومحدش يقدر يكسرني!"

تمت. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط