حكايتى
تحس إن كل اللي كانت بتعمله مكانش وسواس...
كان إنقاذ لنفسها.
فضلت طول الليل صاحيه.
وفي الفجر، لما سيد رجع، دخل نام كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن مريم كانت خلاص بقت شخص تاني.
الصبح، وهي بتحضر الفطار، رن تليفون سيد.
كان في الحمام وسايب الموبايل على الترابيزة.
ظهر اسم
الدكتور سامح.
التليفون فضل يرن.
ولأول مرة في حياتها، مريم ردت.
جالها صوت راجل متوتر
أستاذ سيد... لازم تيجي النهارده توقع على الورق النهائي مع الأستاذ ياسين... لأن لجنة الزراعة هتراجع الملفات بكرة.
مريم سكتت.
الراجل كمل
حضرتك معايا؟
قالت بصوت ثابت
أيوه... معاك.
كويس... والأستاذ ياسين أكد إن المبلغ الكامل هيتحول أول ما يتم استئصال الكلية.
الموبايل وقع من إيدها.
يعني الموضوع مش مجرد شك...
فيه فلوس.
وفيه اتفاق.
وفيه واحد غني اسمه ياسين، هيدفع تمن كليتها.
خرج سيد من الحمام وهو بينشف شعره.
لقاها واقفة مكانها، وشها أصفر.
قال
مين كان بيتصل؟
ابتسمت لأول مرة من أيام طويلة.
ابتسامة هادية خلت سيد يستغرب.
قالت
ولا حد مهم... واحد غلطان في الرقم.
بصلها شوية، وبعدها خد موبايله وخرج.
أما هي، فدخلت أوضتها وقفلت الباب.
فتحت اللابتوب القديم اللي شهد كانت بتذاكر عليه.
ودورت على اسم ياسين.
بعد دقائق، ظهر قدامها خبر في إحدى الجرائد.
رجل الأعمال ياسين الألفي... يعاني من فشل كلوي منذ عامين، وأسرته تعرض مكافآت مالية ضخمة لأي متبرع متوافق.
شهقت وهي بتقرب الصورة.
هو نفس الاسم...
ونفس السن المكتوب في الملف.
لكن اللي لفت انتباهها أكتر، صورة الراجل.
كان واقف جنب سيد في صورة قديمة داخل شركة نقل.
يعني الاتنين يعرفوا بعض من زمان.
وقتها بس فهمت الحقيقة الكاملة...
سيد عمره ما كان محتاج كليتها.
تحاليله كانت اتحسنت من شهور، لكنه أخفى النتيجة.
أما العملية...
فكانت كلها معمولة علشان ينقلوا كليتها لياسين مقابل ملايين الجنيهات، يدفع منهم مصاريف ابنه اللي مخبيه عنها، ويبدأ حياة جديدة مع مراته التانية في المنصورة...
أما مريم...
فكانوا مخططين يسيبوها تعيش بنصف جسد، بعد ما ياخدوا منها كل حاجة.
قعدت مريم قدام شاشة اللابتوب، وإيديها بتترعش.
كانت بتبص للصورة مرة، ولصورة سيد اللي احتفظت بيها في موبايلها مرة تانية.
مفيش شك...
هو نفس الراجل.
لكنها غمضت عينيها وقالت لنفسها
لأ... لازم دليل أقوى. لو واجهته دلوقتي هيكدب، ومحدش هيصدقني.
قفلت اللابتوب، ومسحت دموعها، وخرجت كأن مفيش حاجة حصلت.
سيد كان لابس هدومه وبيسرح شعره قدام المراية.
بصلها وقال
جهزي نفسك... بكرة هندخل المستشفى.
ابتسمت ابتسامة هادية وقالت
حاضر.
أول مرة توافقه من غير نقاش.
وده اللي خلاه يطمن أكتر.
في نفس الليلة، أول ما نام، أخدت موبايله بهدوء.
كانت عارفة الباسورد...
تاريخ ميلاد شهد.
فتحت تطبيق الرسائل.
كان فيه محادثة محفوظة باسم
أبو كريم.
لكن أول ما فتحتها، لقت الرسائل كلها عن العملية.
المبلغ هيكون اتنين مليون.
لازم الست ما تشكش.
المتبرعة متوافقة بنسبة ممتازة.
ياسين مستعجل.
قلبها كان بيدق بعنف.
لكن لسه فيه حاجة ناقصة.
فتحت الصور.
ولقت ألبوم مقفول.
كتبت نفس الباسورد.
اتفتح...
واتجمدت مكانها.
صور لسيد وهو واقف جنب نفس الست اللي شافتها في المنصورة.
وصور للولد.
وصورة تانية...
الولد واقف فيها بين سيد والست، وتحتها مكتوب
عيد ميلاد كريم العاشر.
وفي صورة لشهادة ميلاد.
الأب
سيد عبدالعاطي.
الأم
هبة مصطفى.
دموع مريم نزلت من غير ما تحس.
خمستاشر سنة جواز...
وكان عنده بيت تاني.
وزوجة تانية.
وابن.
قفلت كل حاجة بسرعة، وبعتت الصور لنفسها على الواتساب، وبعدها مسحت أثر الإرسال من موبايله.
الصبح، راحت المستشفى مع سيد.
الكل كان بيعاملها باهتمام.
لكن اهتمام غريب...
كأنها مش مريضة...
كأنها بضاعة غالية.
الدكتور سامح خرج من مكتبه أول ما شافهم.
صافح سيد بحرارة وقال
كله تمام؟
رد سيد
الحمد لله.
بص الدكتور لمريم بابتسامة مصطنعة
جاهزة يا مدام؟
قالت بهدوء
طبعًا... بس قبل أي حاجة، عايزة أشوف الملف الطبي كامل.
الدكتور اتوتر.
ليه؟
حقي.
قال بسرعة
الورق كله عند الإدارة.
قالت
يبقى نجيبه.
سيد تدخل بعصبية
يا مريم... هو ناقص وجع دماغ؟
ابتسمت وهي بتبصله.
لا... ناقص الحقيقة بس.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة اللي كانت همست لها قبل كده.
أول ما شافت مريم، فهمت من نظرتها إن فيه حاجة اتغيرت.
مريم استأذنت تدخل الحمام.
وهناك، قربت منها الممرضة بسرعة وقالت
عرفتي؟
مريم هزت راسها.
عرفت.
الممرضة بصت حواليها واتأكدت إن محدش سامعهم.
وبعدين طلعت فلاشة صغيرة من جيبها.
حطتها في إيد مريم وهمست
عليها نسخة من كاميرات مكتب الدكتور... أنا خفت يضيعوا الدليل.
فتحت مريم عينيها بدهشة.
كاميرات؟
من أسبوع... سيد كان قاعد مع الدكتور سامح وياسين بنفسهم... واتكلموا عن الفلوس وتقسيمها... وأنا سمعت جزء من الكلام، ولما شكيت، حفظت التسجيل قبل ما يتمسح.
قبضت مريم على الفلاشة بقوة.
ولأول مرة من بداية الكابوس...
حست إن ربنا بعتلها طوق نجاة.
لكنها ما كانتش تعرف إن سيد كان واقف بره الحمام...
وسمع آخر جملة قالتها الممرضة.
أول ما الممرضة خرجت، لقت سيد واقف قدام باب الحمام.
وشه كان جامد... وعينيه ضيقة.
بص لمريم وقال
اتأخرتي ليه؟
رفعت كتفها وقالت بهدوء
بطني وجعتني شوية.
فضل يبصلها ثواني، كأنه بيحاول يقرأ اللي جواها.
وبعدين قال
يلا... الدكتور مستنينا.
مشت جنبه، لكن قلبها كان بيدق بعنف.
هل سمع حاجة؟
ولا مجرد شك؟
دخلوا مكتب الدكتور سامح.
كان فيه شخص لابس بدلة شيك، وشعره كله أبيض، باين عليه الثراء.
أول ما دخلت، قام وقف.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال
مدام مريم... تشرفنا.
عرفته فورًا...
ياسين.
مد إيده يسلم عليها.
لكنها ما مدتش إيدها.
اكتفت بهزة خفيفة براسها.
لحظة صمت عدت، وبعدها الدكتور قال
دي مجرد إجراءات روتينية قبل العملية.
مريم قالت بثبات
ممكن أشوف الملف؟
الدكتور حاول يغير الموضوع.
بعد التوقيع.
قالت
لا... الأول الملف.
سيد ضرب بإيده على المكتب.
هو إنتِ جاية تعملي مشاكل؟
بصتله وقالت
أنا داخلة أتبرع بجزء من جسمي... ومن حقي أعرف كل كلمة مكتوبة.
الدكتور اضطر يناولها الملف.
فضلت تقلب الصفحات بهدوء.
ورقة...
ورا التانية...
لحد ما