الوشم
بس فيها براءة غريبة. أول ما دخلنا، الراجل مخافش.. بص لعم حامد وقال بصوت ناشف تأخرت ليه يا حامد؟ المجند رأفت عثمان لسه مرجعش من الاستطلاع؟ الإشارة هتقطع واللاسلكي عطلان الراجل لسه عايش في سنة 1969! الزهايمر والصدمة حبسوا عقله في اللحظة دي المفاجأة المشوقة والنهاية الصادمةأمي جريت عليه وقعدت على ركبها جنبه شاكر.. أنا نادية.. مراته لرأفت. فاكرني يا شاكر؟شاكر بص لها لثواني، وعينيه لمعت فجأة، وقال نادية؟ رأفت كان دايماً يوريني صورتك.. كان بيقولي نادية حامل وهتجيب ولد وهنسميه صابر.. عشان يصبر على الدنيا أنا جسمي كله قشعر. صابر؟ أنا اسمي مريم!بصيت لأمي، لقيت وشها خطفه اللون الأبيض، وبدأت تترعش بشكل مش طبيعي. بصت لشاكر برعب، وقالت له اسكت يا شاكر.. اسكت الله يخليك، إنت تعبان ومخيّف عم حامد استغرب وبص لأمي في إيه يا أم صابرين؟ إيه اللي جرى لك؟لكن شاكر كمل وهو باصص لي أنا.. وعينيه فجأة بقت حادة وصاحية تماماً، كأن الزهايمر اختفى في ثانية واحدة أنتِ مش صابر.. أنتِ بنت رأفت؟ لأ.. رأفت مكانش عنده بنات.. رأفت قبل ما نمشي، قالي إن نادية سقطت في الشهر الثالث.. ومبقاش فيه عيال الأوضة اتكتّمت. الهوا اقطع. بصيت لأمي اللي كانت بتبكي وراسة في الأرض ومقادرة ترفع عينها في عيني أمي.. الراجل ده بيقول إيه؟ سألتها وصوتي بيتهز. أنا بنت رأفت عثمان.. البطل اللي مات في سينا.. صح؟أمي م ردتش شاكر ضحك ضحكة هيرستيرية، ضحكة خلت شعر جسمي يقف، وشاور على عم حامد وقال رأفت مماتش عشان ينقذني يا حامد.. رأفت انتحر! رأفت رمى نفسه قدام القذيفة لما عرف إن صاحبه المقرب.. العريف اللي كان معاه في الإجازة.. هو اللي...عم حامد وقف مذهول هو اللي إيه يا شاكر؟ انطق!شاكر بص لأمي وقال بصوت زي الفحيح رأفت عرف قبل المعركة بيوم واحد.. إن نادية حامل من حد تاني.. حامل من مصطفى اللي مات في أول الحرب.. رأفت سابك تنقذ حامد يا شاكر، ومات عشان ميرجعش يشوف الوش التاني للدنيا بصيت لأمي.. النظرة اللي في عينها كانت صك الاعتراف. السكوت اللي عاشت فيه 48 سنة مكنش حزناً على بطل.. كان خوفاً من الفضيحة. والوشم اللي على دراع عم حامد، والشعار 3187 اللي كنت فاكراه رمز الفخر والشرف، كان الشاهد الوحيد على الخديعة اللي بنيت عليها حياتي كلها أنا مش بنت البطل.. أنا بنت الغلطة اللي مات البطل بسببها نزلت من البيت وأنا بجري في الشوارع، وسط المطر اللي بدأ ينزل، والكلبشات اللي في جيب ميري بتخبط في رجلي.. كأنها بتفكرني إن القيود الحقيقية مكنتش في إيد المسجون.. القيود كانت في اسمي، وفي حكاية البطل المزيف اللي عشت بحميها 15 سنة إليك المشهد الختامي الخاتمة الذي يغلق الستار على هذه القصة المشحونة بالمشاعر والأسرارالهروب إلى الحقيقة العاريةالشوارع كانت واسعة ومخيفة، والمطر نازل يغسل أرصفة باب الشعرية بس مش قادر يغسل السواد اللي جثم على قلبي فجأة. صدى ضحكة عم شاكر الهيستيرية لسه بيرن في وداني، ونظرة عين أمي المكسورة والمفضوحة بتطاردني في كل لمحة نور من عواميد النور المطفية كل حاجة عشتها كانت كدبة الاسم مريم رأفت عثمان.. البطل اللي صورتة متعلقة في الصالة الفخر الحكايات اللي كنت بحكيها لزمايلي في النيابة والمحكمة عن التضحية والشرف الهوية كلها اتخرزت برصاصة واحدة من بق راجل عاش 50 سنة مجنون، وصحي ثانية واحدة عشان يقول الحقيقة ويموت في نظري كل حي مشيت ومش عارفة أنا رايحة فين، لحد ما لقيت رجلي واخداني للمحكمة تاني. القاعة كانت فضيت، والنور انطفى، والهدوء اللي فيها بقا بيخنق. قعدت على نفس الكرسي اللي كنت واقفة عليه الصبح بدافع عن عم حامد. بصيت لإيديا.. الإيد اللي كتبت مذكرات وتنازلات وقرارات، طلعت إيد بنت الغلطة اللي دمرت حياة بطل حقيقي المواجهة الأخيرةبعد كام ساعة، رجعت البيت. الباب كان موارب، والهدوء اللي جوه مش هدوء سكينة، دا هدوء المقابر دخلت الصالة، لقيت أمي قاعدة على الأرض تحت الصورة، السبحة ملوحة جنبها، ودموعها جفت وسابت علامات بيضا على وشها العجوز. أول ما شافتني، حاولت تقف، بس رجليها مشيلتهاش قالت بصوت مبحوح ومكسور يا مريم.. اسمعيني.. رأفت كان...قاطعتها وأنا برفع إيدي، وصوتي طالع بارد كأنه جاي من تلاجة موتى رأفت مات يا أمي. مات من 48 سنة. إنتي اللي عيشتينا في الكدبة دي.. ليه؟ عشان تحمي نفسك؟ ولا عشان تداري ذنب مبيتغفرش؟نزلت راسي وبصيت للصورة.. لأول مرة أشوف في عينين رأفت اللي في الصورة نظرة حزن مكنتش فاهماها، مكانش خوف من الحرب، كان خذلان من أقرب الناس ليه الوشم الحقيقيعم حامد جالي البيت تاني يوم، كان شايل في إيده شنطة هدوم قديمة، وعينيه بتقول إنه عرف كل حاجة خلاص. بص لي وقال يا بنتي.. الوشم اللي على دراعي 3187 ده مكانش مجرد رقم كتيبة.. ده كان العهد اللي بينا إننا نحمي ضهر بعض. مصطفى غلط، وأمك غلطت.. بس رأفت دفع التمن عشان يحمي اسم عيلته حتى وهو بيموت. متخليش الكدبة تهدك، إنتي بقيتي مستشارة وبتحكمي بالعدل، خلي العدل يبدأ من عندك أخدت نفس طويل، وبصيت لعم حامد، وقلت له العدل بيقول إن البطل يفضل بطل في عيون الناس، والسر ده هيموت في الأوضة دي. بس أنا.. أنا ماليش مكان هنا تاني الستارخلعت الروب الأسودبتاع الشغل، وحطيته على الكرسي الهزاز بتاع أمي. سبت البيت، وسبت الحارة، وسبت الاسم اللي عشت بيه 15 سنة بحميه في المحاكم سافرت مكان بعيد، بدأت فيه من الصفر، باسم جديد وروتين جديد. الوشم القديم اللي كان محفور على دراع عم حامد، اتمسح من الوجود بموت شاكر بعد حادثة المحكمة بأسبوع واحد.. بس فضلت الحقيقة محفورة في قلبي أنا إن أعظم المعارك مش اللي بنحارب فيها عدو برا..
هي المعارك اللي بنحارب فيها الحقيقة عشان نعيش.