الوشم
إليك تكملة القصة بأسلوب درامي مشوق، يغوص في تفاصيل الماضي وأسرار الحاضر، ممتدة لتفاصيل مكثفة تصل بك إلى النهاية الصادمةالوشم القديم التكملةوطى الراجل العجوز راسه في الأرض، والكلمة طلعت من بقّه كأنها جمرة نار كنت سارقه ل شاكر.. شاكر عبد الرحمن الاسم نزل عليا زي الصاعقة. شاكر! دا الاسم اللي مكتوب بخط يد أبويا ورا الصورة القديمة. شاكر، الشاب اللي كان واقف في الصورة على يمين أبويا، حاطط إيده على كتفه وبيضحك من قلبه، وعينيه كلها أمل في بكرة. نفس الشخص اللي أمي كانت كل ما تبص لصورته تتنهد وتقول يا حبيبي يا شاكر.. الحرب بتاخد القلوب البيضا وتجيب لنا الوجع القاعة كلها كانت مستنية كلمتي، والقاضي رافع نظارته ومستغرب من سكوتي. اتنفست بصعوبة، وبصيت للقاضي وقلت بصوت جهوري بس فاقد الأمل سيادة القاضي.. المتهم ده مش مجرد راجل غريب سرق دوا.. الراجل ده يبقى.. يبقى عمي، ومن بقية أهلي اللي افتكرتهم ماتوا في الحرب. وأنا مستعدة أدفع تمن الدوا تمن أضعاف، وأتعهد برعايته القاضي بص لي بنظرة فهم فيها إن ورا الحكاية سر كبير. خبط بالشاكوش وقال بناءً على تنازل الصيدلية بعد دفع التعويض، وبسبب الحالة الإنسانية للمتهم، تحكم المحكمة بغرامة مالية تُسدد فوراً، مع إخلاء سبيل المتهم خيوط الماضي تتشابكمستنتش دقيقة. خلصت الإجراءات، ودفعت الغرامة، وأخدت الراجل العجوز في إيدي. كان اسمه عم حامد. خرجنا برة المحكمة، والهوا برة كان بارد بس حامي بالأسئلة اللي بتاكل في صدري. ركبنا عربيتي، وطول الطريق كان عم حامد باصص من الشباك ودموعه مش راضية تقف إحنا رايحين فين يا بنتي؟ سألني بصوت مرعش قلت له وأنا دايسة على بنزين العربية رايحين لأمي.. ورايحين لشاكر. لازم أفهم يا عم حامد. أمي طول عمرها بتقول إن شاكر مات مع أبويا في نفس اليوم. إزاي بتقول إنك سارق الدوا لشاكر؟ وشاكر فين؟عم حامد سكت، وطلع من جيبه علبة الدوا اللي كان سرقها، وبص لها بكسرة وقال شاكر مماتش في المعركة يا مريم.. شاكر ماتت روحه هناك، وجسمه فضل عايش في العذاب بقاله 55 سنة. أبوك رأفت، الله يرحمه، حطّني في أصعب موقف ممكن إنسان يعيشه، وشاكر هو اللي دفع التمن البيت القديم والسر المدفونوصلنا بيت أمي. البيت القديم اللي ريحته دايماً بخور وياسمين. فتحت الباب، وأمي كانت قاعدة كالعادة على كرسيها الهزاز، بتبص للصورة المعلقة في الصالة وتسبّح. لما شافتني داخلة ومعايا راجل عجوز، مبهدل وهدومه رثة، قامت مخضوضة في إيه يا مريم؟ مين الراجل ده يا بنتي؟عم حامد وقف عند عتبة الباب، قلع طاقيته القديمة، وبص لأمي وعينيه مليانة دموع.. وقال بوهن عاش من شافك يا أم صابرين.. لسه زي ما إنتي، أصيلة وواقفة على رجلك أمي اتسمّرت في مكانها. السبحة وقعت من إيدها، والوجع ظهر في ملامحها فجأة كأن الزمن رجع بيها خمسين سنة لورا. حطت إيدها على بقها وقالت بنبرة رعب حامد؟! أنت لسه عايش؟ مش قالوا لي إنك سافرت ومبقتش تنزل مصر؟ إيه اللي جابك؟ وفين.. فين الباقيين؟هنا فهمت إن أمي عارفة حامد، بس فيه حلقة مفقودة. قعدنا في الصالة تحت الصورة مباشرة. الصورة اللي فيها رأفت أبويا، وحامد الراجل العجوز، وشاكر، وشاب رابع اسمه مصطفى بدأ عم حامد يتكلم، وصوته كان كأنه جاي من مغارة قديمة يوم 20 مايو 69، الدنيا كانت جهنم حمرا فوق التبة. الهجوم كان غشيم، والكتيبة بتاعتنا اتحاصرت. مصطفى مات في أول ربع ساعة. فضلنا أنا ورأفت وشاكر. رأفت كان هو القائد الصغير بتاعنا، العريف اللي بنثق فيه. انصبنا أنا وشاكر إصابات بالغة.. أنا شظية في بطني مكنتش قادر أتحرك، وشاكر انقطعت رجله وكان بينزف ومغمى عليه تحت الأنقاض خد نفس طويل وكمل رأفت جه يجرنا.. بس الطيران كان نازل ضرب، والوقت كان ثواني والتبة كلها هتتنسف. رأفت بص لي وبص لشاكر. شاكر كان غايب عن الوعي تماماً، وأنا كنت بصوت وبقوله الحقني يا رأفت، ولادي مستنييني. رأفت شالني أنا الأول.. وجري بيا وسط النار لغاية ما وصلني لنقطة الإخلاء الطبي. ولما جه يرجع عشان يجيب شاكر.. القذيفة التانية نزلت في نص التبة دموع عم حامد نزلت بغزارة أبوك مات وهو راجع يجيب شاكر. عشان كده أمك بتقول إنه مات وهو بيحمي زمايله. هو فعلاً أنقذني أنا، ومات وهو بيحاول ينقذ شاكر أنا سألته بلهفة طب وشاكر؟ إزاي عايش وإنت بتقول سارق له الدوا؟عم حامد بص في الأرض وقال شاكر مماتش بالقذيفة. الصليب الأحمر والجيش لقوه بعد يومين تحت الأنقاض.. كان لسه فيه الروح، بس العذاب العقلاني والنفسي دمره. لما صحي وعرف إن رأفت مات وهو راجع عشانه، وإن أنا عشت وهو رجله اتمترت.. عقله طار. عاش طول عمره معزول عن الدنيا، رافض يشوف حد، ورافض يعترف إن الحرب خلصت رحلة إلى المقبرة الحيةشاكر عايش في أوضة قديمة في حواري باب الشعرية، كمل عم حامد. أنا لما رجعت من برة بعد سنين، لحيته وعشت جنبه. بقيت أنا اللي بخدمه.. الراجل جاله زهايمر وضغط وسكر، ومعهوش ثمن شريط دوا ينظم ضربات قلبه. لما لقيت حالته بتتدهور ومعيش فلوس، غاب عقلي وسرقت الصيدلية عشان ألحقه أمي كانت بتبكي بحرقة، وبتبص لصورة أبويا وتقول يا حبيبي يا رأفت.. شيلت الذنب ده كله في قبرك؟قمت وقفت وقلت إحنا لازم نروح لشاكر حالاً. الدوا معايا، ولازم أشوف الراجل اللي أبويا مات عشان ينقذه ركبنا العربية تاني أنا، وأمي، وعم حامد. وصلنا لبيت قديم مهدوم نصّه في حارة ضيقة وضلمة. طلعنا السلم الخشب اللي بيزيق، ولما عم حامد فتح الباب.. شميت ريحة اليود، والتراب، وريحة شبه ريحة المكاتب القديمة في ركن الأوضة، على سرير حديد مصدي، كان قاعد راجل عجوز جداً، شعره أبيض زي القطن، وعينيه بتبص للفراغ. ملامحه كانت قاسية