مفيش سكرتيره
دق بسرعة.
إيه؟
الحساب اتدفع.
اتجمدت.
إيه؟
كل المبلغ المطلوب للعملية اتحول للمستشفى.
ندى حسّت إن الأرض بتلف بيها.
مين؟
الدكتور هز كتفه.
متبرع مجهول.
الدموع نزلت فورًا.
أكيد فيه غلطة.
مفيش.
مين؟
رفض يقول اسمه.
خرجت من الأوضة وهي مش مصدقة.
لكن جواها كانت عارفة.
عارفة جدًا.
مين الوحيد اللي يقدر يعمل حاجة زي دي.
في اليوم التالي...
دخلت مكتب كريم.
كانت متعصبة.
ومتأثرة.
ومتلخبطة.
وقفت قدامه.
وقالت مباشرة
إنت اللي دفعت؟
رفع عينه من الملفات.
دفعت إيه؟
عملية ياسمين.
سكت.
ثم رجع للملفات.
ندى فهمت.
وقالت
ليه؟
كريم قال بهدوء
لأنها طفلة.
بس المبلغ كبير.
وماله؟
أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
لأول مرة رفع عينه كاملة ناحيتها.
وقال
أنا ما عملتش ده عشان الشكر.
سكتت.
فأكمل
إنتي أنقذتي حياتي.
ندى ردت
أنا عملت اللي أي إنسان يعمله.
كريم ضحك ضحكة قصيرة جدًا.
وقال
لا.
ثم أضاف
مش أي إنسان.
لكن في نفس اللحظة...
في مكان بعيد.
داخل فيلا ضخمة خارج القاهرة.
كان رجل مجهول قاعد قدام شاشة.
بيتفرج على صورة كريم المنشاوي.
وصورة ندى جنبها.
وببطء شديد...
ابتسم.
وقال
يبقى بقت نقطة ضعفه.
ثم مسك التليفون.
وأصدر أمر واحد فقط.
راقبوا الست دي.
وفي اللحظة دي...
من غير ما ندى تعرف...
كانت دخلت أخطر لعبة في حياتها.
بعد أسبوع... اتحدد موعد عملية ياسمين. ندى كانت قاعدة جنب سرير بنتها، ماسكة إيدها الصغيرة، وياسمين بتحاول تبتسم رغم التعب اللي باين على وشها. قالت بصوت ضعيف
ماما... أنا لما أخف هروح المدرسة زي صحابي؟
ندى ابتسمت ومسحت على شعرها.
هتروحي يا قلب ماما.
وأجري؟
هتجري.
وألعب؟
هتلعبي.
ياسمين وهي مبتسمة، لكن أول ما بنتها غمضت عينيها، ندى انهارت في البكاء بعيد عنها. كانت خايفة. خايفة العملية تفشل. خايفة تحلم بالسعادة وتصحى على وجع أكبر.
في نفس الوقت كان كريم المنشاوي قاعد في مكتبه، ولما دخل عليه رئيس الأمن، عرف إن فيه ناس بدأت تراقب ندى. الخبر خلاه يسكت ثواني طويلة قبل ما يأمر بتأمينها بالكامل من غير ما تعرف.
أيام قليلة وعدت.
وجاء يوم العملية.
الساعات كانت بتمر ببطء قاتل.
ندى قاعدة قدام أوضة العمليات، ضامة إيديها لبعض وبتدعي من قلبها.
ولما خرج الدكتور أخيرًا وهو بيبتسم، وقفت بسرعة.
طمني يا دكتور.
ابتسم وقال
الحمد لله... العملية نجحت.
في اللحظة دي ركبتها ما عادوش شايلينها.
قعدت على أقرب كرسي وهي بتبكي من الفرحة.
بعد أيام رجعت للشغل.
دخلت مكتب كريم.
رفع عينه من الملفات وسألها
العملية نجحت؟
استغربت.
هي ما قالتش لحد.
ابتسمت وقالت
الحمد لله.
هز رأسه بهدوء.
كويس.
الكلمة كانت بسيطة.
لكن ندى حسّت إنها طالعة من قلبه.
الأيام بدأت تمشي بشكل مختلف.
بقى فيه احترام متبادل بينهم.
كريم بقى يعتمد عليها أكتر.
وهي بقت الوحيدة اللي تعرف تفهمه من غير كلام.
لكن في الجهة التانية كان فيه حد بيراقب كل حاجة.
حد شايف إن ندى بقت نقطة ضعف كريم.
وفي ليلة متأخرة رجعت ندى البيت.
أول ما دخلت العمارة حسّت إن فيه حاجة غلط.
طلعت بسرعة.
ولما فتحت الشقة لقت الأدراج متبهدلة والورق مرمي في كل مكان.
جريت ناحية أوضة بنتها.
ياسمين!
خرجت البنت بخير.
ندى وهي بتحمد ربنا.
لكن واضح إن حد دخل البيت.
حد كان بيدور على حاجة.
في نفس الليلة وصل كريم بنفسه للشقة.
لف بعينه في المكان كله.
ثم قال
دي مش سرقة.
بصت له ندى.
أمال إيه؟
قال بهدوء
تحذير.
وفي اليوم التالي وصلت للشركة صورة مجهولة.
الصورة كانت لندى وياسمين.
مفيهاش أي كلام.
لكن الرسالة كانت واضحة.
العدو قرر يقرب.
كريم وقتها عرف إن الموضوع بقى أخطر من أي وقت فات.
بدأ التحقيق بكل قوته.
وشهور طويلة مرت.
لحد ما الحقيقة ظهرت.
والمفاجأة كانت صادمة.
الشخص اللي ورا كل حاجة طلع شريف المنشاوي.
ابن عم كريم.
وشريكه القديم.
شريف كان شايف إن كريم خد منه الشركة والمستقبل وكل حاجة.
والكراهية اللي جواه كبرت سنة بعد سنة.
لحد ما تحولت لرغبة في الانتقام.
كل اللي حصل من تهديدات ومراقبة ومحاولة اغتيال كان بأوامره.
بدأت المواجهة الأخيرة.
وفي مخزن ضخم خارج القاهرة اتقابل الاتنين.
الحراسة كانت في كل مكان.
والشرطة مستعدة.
لكن شريف كان فاقد السيطرة.
وقف قدام كريم وقال بغضب
خدت كل حاجة.
رد كريم بهدوء
إنت اللي ضيعتها بإيدك.
كذاب.
الحقيقة عمرها ما كانت في صالحك.
شريف حاول يهرب.
لكن قوات الأمن سيطرت عليه.
وانتهى كل شيء.
انتهت سنوات الانتقام.
واتقبض على المسؤول عن كل المصايب.
بعدها بدأت الحياة ترجع لطبيعتها.
الخوف اختفى تدريجيًا.
والهدوء رجع من جديد.
مرت سنة كاملة.
وياسمين بقت طفلة مختلفة تمامًا.
بقت تجري وتضحك وتلعب في الجنينة.
ندى كانت قاعدة تراقبها وهي مبتسمة.
مش مصدقة إن البنت اللي كانت بين الحياة والموت بقت بالشكل ده.
أما كريم فكان واقف بعيد يتابع المشهد.
قالت ندى وهي مبتسمة
فاكر أول يوم اشتغلت عندك؟
هز رأسه.
فاكر.
كنت فاكرة إني داخلة مكان مرعب.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ويمكن كان عندك حق.
ضحكت.
ثم قالت
بس اكتشفت إن أصعب حاجة مش القوة.
بص لها.
أمال إيه؟
قالت بهدوء
الوحدة.
سكت كريم.
لأنها لمست أكتر نقطة كان بيحاول يخبيها طول عمره.
طول سنين كان حواليه ناس كتير.
موظفين وحراس وشركاء.
لكن مفيش حد قريب منه بجد.
مفيش حد شاف الإنسان اللي ورا الاسم والنفوذ.
إلا ندى.
هي الوحيدة اللي عاملته بشكل طبيعي.
والوحيدة اللي وقفت جنبه من غير مصلحة.
ومع مرور الوقت قرر كريم يعمل حاجة مختلفة.
أسس مؤسسة خيرية كبيرة لعلاج الأطفال غير القادرين.
وأصر إن ندى تكون المسؤولة عنها.
لأنها أكتر واحدة عرفت معنى الخوف على طفل مريض.
وأكتر واحدة عرفت قيمة الفرصة التانية.
في يوم الافتتاح كان المكان مليان ناس.
رجال أعمال وأطباء وإعلاميين.
وقف كريم قدام الجميع.
وبعد كلمة طويلة عن المؤسسة وأهدافها قال
في حياتنا بنقابل ناس كتير.
ثم بص ناحية ندى.
وأكمل
لكن ساعات شخص واحد يقدر يغير مصير إنسان بالكامل.
الكل صفق.
أما ندى فاكتفت بابتسامة هادية.
كانت عارفة إن السنين اللي فاتت غيرت حياتهم كلهم.
وفي نهاية اليوم رجعت البيت ماسكة إيد ياسمين.
البنت كانت ماشية جنبها وهي بتضحك.
ثم رفعت رأسها وسألت
ماما؟
نعم يا حبيبتي؟
إحنا بقينا سعداء؟
ندى بصتلها.
وبعدين بصت للسماء.
وافتكرت كل اللي مروا بيه.
الخوف.
والمرض.
والدموع.
والأيام الصعبة.
ثم حضنت بنتها وقالت
آه يا حبيبتي... بقينا سعداء.
ومع غروب الشمس كانت صفحة طويلة من الألم اتقفلت أخيرًا.
وبدأت صفحة
جديدة.
صفحة فيها أمل.
وأمان.
وحياة جديدة اتبنت على الشجاعة والوفاء والرحمة.