حماتي كسرت رجلي
حماتي كسرتلي رجلي بالنشابة الخشب بتاعة الفرد العجين، ولما استغيثت بجوزي بدل ما يساعدني قال إني بستاهل اللي جرالي. بصلي من فوق وقال ببرود كان المفروض تفكري في العواقب قبل ما تقللي أدبك مع أمي. وبعدها سابوني مرمية على أرضية المطبخ وراحوا يكملوا أكلهم ويتفرجوا على الماتش كأن مفيش حاجة حصلت. لكن وهم قاعدين فاكرين إنهم مسيطرين على كل حاجة، ماكانوش يعرفوا إن بعد تلات أيام بس، المستشفى نفسها هتبقى بداية الفخ اللي هيهد كل حاجة بنوها على الظلم والكذب.
وقعت على سيراميك المطبخ البارد بقوة، ومقدرتش حتى أسند نفسي. وجع رهيب شق جسمي كله، لدرجة إن الصرخة اتحبست جوا صدري. بقيت ألهث وأحاول آخد نفسي، والدنيا قدامي بدأت تضلم.
على بعد خطوات، كان الحاج سامي، أبو جوزي، واقف جنب التلاجة، حاطط إيده في بعض وباصصلي من غير أي تعبير. لا اتحرك، ولا حاول يساعدني، ولا حتى سألني مالي.
همست بصوت متقطع وأنا حاسة العرق البارد بينزل على ضهري يا كريم... بالله عليك... وديني المستشفى.
ظهر كريم عند باب المطبخ. كان لسه لابس هدوم الشغل وماسك موبايله في إيده. نفس النظرة الباردة اللي بقيت أعرفها كويس... النظرة اللي كان بيبصهالي كل مرة يشوف إن ألمي مجرد إزعاج بالنسباله.
لكن الليلة دي، وأنا مرمية على الأرض ومش قادرة أقف، آخر وهم كان عندي عنه مات للأبد.
تنهد وقال إيه اللي عملتيه المرة دي يا ندى؟
كان باصص على الأكل اللي وقع على الأرض أكتر ما كان باصص عليا.
قلت بالعافية والدموع مالية عيني أمك... ضربتني...
ولا اتخض، ولا جري ناحيتي، ولا حتى مد إيده يساعدني.
مفيش خوف... مفيش حب... مفيش أي إحساس.
بس ضيق وزهق، كأني بوظت عليه سهرة حلوة.
مشى ناحيتي بالراحة ونزل على ركبته قدامي.
في ثانية واحدة بس، سمحت لنفسي آمل.
يمكن أخيرًا يفهم... يمكن يشوف اللي حصلي... يمكن يشيلني ويخرجني من البيت ده.
لكن بدل كده، مد إيده على وشي.
مسك دقني بعنف وضغط عليها لحد ما حسيت بفكي هيتكسر، ورفع وشي غصب عني عشان أبصله.
وقال بصوت هادي كان مرعب أكتر من أي صريخ
يا ندى... قلتلك كام مرة؟ في البيت ده، الكلام يتسمع ويتنفذ.
كان عندي تسعة وعشرين سنة.
كنت شغالة محللة مالية كبيرة في شركة محترمة.
معايا ماجستير، وعندي شغل ودخل أكبر من دخله هو نفسه.
لكن وأنا مرمية على أرض المطبخ تحت نظرته ونظرات أمه القاسية، حسيت إني اتجردت من كل حاجة كانت مدياني قوة.
قام واقف تاني ومسح إيده في بنطلونه الغالي كأنه بيتخلص من حاجة مقرفة.
وبعدين قال الجملة اللي أنهت جوازنا فعليًا
سيبوها مكانها الليلة كلها. يمكن تتعلم الأدب. المستشفى تستنى لبكرة الصبح.
بعد دقائق، سمعت صوت الماتش شغال في الصالة.
سمعت صوت الشوك والسكاكين.
سمعت ضحك وكلام عادي.
قعدوا يكملوا أكلهم كأن مفيش ست مرمية بتتألم على بعد أمتار منهم.
كأن وجودي أو عدمه واحد.
الوقت بقى بطيء وغريب.
كنت بفقد الوعي وأفوق تاني من شدة الوجع.
لحد ما سمعت صوت كريم جاي من الصالة وهو بيقول
لازم الراجل يعرف يوقف مراته عند حدها من الأول. غير كده هتركبه. اللي حصلها ده كان لازم يحصل.
الكلام ده كان المفروض يكسرني نهائي.
لكن حصل العكس.
جوايا حاجة صحيت.
غريزة نجاة كنت فاكرة إنها ماتت من زمان.
وفجأة شفت الحقيقة واضحة قدامي.
لو فضلت مرمية على الأرض لحد الصبح زي ما هم عايزين... يمكن ما أخرجش من البيت ده عايشة.
وقتها قلت لنفسي
أنا مش هموت على أرضية مطبخ الست فوزية.
ومن اللحظة دي بطلت أستنى كريم يبقى الراجل اللي محتاجاه.
وقررت أبقى أنا الشخص اللي هينقذ نفسه.
النص السفلي من جسمي كان كأنه مش بتاعي.
كل حركة كانت نار.
لكن إيديا لسه شغالة.
غرست صوابعي في الفواصل بين بلاط الأرض وسحبت نفسي سنتي سنتي ناحية باب المطبخ الخلفي.
المسافة كانت كام خطوة بس.
لكن بالنسبة لي كانت أطول طريق في حياتي.
فتحت درج قديم ولقيت أداة صدية صغيرة.
مسكتها وبدأت أحاول أفك الشبك الحديد اللي على الباب.
إيديا كانت بترتعش.
مفاصلي بتحرقني.
وكل حركة كانت بتزود الألم أضعاف.
لكن مكملتش غير وأنا مصممة.
وأخيرًا، الشبك اتحرك شوية وقدرت أزق جسمي من الفتحة الضيقة.
ووقعت برا البيت.
الهوا البارد خبط في وشي بقوة.
المطر كان نازل، والتراب اتحول لطين.
ورا السور الصغير مباشرة كان بيت الحاجة أمينة، جارتي الأرملة... الإنسانة الوحيدة في الشارع كله اللي كانت بتبصلي بعطف.
بدأت أزحف وسط المطر.
شعري لازق في وشي.
الطين مغطي هدومي وجسمي.
أكيد أي حد كان هيشوفني ساعتها ويفتكرني شبح طالع من تحت الأرض.
ولما وصلت أخيرًا لباب بيتها، كنت خلاص استنفدت آخر ذرة قوة عندي.
ماقدرتش أطلع التلات درجات بتوع السلم.
ولا حتى أرفع راسي كويس.
فضلت مرمية في الطين تحت الشرفة.
ورفعت إيدي المرتعشة.
وخبطت بخفة على الباب.
دق... دق... دق...
الصوت كان ضعيف جدًا وسط صوت المطر.
نظري بدأ يروح.
الدنيا حواليّ بقت ضباب.
والضلمة كانت بتقرب أكتر وأكتر.
وفجأة...
نور الشرفة اشتغل.
ضوء أصفر قوي نزل عليا.
سمعت صوت الكالون بيتفتح.
والباب الخشب بدأ يتفتح بالراحة...
وظهر ظل طويل واقف فوقي..
كان الظل واقف فوقي، وما كنتش عارفة أرفع راسي أشوف مين، بس سمعت صوتًا دافئًا ومعروفًا، صوت الحاجة أمينة اللي ما غلطت فيا كلمة طول السنين اللي جارتني فيها
يا ست الناس.. إيه اللي جابك هنا في الجو ده؟ ومالك كده؟ إيه اللي حصلك؟
حست بيدين ناعمتين وحنونتين رفعت راسي شوية، ومسحت المطر والطين من على وشي، ووقتها فتحت عيني شوية وشوفت