حمايا جابلي حقى مشيره محمد

لمحة نيوز


​"منصب؟ ممرضين؟ أنت فاكرني مغفل يا بن إبراهيم؟ فاكرني نايم على وداني ومش عارف الشركات بتدار إزاي؟ افتح الزفت ده وشوف بنفسك!"
​الملف اتبعثر على الأرض، وبانت منه فواتير وتحويلات بنكية. الحاج إبراهيم كمل وهو بيشاور بالعصاية في وش مدحت:
​"دي كشوفات حسابات الفيزا بتاعة الشغل اللي في إيدك.. فندق سبع نجوم في الغردقة، عشا في مطاعم بتمن مرتب موظف عندك في الشهر، غوايش وسلاسل دهب من محلات الصاغة في الحسين.. كل ده ومكتوب تحت بند 'مصاريف علاقات عامة'! هي العلاقات العامة بقت بتتم في غرف الفنادق يا سي مدحت؟ والسرير اللي حجزته باسمك وباسم الست جيسيكا ده كان مؤتمر اقتصادي؟"
​مدحت وشه قلب ألوان، وبص للأرض ومبقاش عارف ينطق. الصدمة لجمته تماماً، وبدأ يدرك إن اللعبة انتهت.
​في اللحظة دي، أنا مقتدرتش أسكت. الوجع والكسرة وقهر السنين وتعب الليالي اللي عشتها مع زين ويوسف وهو عايش في اللالالاند، كل ده طلع في صوتي. قربت منه وبصيت في عينه وقُلت له:
​"كنت بتعمل كل ده عشاننا يا مدحت؟ الـ 17 مكالمة اللي كنسلت عليهم يوم الأربع والولد غرقان في دمه في الحمام وضهري مكسور مش قادرة أرفعه، كنت بتعملهم عشاننا؟ السهر والويك إيند والدلع مع عيلة قد ولادك، كان عشاننا؟ أنا ريحتي مطهرات يا مدحت؟ أنا شكلي هلكان وتعبان؟ طب ومين اللي هلكني مش شيل ولادك اللي أنت هربت منهم؟ أنت مش بس خاين.. أنت جبان ومقرف!"
​مدحت حاول يقوم ويقرب مني، وبدأ يتكلم بنبرة خوف حقيقية:
​"هدى.. أنا أسف، الشيطان شاطر.. بس متخربيش بيتك، الولاد محتاجينلي، أحنا ملناش غير بعض.. يا بابا قسماً بالله هصلح كل حاجة، هطرد البنت دي النهاردة، ومستعد أبوس رجل هدى قدامك بس بلاش تدمر مستقبلي!"
​الحاج إبراهيم قاطعه بصوت حاسم وقاطع زي السيف:
​"مستقبلك؟ مستقبلك انتهى في الشركة دي من دقيقة ما رجلي خطت المكتب النهاردة. اسمع بقى القرار اللي مفيش فيه رجوع يا مدحت.. من دقيقتين فاتوا، أنت مبقتش المدير التنفيذي، ولا حتى موظف بواب في الشركة دي. أنت مفصول!"
​مدحت صرخ وهو مش مصدق:
​"تُفصلني يا بابا؟ تطرد ابنك الوحيد من شقى عمرك عشان خاطر غريبة؟ هترميني في الشارع؟"
​رد عليه الحاج إبراهيم بكل قسوة وعدل:
​"الغريبة دي هي اللي صانت بيتك وعرضك وشالت ولادك اللي من دمك وأنت بايعهم. والشقى ده شقايا أنا، ومش هسيب شقى عمري لواحد ضيع أمانته.. ومش بس كده، الشقة اللي أنتوا قاعدين فيها دي باسمي، والعربية اللي بتركبها ملك الشركة.. تسلم مفاتيح العربية والمفاتيح بتاعة الشقة حالا، وتطلع بهدومك اللي عليك.. ملوش لزوم تقعد في مكان ريحته 'مطهرات ومعقمات' طالما بتقرف منها!"
​مدحت انهار تماماً، وبدأ يعيط بدموع ذل ونكسة:
​"طب هروح فين؟ هعيش منين؟ أنت كده بتموتني يا بابا!"
​الحاج إبراهيم لف ضهره لمدحت وبصلي، ونبرة صوته اتقبلت 180 درجة وبقت كلها حنان وأبوة، وقالي:
​"اسمعي يا بنتي.. الكرسي اللي كان مدحت بيحلم بيه، والمكتب ده، والشركة دي كلها.. من النهاردة أنتي اللي هتبقي مشرفة عليها. أنا كتبت نصيب مدحت كله في الشركة باسمك وباسم ولادك زين ويوسف. منصب المدير التنفيذي مش هيبقى لمدحت، إحنا هنجيب مدير محترف يدير، وأنتي هيبقى ليكي الكلمة الأولى والأخيرة ونِسبة الأرباح كاملة تنزل في حسابك وحساب الولاد."
​أنا وقفت مذهولة، دموعي نزلت بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع جبر خاطر من ربنا. بصيت لحمايا وقُلت له بصوت مرتعش:
​"ربنا يخليك ليا يا حاج.. أنا مش عارفة أقولك إيه، بس أنا معرفش حاجة في الإدارة ولا الشغل، والولاد محتاجيني كل ثانية."
​الحاج إبراهيم طبطب على كتفي وقالي:
​"الشركة من بكرة هتبعتلك أكبر مركز تمريض في مصر، ممرضين متدربين على أعلى مستوى هيبقوا في بيتك 24 ساعة يشيلوا عنك كل حاجة.. تخرجي، وتنامي، وترتاحي، وتيجي تباشري حلالك وحلال ولادك هنا وأنتي حاطة رجل على رجل. حقك وحق الولاد جه يا بنتي، والراجل اللي ميعرفش قيمة النعمة، ربنا بيزولها من وشه."
​مدحت كان بيسمع الكلام ده وهو بيموت في جِلده. شاف المنصب والفلوس والعز والعربية والشقة بيضيعوا منه في ثواني ويروحوا للإنسانة اللي كان لسه من يومين بيعايرها بتعبها وشقاها مع ولاده.
​وقف وبصلي بعين كلها ندم وترجي:
​"هدى.. أرجوكي سامحيني.. عشان خاطر العشرة، عشان خاطر الولاد.. متخليهوش يعمل فيا كده!"
​بصيت له بنظرة باردة، نظرة تليق بواحدة شافت كتير وصبرت كتير، وقُلت له بكلمات واضحة وهادية:
​"الولاد اللي أنت بتتكلم عنهم دول، لما كانوا بيعيطوا وأنا مش قادرة أشيلهم، أنت كنت بتضحك وتتفسح. العشرة أنت اللي دِست عليها برجلك لما قُلتلي إني مبقتش أتطاق. اخرج برة يا مدحت.. اخرج برة حياتنا، وروح للجيسيكا بتاعتك خليها تنفعك وتصرف عليك، أصل أنا ريحتي مطهرات.. ومبقتش أطيق ريحة الخيانة."
​الحاج إبراهيم شاور للأمن برة المكتب، ودخل اتنين من الأمن شالوا مدحت وهو بيعرج وبيعيط وبيترجى كل اللي واقفين، وخرجوه مطرود قدام الموظفين كلهم اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليه وهو بينهار من قمة البرج اللي كان فاكر نفسه ساند عليه، لسابع أرض.
​لما الباب قفل وراه، المكتب فجأة بقى هادي.. هادي ونضيف وصافي. حمايا بصلي وابتسم وقالي:
​"ارفعي راسك يا بنتي.. من النهاردة مفيش دموع تاني، ومن النهاردة أنتي الكل في الكل."
​أخدت نفس عميق لأول مرة من تلات سنين، وحسيت إن الحمل التقيل اللي كان على ضهري انزاح، وإن ربنا لما بيمهل مبيهملش، والحمد لله.. الحكاية انتهت وأنا واقفة على رجلي، قوية، وبصحة، ومعايا حقي وحق ولادي تالت ومتلت.

 

تمت.. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط