حمايا جابلي حقى مشيره محمد

لمحة نيوز

​أنا أفنيت كل دقيقة في عمري عشان أخد بالي من ولادي الاتنين اللي بقوا من ذوي الاحتياجات الخاصة، في نفس الوقت اللي جوزي كان بيقضي فيه وقته مع السكرتيرة بتاعته.. بس لما حمايا عرف باللي بيحصل، إداه درس عُمره ما هينساه وفوقه لنفسه.
​الحادثة اللي شقلبت حياتنا
​من تلات سنين، ولادي التوأم، زين ويوسف، عملوا حادثة عربية وهم راجعين من المدرسة، وكان أبوهم مدحت هو اللي سايق. الولاد ربنا نجاهم وعاشوا، بس الحادثة سابتهم بإعاقات حركية.
​دلوقتي بقوا عندهم 10 سنين.
​حياتي كلها بقت متمحورة حوالين مواعيد الأدوية، وجلسات العلاج الطبيعي، وإني أشيل وأحط في ولدين بيكبروا ومفيش في إيديهم حاجة وبيعتمدوا عليا في كل صغيرة وكبيرة.
​بقالي سنين ما تذوقتش طعم النوم لأكتر من أربع ساعات متواصلة.
​في الوقت ده كله، مدحت كان "عايش في المكتب". هو شغال في شركة الشحن والخدمات اللوجستية بتاعة والده، وكان عل طول يتحجج ويقولي: "أول ما أتمسك منصب المدير التنفيذي والشركة تبقى تحت إيدي، هيبقى معانا فلوس كفاية نجيب ممرضين فول تايم يساعدوكي".
​وأنا زي الهبلة كنت مصدقاه.
​الخيانة المبتذلة
​لحد ما بدأت ألاحظ حاجات غريبة..
اجتماعات بالليل متأخر، وعشاوات عمل مع عملاء في الويك إيند.
​البركان فرج يوم الأربع اللي فات.. زين اتزحلق في الحمام، وأنا في نفس اليوم ده كنت واخدة ديسك في ضهري ومش قادرة أشيله من الأرض.
​حاولت أكلم مدحت 17 مرة!
سبعتاشر مرة تليفونه بيدي كنسلة أو متاح ومبيردش!
​في الآخر اضطريت أستعين بجاري عشان يجي يشيل معايا ابني اللي كان بيعيط من الوجع وندخله سريره.
​سيد بيه مدحت شرف الساعة 10 بالليل وداخل البيت ولا كأن فيه أي حاجة حصلت. وهو في الحمام بياخد دش، شاشة تليفونه نورت..
​الرسالة كانت من "العميل جيسيكا".
​"منظر الفندق كان يجنن.. بس مش أحلى منك طبعاً. مش قادرة أستنى خروجة الويك إيند الجاية!"
​وجيسيكا دي تبقى السكرتيرة بتاعته، بنت عندها 22 سنة!
​لما واجهته بالرسالة، حتى مكلفش نفسه ينكر.. بالعكس، ضحك باستهزاء!
وقالها لي في وشي: "انتي مبقتيش تِتطاقي! ريحتك طول الوقت مطهرات ومعقمات، وشكلك علطول هلكانة وتعبانة وسيرتك تقطع الخميرة من البيت".
​حمايا.. راجل بـ مية راجل
​بعدها بيومين، حمايا الحاج إبراهيم جه يزور الولاد. لقاني قاعدة في المطبخ ودموعي مغرقة وشي. لما حكيت له على كل اللي حصل، ملامح وشه اتقلبت وبقت زي التلج من كتر الغضب.
​بصلي وقالي: "بكرة الصبح الساعة 8 أنا مستدعي مدحت في المقر الرئيسي للشركة، وهقوله إنه خلاص هيمسك منصب المدير التنفيذي."
​وبعدين كمل وهو باصص في عيني بوعيد:
"بس اللي هيحصل بعد كدة.. يا فرج الله! هعمله حفلة ووداعية للشركة عمره ما هينساها، وهخليه يندم على كل ثانية وجعك فيها. عايزك تصحي بدري وتيجي وتتفرجي بنفسك".
​الصدمة في المكتب
​تاني يوم الصبح، الساعة 8 بالدقيقة، كنت واقفة برة، وفجأة سمعت صوت صريخ مدحت مالي مكتب أبوه..
​وبعدها علطول، صوت حاجة تقيلة جداً اتهبدت واتكسرت على الأرض!
​لما جريت وفتحت الباب عشان أشوف فيه إيه، رجلي مكنتش شايلاني من الصدمة..

روايــات_مشـيره_مـحمد

لما فتحت الباب، الهوا اتسحب من صدري ورجلي خانتني، لولا إني ساندت على إكرة الباب كنت وقعت من طولى.
​المكتب اللي كان دايماً بيبرق ومترتب، اتقلب زريبة في ثواني. الكرسي الجلد الفخم بتاع الحاج إبراهيم كان مقلوب على ضهره، والترابيزة الزجاج الكبيرة اللي في النص مأنتخة ومية حتة على الأرض، والورق والملفات متطورة في كل مكان زي الفلوس في الفرح.
​في وسط المعمعة دي، كان مدحت واقع على الأرض، وشكله يقطع الخميرة من البيت.. وشه كان أحمر دم، وقميصه الأبيض متقطع من عند الياقة، وماسك ركبته وبيصرخ بوجع حقيقي وكأنه بيموت. فوق راسه كان واقف الحاج إبراهيم، ماسك في إيده عصايته الأبنوس التقيلة اللي متعود يتسند عليها، وكان بينهج وصدره بيعلو ويهبط من العصبية، وعينه بتطق شرار عمري ما شفته في حياتي قبل كده.
​الحاج إبراهيم أول ما شافني واقفة على الباب، وشه هدي سنة، بس فضل باصص لـ مدحت بنظرة تِقرف، وزعق فيه بصوت زلزل الحيطان:
​"قوم يا سقط الساكتين.. قوم اقف على رجلك بدل ما أدفنك مكامك هنا والنعمة الشريفة!"
​مدحت بصلي بنظرة كلها غل وكسرة، وكان بيحاول يقوم وهو بيعرج وبيتأوه:
​"شايفة يا هانم؟ شايفة أبويا عمل فيا إيه عشان خاطرك؟ كسر مكتبه عليا وفضحني وسط الموظفين برة! أنتي عاجبك الخراب ده؟"
​الحاج إبراهيم ضرب بالعصاية على الأرض خبطة رنت في ودانا كلنا وزعق:
​"اخرس خالص! قطع لسانك.. أنت لسه ليك عين تتكلم وتتبلى عليها؟ هي اللي خربت ولا أنت اللي عينك فارغة وندل؟ أنا اللي بعت وراها وجبتها تتفرج على نهايتك يا مدحت.. عشان تعرف إن ربنا حق، وإن اللي بيسيب ضناه ومراته في عز المحنة عشان يجري ورا عيلة صغرى، ملوش مكان وسط الرجالة!"
​مدحت قعد على كرسي سليم بالعافية وهو بيمسح العرق اللي نازل على وشه، وحاول يغير لهجته ويستعطف أبوه:
​"يا بابا ارجوك افهمني.. أنا مغلطتش الغلط اللي في دماغك، دي نزوة.. وبعدين أنا كنت شغال ليل نهار عشان الشركة، عشان المنصب اللي وعدتني بيه! أنا كنت مستني أسلم الكرسي ده عشان أجيب ممرضين يشيلوا الحمل عن هدى وعن الولاد.. أنا كنت بعمل كل ده عشانهم!"
​الحاج إبراهيم ضحك ضحكة عالية كلها تريقة وسخرية، وطلع من جيب جاكتته ملف أسود كبير ورماه في وش مدحت:

 

تم نسخ الرابط