اكتشفت ان جوزى متجوز عليا

لمحة نيوز

الفصل الأول
في سن السبعين، أخيرًا اتعلمت أستخدم الإنترنت.
وأول حاجة عملتها... إني فتحت فيسبوك أتفرج شوية.
لكن أول منشور ظهر قدامي خلّى الدنيا تلف بيا.
صورة احتفال باليوبيل الذهبي لجواز جوزي... وهو واقف جنب ست تانية، ماسك إيدها وبيبتسم لها بكل حب.
وتحت الصورة مكتوب
خمسين سنة وإيدينا في إيد بعض... ويا رب يجمعنا في العمر الجاي كمان.
فضلت أبص للموبايل فترة طويلة، مش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
لأن امبارح بس...
كان جوزي محمود قاعد قدامي على السفرة، بيتخانق معايا علشان الشوربة كانت مالحة شوية.
أما الست اللي واقفة جنبه في الصورة...
فهي سعاد...
حب عمره الأول، والست اللي طول عمره يقول عنها
أكتر حاجة ندمت عليها في حياتي... إني معرفتش أتجوزها.
لكن الصدمة الأكبر...
إن اللي نزل الصورة كانت بنتي منى.
واللي أول واحد عمل لها لايك...
ابني كريم.
وبعدين مراته.
وباقي العيلة.
وفي التعليقات، واحدة سألت
هو مش كانوا بيقولوا إن مدام سعاد عمرها ما اتجوزت؟
ردت بنتي بكل هدوء
لأ... هي وبابا كانوا متجوزين رسمي من زمان... بس محدش كان يعرف.
في اللحظة دي...
حسيت الأرض انسحبت من تحت رجليا.
بصيت حواليا...
للبيت اللي قضيّت عمري كله أنضفه.
ولا حبة تراب فيه.
كل ركن فيه شايل تعب سنين.
وفجأة...
ضحكت على نفسي.
دخلت المطبخ.
طفيت النار تحت الحلة.
قلعت المريلة.
وقلت لنفسي
من النهارده... اللي عايز ياكل... يقوم يطبخ لنفسه.
كنت أنا ومحمود اتجوزنا وأنا عندي تسعتاشر سنة.
ولا كان معانا عفش...
ولا فلوس...
ولا حتى معلقة.
أنا اللي كنت بشتري كل حاجة قرش فوق قرش.
طبق النهارده...
وحلة بعد شهر...
وبطانية بعد موسم.
لحد ما بقينا عندنا بيت.
بعدها بسنين...
لما الدولة أعلنت إن الناس اللي متجوزين عرفي أو من غير أوراق يقدروا يسجلوا جوازهم رسمي...
قلت له يومها
ما تيجي نسجل جوازنا.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
إحنا كبرنا خلاص... هنستفيد إيه من الورقة دي؟
سكت.
قولت يمكن عنده حق.
بعد كام سنة...
ولما كريم كان داخل المدرسة...
كل الجيران راحوا يعملوا قسيمة جواز.
رجعت فتحت الموضوع.
حط الجرنال من إيده، وبصلي بعصبية.
وقال
هو إنتِ مش هتبطلي كلام في الموضوع ده؟ هو الجواز ورقة؟
الكلمة وجعتني.
ومن ساعتها...
ما فتحتش الموضوع تاني.
لحد ما بنتي اتجوزت.
رجعت يومها وهي ماسكة قسيمة الجواز الحمراء، وفرحانة بيها.
فضلت أبص لها.
وقلت في نفسي
نفسي يبقى عندي واحدة زيها.
بالليل...
جمعت شجاعتي وقلت لمحمود
إيه رأيك...
لكن قبل ما أكمل...
ابني كريم ضحك وقال
يا ماما... هو إنتِ كمان هتجرّي ورا موضة الشباب؟
وقالت بنتي وهي بتضحك
دي مجرد ورقة يا ماما... الناس كلها عارفة إنكم متجوزين.
وقتها...
افتكرت إنهم بيقولوا كده علشان يريحوني.
مكنتش أعرف...
إنهم بيخفوا عني الحقيقة.
الحقيقة اللي اكتشفتها بعد خمسين سنة.
إن الورقة دي...
كانت موجودة فعلًا.
لكن باسم واحدة تانية.
رجعت أبص للمطبخ.
الحلة اللي كنت ملمعاها.
الأطباق المترتبة.
السفرة اللي كل يوم بحضرها.
وفجأة...
حسيت إني طول عمري كنت شغالة في البيت ده...
زي خدامة...
من غير مرتب.
بصحى قبل الفجر.
وبنام آخر واحدة.
أغسل.
وأطبخ.
وأكنس.
وأربي.
وأكبرهم.
وأفضل أخدم فيهم.
وفي الآخر...
طلعوا كلهم عيلة واحدة...
وأنا...
ولا كنت منهم أصلًا.
في اللحظة دي...
سمعت باب الشقة بيتفتح.
دخل كريم.
ومراته.
وبنتي منى.
وجوزها.
ومعاهم الطفلين.
الدنيا كلها دوشة وضحك.
أول ما دخل كريم قال
يا ماما... الأكل جاهز؟
بصيت له بمنتهى الهدوء.
وقلت
مفيش أكل.
وقف مكانه.
وقال باستغراب
إيه؟
رفعت الموبايل قدامه.
وقلت
قبل الأكل...
جاوبني الأول...
الصورة دي معناها إيه؟
الفصل الثاني
الدوشة كلها اختفت.
كل واحد سكت.
حتى اللي كانوا بيقلعوا الجزم وقفوا مكانهم.
الوحيدة اللي اتكلمت...
كانت حفيدتي الصغيرة ملك.
قالت ببراءة
ده جدو محمود وستو سعاد.
ماما كانت بتقول إن صورهم أحلى من صور العرايس.
مرات كريم جريت بسرعة وشدتها.
وقالت
اسكتي يا ملك.
بصيت لكل اللي واقفين.
وقلت
يعني...
كلكم كنتوا عارفين؟
ولا حد رد.
بعد شوية...
كريم هو اللي اتكلم.
قال
يا ماما... الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
قلت
أمال إزاي؟
قال
بابا كان متجوزها رسمي من زمان...
بس عمرهم ما عاشوا مع بعض.
هو عاش عمره كله معاكي.
يبقى ليه مكبرة الموضوع؟
بصيت له...
وحسيت إني مش سامعة كويس.
قلت
الاسم والصفة والحق كله كان ليها...
أما التعب...
والفقر...
والشقى...
كان ليا أنا.
وده بالنسبالك عادي؟
كمل وهو متضايق
يعني إيه دلوقتي؟
إنتِ طول عمرك الناس كلها بتناديكي مدام محمود.
إيه اللي ناقص؟
قلت
الكرامة.
بنتي منى قربت مني.
وعينيها مليانة دموع.
وقالت
والله يا ماما...
مكنتش متوقعة تشوفي البوست.
بصيت لها.
وقلت
عارفة...
علشان كده نزلتوه براحتكم.
لأنكم كنتوا فاكرين إني عمري ما هعرف.
فجأة...
كريم اتعصب.
وصوته علي.
وقال
بلاش تعملي مشاكل.
أبويا عاش معاكي خمسين سنة.
عايزة تهدي البيت كله علشان ورقة؟
وبعدين بص للمطبخ وقال
وبعدين إحنا راجعين من الشغل جعانين...
ولا لقينا لقمة ناكلها.
هو ده وقته؟
ضحكت...
بس ضحكة كلها وجع.
أنا...
اللي كنت بجوع علشانه وهو صغير.
أنا...
اللي شيلته على ضهري نص الليل وهو سخن ولفيت بيه على المستشفيات.
أنا...
اللي ساعدته يتجوز.
وربيت له عياله.
دلوقتي...
بيقول عليا أنانية؟
في اللحظة دي...
الحفيدة الصغيرة قالت
يا تيتا...
تيتا سعاد قالت إن الزعل بيكبر الإنسان.
بصيت لها بابتسامة باهتة.
وقلت
خلاص يا حبيبتي...
روحي اقعدي مع تيتا سعاد.
لفيت ودخلت أوضة النوم.
طلعت شنطة قماش قديمة.
حطيت فيها البطاقة.
ودفتر التوفير.
وعلبة الدوا.
وكام طقم هدوم.
وأنا خارجة...
كريم جري وقف قدام الباب.
وقال
إنتِ رايحة فين؟
قلت
همشي.
قال وهو مصدوم
إنتِ اتجننتي؟
في السن ده هتسيبي بيتك؟
مين هيخدمك؟
مد إيده يشد الشنطة.
رجعتها لورا.
وقلت
ابعد.
لكن ما اتحركش.
وقال بعصبية
اسمعي كلامي...
لو خرجتي من الباب ده النهارده...
متفكريش ترجعي تاني.
في اللحظة دي...
كل السنين اللي فاتت انفجرت جوايا.
زقيته بكل قوتي.
وقلت وأنا بصرخ
ابعد عن وشي!
وسكت ثانية...
وبعدين قلت بصوت مكسور
أكبر غلطة في حياتي...
إني فضلت خمسين سنة...
ما خرجتش من الباب ده.
بره الأوضة...
كانت منى واقفة وهي بترتعش.
طلعت موبايلها بسرعة.
واتصلت بأبوها.
وأول ما رد...
قالت وهي بتعيط
يا بابا...
إلحق.
ماما عرفت كل حاجة.
وهي... هتسيب البيت.
الفصل الثالث
بعد أقل من عشر دقائق...
اتفتح باب الشقة بعنف.
دخل محمود وهو بينهج، واضح إنه جري أول ما سمع مكالمة منى.
بمجرد ما شاف الشنطة في إيدي، عقد حاجبيه وقال بضيق
إيه التمثيلية دي؟
بصيت له بهدوء لأول مرة من سنين.
أنا مش بمثل.
أنا ماشية.
ضحك باستهزاء، وكأنه واثق إن كلامي مجرد انفعال لحظي.
هتروحي فين؟
البيت ده بيتك، وكل حاجة فيه من تعبك. سيبك من العناد.
رفعت الموبايل قدامه وفتحت الصورة.
دي إيه؟
اتغيرت
 

تم نسخ الرابط