بعد ماتحرقت في جسمي
بعد ما اتحرقت في جسمي كله وأنا بُنقذ أختي الصغيرة من حريق وهي عندها عشر سنين... حضرت فرحها بعد سنين على كرسي متحرك، فمالت عليّ وهمست روحي اقعدي ورا... إنتِ بوّظتي شكل فرحي المثالي.
لكن في اللحظة دي... أم العريس وقفت وقالت خمس كلمات جمدت القاعة كلها.
كانت قاعة الفرح ....
ريحتها مليانة ورد أبيض، وخشب مصقول، وبرفانات غالية.
كنت قاعدة على طرف الصف التاني.
كرسيي المتحرك متحرك شوية لجنب...
علشان ما أعطلش الممر اللي هتمشي فيه العروسة.
إيديا كانوا مستريحين في حضڼي.
ولابسة جوانتي أوف وايت رفيع.
تحت أكمام الفستان الكحلي...
كانت آثار الحروق ملتفة حوالين دراعاتي، كأنها شرائط ذابت على جلدي.
الحروق كانت مغطية رقبتي...
وضهري...
ورجلي...
ونص وشي.
ناس كتير حاولت ما تبصليش.
لكن...
مش كلهم قدروا.
أختي، ريم...
كانت واقفة عند المذبح.
لابسة فستان أبيض لؤلؤي، ووشها منور تحت نور الزجاج الملون.
كان عندها اتنين وعشرين سنة.
جميلة...
وكأنها طالعة من مجلة.
البنت الصغيرة اللي شلتها بين الڼار والدخان وهي عندها عشر سنين...
بقت النهارده عروسة.
أما أنا...
فكان عندي تسعة وعشرين سنة.
ولسه فاكرة ليلة الحريق...
كأنها حصلت امبارح.
ريم كانت بتصرخ من أوضة الدور التاني.
وأبويا وأمي كانوا واقفين برا البيت، منهارين ومش قادرين يدخلوا.
والمطافي...
لسه ما وصلتش.
دخلت البيت مرة تانية.
لقيت ريم مستخبية تحت ستارة وقعت عليها.
كانت بتكح...
وبترتعش...
ومسكة لعبة أرنب صغيرة في
وغطيتها بجسمي...
وزحفت بيها وسط الڼار لحد ما خرجنا.
هي خرجت...
ومفضلش فيها غير أثر صغير للحريق عند كتفها.
أما أنا...
فخرجت إنسانة الناس بتبص لها وتهمس من وراها.
قبل ما المراسم تبدأ...
نزلت ريم الممر وهي بتبتسم للمصور.
ولما وصلت عندي...
ابتسامتها فضلت مرسومة على وشها.
لكن عينيها...
اتغيروا تمامًا.
انحنت عليّ...
وكأنها هتبوسني على خدي.
لكنها همست بصوت واطي
روحي اقعدي ورا.
بصيت لها بعدم استيعاب.
كملت وهي لسه مبتسمة قدام الكاميرات
وجودك بوظ شكل الفرح... والصورة المثالية اللي أنا عايزاها.
حسيت إن نفسي اتقطع.
وبالكاد قدرت أقول
ريم...
قاطعتني بسرعة، وقالت ببرود
كفاية... متكبريش الموضوع.
كانت واقفة وراها أمي، ليلى...
وفجأة بقت مركزة في الورد اللي على طرف الممر، كأنه أهم حاجة في الكنيسة.
أما أبويا، محمود...
ففضل باصص لقدامه، وفكه مقفول بقوة.
ما نطقش...
ولا كلمة.
بصيت لأختي...
البنت اللي أنقذتها بإيديا.
البنت اللي رئتها لسه بتتنفس...
لأن رئتي أنا كانت أول واحدة امتلأت بالدخان.
كان نفسي أسألها...
إمتى بقيت مصدر إحراج بالنسبالك؟
وإمتى بقت الصور أهم...
من الجسم اللي شالك وطلع بيكي من وسط الڼار؟
لكن...
ما قولتش حاجة.
اكتفيت إني ألمس عجلات الكرسي المتحرك بتاعي.
وفي اللحظة دي...
وقفت أم العريس، نادية.
كانت ست طويلة، شعرها كله شاب، ولابسة فستان أخضر غامق.
من النوع اللي مجرد سكوته...
يخلي الناس تتوتر.
عازف الأورج وقف في نص النغمة.
ريم لفت ناحيتها باستغراب.
أما العريس، كريم...
فكان باصص لها بعدم فهم.
بصت نادية الأول لريم...
وبعدين لأبويا وأمي...
وفي الآخر بصتلي.
ملامحها ما تلانتش.
وقالت خمس كلمات بس...
لكنهم وقفوا الفرح كله.
هي اللي أنقذت حياتك يا ريم.
وش ريم اتغير في ثانية.
لدرجة إن المصور نفسه نزل الكاميرا من على وشه.
للحظة...
رجعت بنت عندها عشر سنين.
خاېفة...
ومتكشفة قدام الكل.
لكن بعد ثواني...
رجعت شخصية العروسة.
رفعت دقنها...
ورسمت ابتسامة أضعف من اللي قبلها.
نزلت نادية للممر، وقالت بصوت ثابت
أنا سمعت كل كلمة قولتيها لها.
همهمة انتشرت بين المعازيم.
لف كريم بسرعة ناحية ريم.
وسألها
هي بتتكلم عن إيه؟
ضحكت ريم ضحكة متوترة، وقالت
ولا أي حاجة... مامتك فهمت غلط.
هزت نادية راسها وقالت
لأ... أنا فهمت كويس جدًا.
في اللحظة دي...
أمي أخيرًا رفعت عينيها.
بصتلي أقل من ثانية...
وبعدين نزلت عينيها تاني.
والحركة دي...
وجعتني أكتر من كلام ريم.
أما أبويا...
فكان ماسك طرف المقعد بقوة، لدرجة إن صوابعه بقت بيضا.
وبرضه...
ما اتكلمش.
لفت نادية تبص لكل اللي في الكنيسة، وقالت
من عشرين سنة... كنت ممرضة طوارئ في مستشفى السلام.
وسكتت لحظة.
كنت في النبطشية الليلة اللي دخلت فيها كلير... أقصد، سلمى... بعد حريق شارع الياسمين.
أول مرة أحس إن اسمي...
له قيمة وهو
خارج من لسان حد تاني.
كملت نادية
كان عندها سبعتاشر سنة.
وكانت محروقة في معظم جسمها.
وكانت بالكاد واعية.
لكن كل مرة كانت تفتح عينيها...
كانت بتسأل سؤال واحد.
بص كريم باستغراب، وقال
كانت بتسأل عن إيه؟
حولت نادية نظرها ناحية ريم، وقالت
كانت بتقول... أختي عايشة؟
ساد صمت تقيل.
حسيت دموعي قربت تنزل...
لكن تماسكت.
مش النهارده.
ومش قدام الناس اللي أخيرًا بدأت تبصلي...
مش كتشويه في الصورة.
ولا كضيفة مالهاش لازمة.
لكن كإنسانة.
ريم فتحت بقها...
لكن ماعرفتش تنطق.
قالت نادية بهدوء
عمري ما نسيت البنت دي.
وما عرفتش إيه اللي حصل لها بعد العمليات.
ولما كريم وراني كشف المعازيم، وشفت اسم سلمى...
افتكرتها.
ولما شفتها النهارده...
اتأكدت.
رجع كريم خطوة لورا.
وبص لريم وقال بصوت هادي
إنتِ فعلًا طلبتي منها تقوم من مكانها؟
ردت بسرعة
ده فرحي.
قال
دي مش إجابة.
انفعلت وقالت
كانت قاعدة قريب من الممر... وكل الناس كانت بتبص.
سألها
كانت بتبص لمين؟
ردت بعصبية
لينا... للكرسي... للحروق... للمشهد كله.
اليوم ده المفروض يبقى جميل.
الكلمات دي...
كانت أقسى لأنها اتقالت قدام الجميع.
نزلت بعيني للأرض.
وفي اللحظة دي...
اتكلم كريم.
لكن نبرة صوته...
ما بقتش زي الأول.
قال
واضح إن الجمال عندك... معناه حاجة مختلفة خالص.
مدت ريم إيدها تمسكه، وقالت برجاء
كريم... أرجوك، متخليش الموضوع يكبر.
وقفت نادية بينهم، وقالت بهدوء حاسم
لأ يا ريم...
اللي بوظ اليوم ده...
مش إحنا.
إنتِ.
فضل الصمت مسيطر على الكنيسة لثواني...
لكن الثواني دي...
كانت كأنها ساعات.
الناس بقت تبص مرة لريم...
ومرة ليا.
وأول مرة من سنين...
ماحستش إني أنا اللي مضطرة أخبي وشي.
كريم لف ناحية القس، وقال بهدوء
ممكن نستنى شوية؟
القس هز راسه من غير اعتراض.
الفرقة الموسيقية سكتت.
والمعازيم بقوا قاعدين مكانهم، محدش قادر يمشي.
ريم بصت لكريم پصدمة.
إيه اللي بتعمله؟
رد عليها
بحاول أفهم أنا هتجوز مين.
قالت بعصبية
كل ده علشان موقف صغير؟
رد
لو كان موقف صغير... ماكنتيش قلتيه بالسر.
سكتت.
فكمل
إنتِ كنتِ عارفة إنه غلط.
أمي أخيرًا قامت من مكانها.
خطوت ناحيتي ببطء.
لكنها وقفت على بعد خطوات.
كان واضح إنها عايزة تقول حاجة...
ومش عارفة تبدأ منين.
قالت بصوت مكسور
سامحيني يا سلمى.
رفعت عيني